بيان2: ربما تكون تشكيلات القوات الخاصة ذات أهمية كبرى في الحروب بفعل الأدوار التي تمارسها وطبيعة المهمات الملقاة على عاتقها والتي تعود بالنتيجة في أغلب الأحيان إلى تحقيق انتصارات حاسمة. فهذه المهمات الصعبة قد تصل إلى درجة تكاد تكون أشبه بالمستحيل: التغلغل داخل خطوط العدو وبين صفوفه، التعود على مواجهة أشد الظروف الطبيعية وغير الطبيعية قسوة، تولي عدة أدوار قابلة للتغيير والتحوير في زمن قصير وفي مناطق جديدة، والسعي دوماً لإنجاح عمليات في غاية الخطورة ليس في وسع الجيش النظامي على الدوام تحقيقها: كجمع المعلومات الإستخبارية وإنشاء طرق مضللة لإيهام العدو وإيقاعه في أشراك ومآزق ومحاولة قطع خطوط إمداده وإتصالاته. ومثل هذه المهمات قامت بها عدة تشكيلات خلال الحروب الطويلة على امتداد التاريخ البشري فكان لمثل هذه التشكيلات والكتائب اليد الطولى في حسم معظم نتائج الحروب، على الرغم من السرية التامة التي غالباً ما تلف تلك المهمات أو أفراد التشكيلات، لأن سر النجاح يكمن في مدى التكتم والتعتيم على هكذا مهمات. وكانت الكتيبة الجوية البريطانية الخاصة المعروفة اختصاراً باسم «إس.ايه.إس» من طلائع التشكيلات التي أسهمت بدور كبير في المعارك التي انخرطت فيها بريطانيا بدءاً من الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام وبعض حروب الشرق الأوسط الداخلية وصولاً إلى حرب الخليج وصراع البلقان. ففي غضون خمسين عاماً تحولت كتيبة المهمات الجوية الخاصة من وحدة تجريبية صغيرة تضم 66 رجلاً ويقودهم ضابط ينعته المؤلف بالمجنون إلى أشهر وحدة قوات خاصة وأكثرها غموضاً في العالم. وبعد أن أُميط اللثام عن دور تلك الكتيبة فيما سبق من حروب وبات بوسع من كان أحد أفرادها ذات يوم من الأيام الحديث بحرية عن طبيعة المهمات والأحداث التي حصلت هناك، إنبرى الكاتب أدريان ويل لجمع كل ما وقعت عليه يداه من معلومات عن تلك الكتيبة وأحاديث رجالها. وهو في الكتاب الذي نناقشه هنا يتحدث عن تاريخ تلك القوة والحروب التي ساهمت فيها كالحرب العالمية الثانية وحرب جزر فوكلاند وحرب الخليج الثانية وحرب فيتنام والأدوار والمهمات الأخرى التي اضطلعت بها كالنزاعات الداخلية التي حصلت في الملايو وبرونيو واليمن والبلقان. ولا يغفل أبداً عن التحدث بتفصيل عن الكيفية التي يتم فيها اعداد وتدريب أفراد تلك القوة على نحو قاسٍ فيما يخص الالتزام والانضباط والتدريب الطبي والهبوط بالمظلات والتمارين العسكرية الميدانية القاسية في جميع الظروف الجوية والجغرافية. التاريخ الذي أحمله على ظهري ينطلق المؤلف في كتابه بالقول إن قوة النخبة البريطانية الجوية الخاصة واحدة من أكثر الوحدات العسكرية شهرة في العالم. فالروايات التي حققت أعلى المبيعات والسير الذاتية قد تحدثت عنها بينما تناولت أفلام هوليوود أعمال تلك القوة وقوامها فوج غامض التكوين. وفي وسائط الإعلام البريطانية كانت تظهر بين الفينة والأخرى حكايات وإشاعات عنها لأن مثل هذا التشكيل العسكري قد ظل مبهماً تحيطه السرية حتى الثمانينيات عندما داهمت المجموعة (ب) السفارة الإيرانية في شارع برنسس جيت في لندن فظهرت لأول مرة هناك بعض التفاصيل المتعلقة بتلك العملية. ومنذ ذلك الحين أخذت الكثير من الصحف والمجلات بسرد وقائع تاريخية حقيقية حصلت لافراد القوة، بينما أماطت التحليلات الأخرى اللثام عما كانت تفعله تلك القوة في الواقع والكيفية التي تؤدي من خلالها تلك المهمات. يعود تاريخ فوج «إس.إيه.