إذا زعم زاعم أنه قادر على أن يجيبك عن هذا السؤال فاحمل زعمه على محمل الغلّو والادعاء، لا لأنه يدّعي ما ليس فيه، بل لأنه يتوهّم أن ذوقه وحده هو القاضي الفرد في مسألة لا تخضع لقانون، ولم ينزل بها نصّ. ولم يبلغنا فيها قول فصل، وإنما بلغتنا فيها أقوال تتناقض حيناً، وتتكامل حيناً آخر. ولمّا كان الذوق ملكة لا تضبطها قاعدة، او موهبة لا تستند الى تشريع فإن حكمه معرض للاستئناف والاستنكاف، قابل للنقد والنقض، وان اختلاف الناس في اذواقهم وأحكامهم يساوي اختلافهم في قسمات الوجوه، وبصمات الأنامل، فأيّ الآراء تأخذ، وأيّها تنبذ؟ ولعلك لاحظت ان اذواق الناس تختلف في أمور الحياة اليسيرة كالمطاعم والملابس والأزياء والألوان، فكيف لا تختلف في الشعر الذي يتصور الحياة في أعقد اوضاعها، ويصوّرها في أرقى صورها على أكثر من وجه، وبأكثر من اسلوب؟ ولهذا فإن محك النقد قبل أن يلج هذا المأزق اللحج، وقبل ان يزعم القدرة على تذوق النصّ وإذاقته يعترف لك بأنه يحاول ويطاول، ويحاور ويساور، لكنه لا يقضي ولا يفتي، ويعترف أيضاً بأن محاولته ومطاولته ومحاورته ومساورته خطوات، تكنفها العثرات، ومطامح قد ترتد مخفقة قبل ان تدرك الغايات. وهبه طمح وجمح، وزعم أنه سيميز الجمال من القبح، والصحة من السقم، والجزالة من الركة، فإنه في الوقت نفسه سيحتفظ برأيه غير مباهٍ به، ولا متعصب له، ولا ينكر على الناس اذواقهم، ولا يسفّه آراءهم، وكلّ ما يدعيه هو أنه قد يساعد القاريء المبتديء على السير في شعاب النصّ، فمتى ثبتت قدماه على الطريق خلّى بينه وبين الشعر يختار منه ويشتار، ويجتني منه ما يستحسن، وينبذ منه ما يستقبح، مؤمناً ان ملكة الاختيار والتذوق كامنة في النفوس، لا يحتاج ظهورها الى أكثر من الاكتشاف والإرهاف. ومحك النقد يقر إقرار المعترف بالضعف أنه لا يقوى على التجرد من أهوائه، والتحرر من ثقافته، ولا يدعي انه يفتي في معزل عمّا يؤمن به. ويعترف كذلك بأن الذوق السليم هو الذوق الفطري الذي لم تَشُبْهُ شوائب فكرية او سياسية او نفسية، ولم تخالطه لوثة الأهواء الأدبية، والمدارس الفنية. ومثلُ هذا الذوق يندر او يستحيل الظفر به في العصر الحاضر المتموج بالثقافات المتباينة، كما يندر او يستحيل الظفر بجواهر العناصر نقية صافية في حضن الطبيعة. وربما حملك التصوّر على أن تتمثل بدويا نقيّ السريرة، لم يطلع على الاتباعية والإبداعية، ولم يخالط مذهب الرمز ونظرية التفكيك، فتتخذه حَكَماً، وتجعل ذوقه معياراً، تقيس به الشعر. فهل تطمئن الى ذوقه في عصر يزخر بألوان الثقافة، وتصطرع فيه مذاهب النقد، ويتمخّض كل يوم عن جديد، ويطالعك كل صباح ومساء ببدعة؟ بعد التطور الذي أنجزته العصور الأدبية المتلاحقة، لا تستطيع ان تثق بقضاء قاض لم يدرس النظُم المستحدثة، ولا بفتوى مفت لم يستوعب مشكلات العصر، لأن الأول يقضي على جهل، والثاني يفتي بعقل الأولين، وكلاهما يعتمد على التذوق الشخصي، أو الفكر القديم. وإذا كنت توافقني على أن في الأدب الجيد والرديء والرفيع والرقيع، فلابد لي ولك من قاعدة نستبعد بها الرداءة والرقاعة عن الجودة والرفعة. ومهما يضؤل حظ هذه القاعدة من العدل والتجرد فهي على حظ من الموضوعية يكفي لتحويل الذوق الى منهج. وهذا المسلك في تطوّر الذوق من الخصوص الى العموم يعني ان النقد الذي كان في الأصل تأثراً شخصيا يغدو بعد ان تخالطه الثقافة المستحدثة منهجاً منطقياً، وأن هذا المنهج كلما اشتدت سيطرة العقل عليه اشتدت سمات التنظير فيه، وأخذ يتحول من نظرات متفرقات الى نظرية متكاملة. أفنفهم من هذا التحول المحتمل ان الذوق الذي وددنا لو يكون جوهراً صافياً آيل بالتحليل والتعليل الى نظرية نقدية تتسمى في كل عصر باسم، وتتزيّا بعد كل تطور بزيّ؟ وان تذوق الشعر لا يمكن ان يكون استجابة فطرية، وطرباً عفوياً، وإعجاباً يعبر عن نفسه بارتياح النفس، والتلذذ بالجمال؟ وإذا سلمنا بأن الحس الذي يذوق به القاريء الذواقة الجمال كاف للحكم على الشعر، فهل نستطيع ان نجد في الحس بوصلة دقيقة، تتجه تلقائياً الى الجمال كما تتجه ابرة الملاّح الى الشمال؟ الحق أن التذوق المجرّد من التعليل ادنى الملكات في عقل الانسان قيمة، وأقلها ارتباطاً بالذكاء، وأعجزها عن اصدار الأحكام الصائبة، وأبعدها عن الثقة، وأكثرها عرضة للزيغ. فالجميل عندي قد يكون قبيحاً عندك، والراجح عندك قد يكون مرجوحاً عندي. ولهذا فلابد من حجج نظاهر بها ما نرى، وأدلة نبرهن بها على صحة ما نزعم. صحيح ان النص الجيد يتوهّج جماله توهجاً تلقائياً، كما تشعّ الجوهرة في التاج، او كما تضيء الشمس في الأفق، غير ان النصوص التي اوتيت هذا التوهج التلقائي قليلة او نادرة. فليس كل متغزّل قادراً على أن يهتزّ ويهزك بمثل هذين البيتين لأبي صخر الهذلي: وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلّله القطرُ تكاد يدي تندى اذا ما لمستُها وتنبت في أطرافها الورق الخُضر وليس كل حكيم قادراً على ان يصفع الطموح والجموح برياح الاخفاق التي تملأ الآفاق على النحو الذي صوره ابو الطيب المتنبي حينما قال: أريدُ من زمني ذا أن يبلّغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ ما كل ما يتمنّى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فأمثال هذه الفرائد المتوهّجة نادرة في كل عصر، كندرة اللآليء في البحار، والأزهار في الأرض القفر. وهي من النوع الذي يجمع أكثر الناس على استحسانه، ولو اختلفت اذواقهم، لأنها من جنس اللؤلؤ، ومعدن الذهب، وطبقة الماس. وهذه الجواهر احتفظت بقيمها المالية والجمالية من آلاف السنين، لدى ملايين الناس. وبرغم ذلك فقد تجد ذوقاً متبلداً لا يفرق بين الذهب والنحاس، والزجاج والماس، فلا يطرب لما يطرب له أكثر الناس، ولا يُحسن ان يذوق ما بين الجمال والقبح من فروق. ومثل هذا الذوق قد يتهم النصين السابقين بالقبح، وقد يرمي صاحبيهما بالتسفيه، وهو ينقدهما نقداً فيه من الجلافة والسخف فوق ما فيه من الرهافة