بيان الجمعة: من الصعب تخيّل مكان أقل احتمالاً لاقامة مصنع للسيارات من مركز احدى اقدم المدن في اوروبا. لكن مصنع «جلاس» الجديد لشركة فولكس فاجن الذي تكلّف 162 مليوناً من الدولارات يربض مباشرة في وسط مدينة درسدن الألمانية. وهذه اول محاولة عصرية ناجحة لاعادة دمج الصناعة الثقيلة في الثقافة الخاصة بالمدن، مناقضة بذلك قرناً من الحكمة المتعلقة بتخطيط المدن التي كانت تتطلب عزل المصانع عن المناطق السكنية والترفيهية. وعندما بدأت شركة فولكس فاجن بتصنيع طرازها الجديد الفاخر «فايتون»، كانت تأمل بأن تجذب المفاتن الثقافية للمدينة مستهلكاً اكثر رقياً. وكانت مدينة درسدن مثالية لخوض التجربة، فمركزها، الذي يضم مباني تعرضت للقصف في الحرب العالمية الثانية ولاتزال فارغة، يحتاج بشكل ماس للتطوير. ويقول مايكل مانسر، الرئيس السابق للمعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين ان هذه الممارسة ينبغي ان تصبح أكثر شيوعاً. ويضيف قائلاً: «بعد ان أصبح بالامكان الان تنفيذ عمل المصانع بدون احداث تلوث كبير، يبدو أنه لم يعد هناك سبب كبير يدعو لفصل المنازل عن المصانع». لا يتفق الجميع في درسدن مع هذا القول. فقد تقدّم حوالي 17000 مواطن بالتماس ضد المصنع عندما تم اقتراح فكرة انشائه لأول مرة في عام 1998. وهم مهتمون أكثر برؤية مركز المدينة يرمم تدريجياً لاعادته الى مجده الباروكي الغابر. وكان السكان المحليون هناك الذين اختبأوا في قباء قصره المزخرف خلال غارات الحلفاء في عام 1945 قد تندروا بقولهم انهم اذا لم يستطيعوا العيش هناك، فعلى الأقل سيموتون فيه محاطين بالأبهة والعظمة. وقد شاهد اولئك الاشخاص الذين نجوا من الغارات ابراجاً من الاسمنت البشع تنتصب عندما سقطت المانيا الشرقية تحت الهيمنة السوفييتية. ويقول المهندس المعماري للمصنع جونتر هين، الذي فر من المدينة مع عائلته عندما كان عمره ست سنوات، ان الخطط الرامية الى بناء مصنع للسيارات لم تبد إلاّ كالمهانة الأحدث. ويذهب هين الى القول بأنه بالاضافة الى ثقافة الباروك، فان المدينة كانت معروفة تاريخياً بابتكاراتها الصناعية حتى وان كانت السيارة الوحيدة التي عرفها معظم سكان درسدن عن كثب هي السيارة الألمانية الشرقية الصغيرة الخرقاء «ترابانت»، التي كانت تنتج في مصنع سييء في «شمنيتز» المجاورة. لكن فولكس فاجن ارادت ان تكون مختلفة. ويقول هين بهذا الخصوص: «كان ذلك هو التحدي الذي نواجهه. هل يمكن للمبنى والعمل هنا ان يندمج في المدينة بحيث لا يكون مكاناً صاخباً، وانما مكاناً عابقاً بالجمال». حتى الان يبدو الجواب ايجابياً. فهين يؤكد على أن مصنعه، المشيّد على أرض خراب كان يشغلها في السابق قاعة عرض متداعية للسقوط، قد منح درسدن مساحة عامة جميلة تتماشى مع ثقافة المدينة وتاريخها. وبالتأكيد، فان ولاية ساكسوني التي تتبعها درسدن كانت مركزاً لصناعة السيارات الألمانية في اوائل القرن العشرين. وتحاكي الخنادق المائية المقامة حول المبنى تلك التي كانت موجودة في مركز المدينة القديم. وتساعد شفافية المصنع على اندماجه في المدينة القديمة. ويفسر هين الوضع بقوله: «يمكنك ان تنظر عبر هذه البناية وعلى الجانب الاخر سترى هذه المناطق السكنية، وتنظر عبرها وتربط المطعم بمكان العمل، وبالتالي يكون لديك توليفات مختلفة من الأجواء». وفي داخل المبنى، توجد