إس» ، كما يبين ويل، إلى العام 1941 حيث أطلق هذا الاسم على مجموعة من المتطوعين تضم 66 فرداً تم تجميعهم في مصر بقيادة الملازم ديفيد ستيرلنج والملازم جوك لويس لشن غارات وعمليات تعرض مسلحة ضد خطوط اتصال المحور التي كانت تضم في ذلك الحين القوات الألمانية والإيطالية المتمركزة قبالة الجيش الثامن البريطاني في الصحراء الغربية. وكانت آمال ستيرلنج ولويس تتركز في زج هؤلاء الأفراد من خلال عملية إنزال بالمظلات، وهو الأمر الذي لم يتحقق بفعل الظروف الجوية السيئة التي غالباً ما كانت تسود الصحراء الأفريقية. وحتى حينما تمخضت المحاولات الأولى للفوج عن تحقيق إخفاقات مريعة ولم يسم أي من تلك بمواصلة المحاولات إلى تحقيق الأهداف المرجوة، سمحت تلك التجارب بمواصلة العمل في تشكيل الفوج الخاص ودراسة الكيفية التي يتم من خلالها تحقيق أفضل وأسرع النتائج بأقل قدر ممكن من الخسائر. وهكذا شملت العمليات اللاحقة زج تشكيلات فيما وراء خطوط العدو باستخدام عربات تمت قيادتها عبر الصحراء، مما شكل بدوره جبهة مفتوحة واسعة إلى الجنوب من جيوش المحور. وحقق ذلك العمل نجاحاً منقطع النظير كما يدعي المؤلف، ففي الثمانية عشر شهراً التالية من عمر الحملة في أفريقيا تمكنت قوة المهمات الجوية الخاصة ـ كما تمت تسميتها بعدئذ بقيادة ستيرلنج ـ من تجشم مسئولية كبيرة تمثلت بتدمير مئات من طائرات العدو التي كانت جاثمة على الأرض وإتلاف كميات هائلة من مواده الحربية، ناهيك عن العمليات اللاحقة التي شملت تدميراً متكرراً لأهداف مهمة للعدو كخطوط الاتصالات والبنى التحتية. وأثناء تلك العمليات قتل لويس في المراحل الأولى لتشكيل القوة بينما تم أسر ديفيد ستيرلنج في يناير عام 1943 ليزج في أحد معسكرات الاعتقال الألمانية الخاصة بأسرى الحرب في قلعة كولدز. وفي عملية «المشعل» التالية التي وجهها الحلفاء في الجزائر تم تشكيل قوة مهمات جوية خاصة بقيادة وليم، وهو شقيق ستيرلنج . وساهمت تلك الوحدتان كما يذكر المؤلف في عمليات صقلية وجنوب إيطاليا، وفي بداية العام 1944 تم إنشاء مقر قيادة لفوج المهمات الجوية الخاصة في بريطانيا لقيادة وتنسيق عمل تلك الوحدة بعد عملية الغزو الكبير وللقيام بتلك العمليات على أكمل وجه تم تشكيل قوتين فرنسيتين وأخرى بلجيكية وتم إضافتهما إلى التشكيل الأم. وفي أعقاب عملية الغزو التي قام بها الحلفاء في 6 يوليو عام 1944 تم إنزال عدة مجموعات مظلية من فوج المهمات الجوية الخاصة إلى فرنسا للعمل جنباً إلى جنب مع أفراد المقاومة هناك فوفرت معلومات تتعلق بالأهداف التي يود الحلفاء القيام بقصفها وأماكن تخزين الذخيرة وكذلك مواقع تمركز المدفعية والأسلحة الخاصة بالقوات البرية. وعندما تم تحرير فرنسا بصورة فعالة انسحبت القوة الجوية الخاصة إلى بريطانيا قبيل أن تعود لتؤدي دوراً استطلاعياً بسيطاً للمعارك المقبلة النهائية داخل الأراضي الألمانية. وعندما شارفت الحرب العالمية الثانية على الانتهاء يممت شطر النرويج للمشاركة في عمليات تجريد القوات الألمانية من سلاحها وإعادتها إلى وطنها. وفي خريف عام 1945، تم تسريح القوتين مؤقتاً في انتظار قرار يتعلق بانخراط جنود فوج الجوية الخاصة في الجيش البريطاني. وهكذا شكل متطوعون من محاربي فوج المهمات الجوية الخاصة قوة إقليمية عام 1947 (الفوج 21) للإبقاء على دور فوج المهمات الخاصة نابضاً بالحياة وللمحافظة على هويته الخاصة وأسلوب عمله الفريد والمميز. من حرب إلى أخرى شرع ذلك الفوج في عمله عام 1948 حيث يشير ويل الى تمرد دعا إليه الشيوعيون قد انفجر بين الأقلية من السكان الصينيين في بعض المستعمرات البريطانية في الملايو وسنغافورة. وكان معظم المتمردين هناك قد تدربوا على يد القوات الخاصة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية فكانوا يتمتعون بمهارة تكتيكية نسبية جعلت القوات البريطانية التي شرعت تقف قبالتهم عاجزة عن تحقيق حل سريع للموقف. وفي العام 1950 تمت استشارة