واللطف. زعم زاعم ان أبا صخر أخطأ حينما جعل نفسه عصفوراً ممطوراً على فنن لدن، وجعل اصابعه اغصاناً مبرعمة الأطراف، وعلّل النقد بقوة الشاعر وضعف العصفور، ونسي هذا الناقد ان جمال النص يكمن فيما ينطوي عليه ضعف العصفور من رهافة ورشاقة، ورقة ولين، وفيما تنطوي عليه البراعم من النسغ المتشوق الى النماء، والأجنّة المبشرة بالعطاء، ثم فيما يبشر به اجتماع المطر والبراعم من خصب، يرمز رمزاً لطيفاً عفيفاً الى تحول العشق بين الرجل والمرأة الى حياة جديدة بالوصال الذي كنى عنه القرآن الكريم بالملامسة، وعبّر عنه الشاعر بقوله: لمستها. لقد قال هذا الناقد ما قال إمّا لبعده عن الطبيعة وانجحاره في كهوف المكاتب والدواوين، وإمّا ـ وهذا هو الأصحّ ـ لحسّه البليد، وذوقه الناشز، واعتماده في المقارنة على الشكل والحجم، لا على الرمز والإيحاء، وعلى المادة وحدها، لا على ما يتخلّج في المادة من روح. ومثل هذا الذوق لا يُعتدّ به، ولا بما يقود اليه من تحليل وتعليل، ولو صدر التحليل عمّن يدعي سعة الاطلاع على الشعر، وبعد النظر في فهمه وإفهامه. ورحم الله أبا الطيب القائل: وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم وزعم زاعم اخر ان ابا الطيب أخطأ حينما قال: تشتهي السفن، وكان عليه أن يقول: يشتهي السفِن بفتح السين وكسر الفاء أي: ربّان السفينة. وحجته فيما ذهب اليه أن السفينة لا تشتهي. وحينما قيل له: اذا كان المتنبي يخطيء هذا الخطأ الفادح فما تقول في صغار الشعراء؟ أجاب: ربّما كان الخطأ خطأ الرواة لا خطأ الشاعر. كذا قال، ونسي ان المتنبي كان جليس سيف الدولة ومنافس أبي فراس، وربيب ابن جني، وكلهم ناقد بارع او شاعر مبدع، او لغوي عبقري، فكيف لم يعتلقوا ما اعتلق؟ ولم يأخذوا الشاعر بما أخذه به؟ والردّ على مثل هذا الناقد الذي «آفته من الفهم السقيم» ان الاحتكام الى اللغة وحدها قد يقود الى اللغو، وأن تحكيم المنطق وحده قد يذهب بالبهاء. فإذا كانت السفينة المصنوعة من خشب لا تشتهي على الحقيقة، فهي على جمودها يمكن ان تشتهي على المجاز، والمجاز لغة الشعر، أمّا الحقيقة فلغة العلم، ومن ينكر على السفينة شهوتها يعجز عن التغلغل في أسرار الشعر، وعن تذوق ما فيه من أسرار المجاز. وههنا يحقّ للقاريء ان يحك محك النقد بأظافر الاعتراض والامتعاض، فيقول له: ألم تقل في بداية كلامك: ان الناس مختلفون في أذواقهم اختلافهم في قسماتهم وبصماتهم؟ فلماذا نُؤْثر ما تقوله انت على ما يقوله الآخرون؟ وما الدليل على أن فهمك هو الصحيح وأن أفهامهم هي السقيمة؟ ولم لا نعكس طرفي المعادلة؟ وكيف تحرّم على غيرك ما تستبيح لنفسك؟ ألست القائل: على الناقد بالذوق ان يحتفظ برأيه لنفسه وألاّ ينكر على الناس أذواقهم، فكيف تخالف ما سننت؟ وهل لديك ضوابط تستند اليها في الحكم على النصوص بالجودة او الرداءة، وعلى الذوق بالرهافة او الجلافة؟ يتقبّل المحكّ كل هذه الأسئلة، ويحاول أن يجيب عنها في الخاطرة القادمة.