الحجرات والاجنحة المطلية بطلاء صقيل مساحات مميزة لوسائل الراحة مثل الحانات التي يعزف فيها البيانو وقاعات المؤتمرات. ومن كل جزء في المبنى، يكون خط التجميع مرئياً. وتتوقع فولكس فاجن ان يستمتع المحليون لدى افتتاح المصنع امام الجمهور في الشهر الحالي بالقدوم الى الحفلات الموسيقية والمعارض في القاعة الرئيسية او بزيارة مطعم المصنع المزود بكراسي من الجلد الفاخر والارضيات المغطاة بخشب البلوط. ثورة في التفكير غير أن شركة فولكس فاجن تسعى من خلال فتحها للمصنع بشكل كلي الى احداث ثورة في طريقة تفكير الناس تجاه السيارات. فمع ان مصانع الشيكولاتة وغيرها من المنتجات عرضت منذ فترة طويلة تنظيم جولات موجهة لمرافقها، فان الصناعة الثقيلة تعتبر من آخر المجالات التي أصبحت مصدراً للترفيه العام. فقد تحول مركز ماجنا في شيفلد بانجلترا، وهو معمل سابق للفولاذ، الى حديقة للمغامرات العلمية، كما ان مصنع فولكس فاجن في وولفسبرج بات موصولاً بحديقة نموذجية، وكلاهما يستغل الاهتمام المتزايد بفهم عملية التصنيع. ويقول هين: «تتزايد رغبتنا اكثر فأكثر في معرفة مصدر الاشياء، وهذا ينطبق على غذائنا وسياراتنا وملابسنا وأحذيتنا، فالناس تزداد ثقتهم عندما يشاهدون كيفية تصنيعها». تعوّل فولكس فاجن كثيراً على ذلك التوجه، وتسعى الى اشراك زبائن جدد في عملية تجميع سياراتها من البداية الى النهاية. والخطوة الاولى تتمثل في اقامة قاعة بالطابق الثاني مؤثثة بأرائك وسجاد عجمي، وتشرف على الحدائق وخط الانتاج. وتتم دعوة الزبائن للتخطيط لسياراتهم الجديدة اثناء تناول المشروب، بحيث يختارون لون السيارة والاقمشة بالفرش الداخلي. ويتم تعليمهم كذلك على استخدام نظام الملاحة وجهاز عرض السي دي. يستغرق بناء السيارة وخروجها من خط الانتاج 36 ساعة، ويشجع المشترون على تفحص عملية انتاج سياراتهم في أي وقت. ويقوم مرشد بترتيب الحصول على تذاكر مسرحية او زيارة لاحد المعارض من اجل المساعدة في تمضية الوقت أثناء انتظارهم. ويقول هين: «ان شراء السيارة هو أمر عاطفي وليس شيئاً محكوماً بالعقل فقط. ونحن نريد ان نوجد مكاناً يمكن لهذه الرابطة العاطفية ان تتطور». ومن الناحية البيئية، ينبغي على نشطاء البيئة ألا يقلقوا حيال المصنع الجديد: فليس هناك مداخن تنفث سمومها ولا شاحنات تسليم تسد شوارع المدينة. فالمواد يتم إدخالها بواسطة عربات «ترام» شبه صامتة. ولا وجود ايضا للرافعات او الآليات الثقيلة، فعملية التجميع تتم يدوياً. وعلى ارضية المصنع، يبدو العمال مثل الفنانين الحرفيين في مشغلهم، وتفتح مكاتب ذات جدران زجاجية على خط الانتاج. ويقول هين الذي سبق له ان استخدم الفكرة في مصنع سابق لسكودا انّ «العملية تجعل الاشخاص في الطابق الارضي يعملون بشكل أفضل. ويستطيع الاشخاص في المكاتب ان يشاهدوا ما يجري ويمكن للاشخاص العاملين في طابق المصنع ان يدخلوا الى المكاتب ويعودا منها بسهولة فهي علاقة اجتماعية». ان نجاح المصنع لايزال نظرياً حتى الان. فهو لم يبدأ بانتاج سيارة «فايتون» التي صممت لتنافس مع سيارة المرسيدس إس ـ كلاس وبي أم دبليو 5 سيرليز. ولاتزال هناك بعض التحفظات ازاء الفكرة من حيث انها تقدم المزيد من الشفافية، ولكنها لا تعطي للزبون الضمانة المطلوبة حول الجودة ولا تشركه في القرارات المتعلقة بالتصميم. ترجمة: ضرار عمير عن «نيوزويك»