بيان2: في أحد الوديان الضيقة في سلسلة جبال فلاندرز في جنوبي استراليا، قام فريق من الباحثين وعلماء الحفريات بالبحث في المنطقة عن حفريات قديمة لأشكال حياتية بدائية قد تكون الأصل الذي تطورت عنه الحيوانات الراهنة، وربما الإنسان نفسه. تعتبر المنطقة بالنسبة لعلماء الحفريات، مثل جيم جيهلنج وجاي ناربون أرضاً مقدسة، فهي تحوي عينات مذهلة لحفريات ايدياكارا وهي أولى الكائنات العضوية متعددة الخلايا التي تستوطن الأرض. ولقد عاشت هذه الكائنات التي كان يبلغ طولها ثلاثة أقدام قبل ما يتراوح بين 600 و540 مليون سنة. أي في نهاية فترة ما قبل العصر الكمبري. وظهورها، الذي أنهى ثلاثة مليارات سنة من الهيمنة من قبل البكتيريا والكائنات العضوية الأخرى الصغيرة جداً، مهّد لتطوّر حيوانات كبيرة من بينها الإنسان. تتراوح حفريات ايدياكارا في شكلها بين العجلات المشععة والمراسي المصغرة والأشرطة المموجة والأوراق الشبيهة بأوراق الخس. لقد ظهرت أولى الأمثلة القليلة عليها في انجلترا في منتصف القرن التاسع عشر، ولكنها لقيت تجاهلاً الى أن تمكن علماء حفريات استراليين من اكتشاف منطقة مليئة بالحفريات في موقع يدعى «إيدياكارا» في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي. وأطلق العلماء عليها اسماء قنديل البحر والمرجان الرقيق والديدان، على اعتبار انها أجداد المخلوقات الموجودة في العالم اليوم. لكن اكتشافات جديدة وأفكار بديلة أخذت تقلب تلك الافتراضات القديمة رأساً على عقب. ويقول ناربون من جامعة كوينز في كنجستون بأونتاريو: «قبل وقت قصير، كنا نعتقد اننا نعرف كيف ترتبط هذه الكائنات العضوية بالحيوانات المعاصرة. أما الآن فإننا لسنا واثقين من ذلك تماماً». لاشك ان بعضاً من حفريات ايدياكارا كانت حيوانات صغيرة متحركة، وهي أقدم ممثل معروف لمملكتنا. ولكن الأخرى تنتمي لمجموعة غريبة من الأنواع ذات الجسم المسطح التي ازدهرت لفترة قصيرة ثم اختفت تاركة القليل من الدلائل خلفها لدرجة ان علماء الحفريات يجدون صعوبة في تصنيفها. وقد عاشت كلتا هاتين المجموعتين في عصر من البراءة البيئية، قبل ان تبدأ الحيوانات المفترسة بالابحار في المحيطات وقبل ان تحصل الحيوانات على اصداف دفاعية وهياكل عظمية صلبة وقبل أن يصنف العالم نفسه الى صيادين وطرائد. وصل فريق العلماء الى وادي باثتوب جورجي قبيل غروب الشمس، وهي الفترة المثالية لبروز الحفريات على الصخور الى جانب فترة شروق الشمس صباحاً. كانت أول حفرية يعثرون عليها بيضاوية الشكل وبحجم القطعة النقدية لنصف دولار. يطلق على هذه الحفرية اسم «ديكنسونيا»، وهي تشبه نسخة مصغرة من آثار الأقدام التي خلفها رواد الفضاء في مركبة أبولو على سطح القمر. لم يكن ناربوني ليهتم كثيراً بهذه الحفرية الصغيرة، فقد كان يبحث عن أخرى أكبر تشبه الوسادة البيضاوية. ويقول ناربون: «عندما كانت هذه حية، لابدّ وانها كانت تستلقي مثل الحصيرة المنبسطة على قاع البحر. وربما كانت تمتص المواد الغذائية مباشرة من الماء. وربما كانت الطحالب تعيش داخلها، مما يساعد في تسخير طاقة الشمس. ولم يكن بمقدورها ان تسبح. وعلى الأرجح لم تكن قادرة حتى على الزحف. وكانت على ما يبدو مخلوقاً غريباً وجميلاً اختفى قبل 540 مليون سنة دون ان يترك اية اقارب معاصرين». يعود اكتشاف اولى الحفريات في استراليا الى عام 1946 عندما قام عالم الجيولوجيا الاسترالي ريج اسبريج بالبحث في المنطقة عن حفريات اثناء توقفه فيها لتناول الغداء. وقد اعتبر اكتشاف اسبريج لحفريات ايدي اكارا الحل المنتطر لمشكلة داروين. فقد شعر العلماء انهم وجدوا الاجداد الاوائل للحيوانات المعاصرة. وكانت تلك قصة مرتبة ولكنها لم تدم طويلاً. ففي عام 1983، هاجم عالم حفريات الماني متنفذ يدعى دولف سيلاتشر الفكرة القائلة ان كائنات ايدياكارا هي التي أدت الى ظهور الحيوانات المعاصرة. واعتقد سيلاتشر انها كانت بسيطة وغريبة للغاية لكي يكون لها أية علاقة بالحيوانات. فحتى الحيوانات الأولية، مثل الاسفنج، مقسمة الى اجزاء، فلها فتحة تشبه الفم تقود الى تجويف لهضم الطعام. والحيوانات الأكثر تعقيداً لديها اعضاء متخصصة. غير ان حفريات ايدياكارا لم يظهر فيها أي من هذا المعالم. ويقول سيلاتشر: «إننا لا نرى اي مؤشر على وجود اعضاء للجسم. فلا نرى اية أرجل أو أفواه أو فتحات للشرج أو أجهزة هضمية، لا شيء ابداً يوحي بأنها حيوانات». اعتقد سيلاتشر في البداية ان حفريات ايدياكارا لا ترتبط ابداً بالحيوانات المعاصرة، وهي فكرة متطرفة لقيت رفضاً من قبل علماء اخرين في الحفريات. ومنذ ذلك الحين، قام الباحثون بالتنقيب في مواقع تعود لفترة ما قبل العصر الكمبري في شمالي روسيا وناميبيا ونيوفاوندلاند وشمال غرب كندا واستراليا. وقد ادت الدراسات الخاصة بهذه الاكتشافات الجديدة الى تقريب سيلاتشر وعلماء حفريات اخرين من بعضهم البعض. وهناك اجماع يبرز الى الوجود مفاده ان الكائنات العضوية في ايدياكارا تندرج في فئتين رئيسيتين. واحدة كانت من الحيوانات والاخرى كانت فئة غريبة بحق. اما في الجوانب الاخرى، فلايزال الخلاف والجدل قائماً بين العلماء حول اصل الحيوانات المعاصرة، وهو خلاف لن يحله ربما الا اكتشاف شكل من اشكال الحياة الاولية على احد الكواكب البعيدة عن ارضنا. والى ان يحين ذلك، يبقى الخلاف هو سيد الموقف. ضرار عمير