بيان الجمعة: اختفى انسان نياندرتال منذ 30 الف عام وترك خلفه تركة قيل عنها انها عظيمة لكنها تتسم بالقوة والبشاعة. وتدور قصة هذا الانسان القديم حول سؤال واحد هام هو اذا كان هو جدنا الاعلى المباشر، ام ان سلالة بشرية اخرى اكثر تفوقاً قضت عليه وهي اسلافنا المباشرة. ويركز بحث حديث على هذا الموضوع ويشير الى انه يتطرق علمياً فقط الى الادلة، بل إلى طريقة تفكيرنا ايضاً في انسان نياندرتال. ويوضح البحث كيف طورت المعتقدات الاجتماعية والسياسية افكار العلماء بشأن اسلافنا. وتعود مسألة العنصرية في دراسة انسان نياندرتال الى عام 1908 على الاقل، عندما حلل عالم الاحياء القديمة الفرنسي مارسلين بول هيكلاً عظمياً لانسان نياندرتال. الهيكل العظمي شبه الكامل كان لرجل عجوز انهكه التهاب المفاصل وشوه عظامه، غير ان بول تجاهل الدليل المرضي واعتبر ان هذا التشويه من خصائص انسان نياندرتال. واستخدم هذه الخصائص المشوهة على انها دليل على ان انسان نياندرتال كان يعيش في عزلة واقل تطوراً من السلالات البشرية الاخرى. وكانت رغبة بول في التمييز بين انسان نياندرتال والانسان الحديث عبارة عن تيار سائد خلال هذا العصر حيث صنف العلماء الاجناس البشرية المختلفة على اساس مدى التطور، ووضعوا الجنس الاوروبي على رأس القائمة، كما يقول ميلفورد ولبوف عالم الاحياء القديمة بجامعة ميشيجان. ويقول ان هذا المفهوم العنصري للتقدم البشري ادى الى تكوين صورة مألوفة عن انسان نياندرتال تفيد بأنه سليل القرود. غير ان حركة الحقوق المدنية دفعت العلماء في الستينيات الى اعادة فحص الادلة واعادة تصنيف انسان نياندرتال في سلم التقدم البشري. وقالت مجموعة من العلماء بأن انسان نياندرتال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالانسان القديم الذي يسير على قدمين وانه كان لديه انواع ناجحة من التكيف. ويرجع هذا التغير في الرؤية حول انسان نياندرتال الى المناخ السياسي الليبرالي (الحر) ولايزال يؤثر هذا المناخ على الابحاث العلمية الان، كما يقول جان سيميك عالم الاثار بجامعة تنيسي. ويعترف سيميك بأنه وزملاءه يتأثرون بمناخ الليبرالية السياسية، ويقول انهم من جيل الستينيات عندما كانوا يحاولون بجهد التغلب على وجهة النظر الجامدة بشأن التنوع البشري، ويطبقون ذلك في عملهم ايضاً. وقد شجعت اكتشافات جديدة خلال العقود الثلاثة الماضية على تغيير هذه الرؤية. فأثبتت الكشوف الاثرية ان انسان نياندرتال كان يدفن موتاه. وقد يضع معهم الزهور ايضاً وانهم كانوا يستخدمون ادوات بدائية وانهم يراعون المرضى والجرحى. غير ان الادلة الاثرية المتناثرة لا تكون كافية لحل جدل ما، لذلك يبحث العلماء عن انواع اخرى من المعلومات والادلة. التحليل الوراثي وقد يكشف التحليل الوراثي مثلاً، اذا كان انسان نياندرتال قد تزاوج مع سلالات اخرى وبالتالي تحول الى سلالة متحضرة من الانسان، والادلة المتوفرة حتى الان غير كافية لاثبات ذلك، فليس هناك دليل ايجابي على حدوث هذا التزاوج كما يقول سافتني بابو استاذ علم الوراثة والجينات والتطور الاحيائي بمعهد ماكس بلانك لتطور الاجناس في المانيا. غير ان الباحثين يقولون انهم لا يستطيعون استبعاد هذا الاحتمال. ويحاول دانيل ليبرمان استاذ الاجناس القديمة بجامعة هارفارد من ناحية اخرى معرفة الغرض من الاشغال المختلفة للجماجم. وتعتبر محاولاته حرفة قديمة بشأن الجدل حول الاختلاف او التشابه في الشكل. وبحث ليبرمان وزملاؤه في منطقة نائية من خلف الجمجمة توجد في عظام انسان نياندرتال وبعض السلالات البشرية الحديثة. ويعتقد ليبرمان ان هذا الجزء له وظيفة تطورية في الانسان الحديث وعند نياندرتال ايضاً. ويبدو ان هذا النتوء يتيح مساحة اكبر من الجمجمة لتزايد حجم المخ. وتفيد النماذج التشريحية لانسان نياندرتال ان هذا الجزء من الجمجمة ربما يشكل توازناً مع الحواجب البارزة للامام مما يسهل عملية العدو بالنسبة لانسان نياندرتال. لكن وجود هذا الجزء من جماجم الانسان الحديث لا يثبت ان اسلافه المباشرين هم من انسان نياندرتال. بل قد يكون ذلك مثالاً على ما يسميه العلماء التطور التقابلي، حيث تتطور ملامح متشابهة في عدة سلالات مختلفة. وقد تؤدي دراسة الاشكال من هذا النوع الى الحصول على دليل يكسر الحاجز النظري ويدخل انسان نياندرتال في شجرة السلالة البشرية. غير ان هذا الجدل لايزال بعيداً عن الحل، وتوضح هذه الدراسة مدى صعوبة التوصل الى ادلة من مخلوقات مكثت من زمن بعيد. لكن البحث يكشف مدى التحيز او الموضوعية، في العلم بصفة عامة. فالاسئلة التي يطرحها العلماء قد تكشف بعض الاسرار كما تكشفها الاجابات عليها