الضابط الركن اللواء مايك كالفرت، الذي كان آخر قائد لفوج المهمات الجوية الخاصة في الحرب العالمية الثانية، عن الكيفية التي يتم فيها دحر الشيوعيين في الملايو. وكان من بين توصياته تشكيل وحدة خاصة تتولى مراقبة طويلة الأمد في مناطق عميقة داخل الأدغال التي كان الشيوعيون يستخدمونها كملاذ آمن. تمت الموافقة على هذه التوصية وطلب من مايك قيادة تلك الوحدة التي نعتها بـ (كشافة الملايو) واحرزت تلك الوحدة على الرغم من إخفاقها في البداية نجاحاً وفي ديسمبر عام 1951 تم قبولها رسمياً كوحدة تابعة للمهمات الجوية الخاصة وحملت الرقم (22). وفي الستينيات وعندما شرع البريطانيون بالانسحاب من معظم المستعمرات التي كانت خاضعة لحكم الأمبراطورية البريطانية انهمك فوج المهمات الجوية الخاصة بسلسلة من الحملات في بورنيو وبعض مناطق الشرق الأوسط بينما انخرطت بعض الوحدات الأسترالية والنيوزلندية التابعة لفوج القوات الخاصة بسلسة من المهمات في حرب فيتنام. وفي صدد تلك الواجبات يشير المؤلف إلى أن جنود القوة الخاصة قد حققوا نجاحات نسبية أضفت الكثير من القدرات والمهارات لقيادة ذلك الفوج بالإجمال. وخلال السبعينيات تم نشر القوة الخاصة 22 حيث طورت تلك القوة قدرة خاصة ضد الإرهاب للتعامل مع الحالات التي تحصل كاختطاف الطائرات واحتجاز الأشخاص، وهي الموجة التي ظهرت بكثرة في تلك الفترة بينما واجهت بريطانيا أعمالا مماثلة تطلبت منها التصرف بحزم في شمال ايرلندا. وتواصل دور فوج المهمات الجوية الخاصة بعد تلك الفترة عندما دخلت بريطانيا بشكل مفاجيء، وفقاً لرأي المؤلف، في حرب جزر فوكلاند عام 1982 ضد الأرجنتين التي أكدت أنها تملك تلك الجزر. وفي تلك الحرب تم نشر عناصر تابعة لثلاث مجموعات صغيرة من القوة 22 الخاصة حيث ساهمت في حرب تقليدية ضد الأرجنتين، بما فيها المهمة العقيمة لمهاجمة أحد المطارات في تيرا ديل فيوجو. واقتصر دور القوة 22 في فترة الثمانينيات على شمال إيرلندا في مكافحة ما يصفه الكاتب بأعمال الإرهاب التي كانت تنفجر بين آن وآخر ويقوم بها أفراد معظمهم تابعون لمنظمة الجيش الجمهوري الايرلندي. وحتى بعد مساهمة فوج المهمات الجوية الخاصة في حرب الخليج الثانية وقيامه بدور بسيط غير حاسم انتقل للعمل في يوغسلافيا السابقة. كارثة في الصحراء يشير المؤلف إلى الدور الذي قام به فوج القوة الجوية الخاصة في أحداث اليمن عام 1964 والكارثة التي حصلت هناك بفعل تصدي رجال القبائل لهم ومقاومتهم لأي تدخل بريطاني في شئون اليمن الداخلية. فالمهمة الكبيرة للقوة البريطانية قد بدأت في العام 1964 فيما يصفه المؤلف بالمحمية البريطانية التي تضم في الواقع مدينة ميناء عدن والمنطقة العربية النائية في الجنوب واللتين كانتا تحت الحكم البريطاني منذ العام 1839 وكانت المنطقتان أيضاً تتمتعان بأهمية كبيرة كنقطة يتم فيها إعادة التزود بالوقود والمؤن في طريق مرور القوافل العسكرية البريطانية صوب الهند والشرق الأقصى. وكانت السياسة البريطانية في المستعمرة، كما يوضح ويل، تقوم على التركيز على الميناء وترك المناطق الريفية من الإقليم لسيطرة قادة القبائل الذين تم الحصول على ولائهم من خلال المعاهدات وعروض القوة من جانب الجيش الذي كان يضم في أغلبه ضباطا من الإنجليز على الرغم من وجود العديد من الأفراد المحليين. وظلت هذه السياسة قائمة حتى عام 1962 عندما قامت الثورة في اليمن. وهكذا بدأت عمليات تسلل الأسلحة والمقاتلين عبر جبال ردفان صوب مناطق عدن. وبفعل قلة الاهتمام بهذه الحالة فقد أفضى الموقف إلى تدهور هائل عندما تم الإعلان عن حالة الطواريء في ديسمبر عام 1963 وإزاء ذلك يذكر المؤلف ان المحاولة الأولى لوقف أو إبطاء تدفق الأسلحة من اليمن قام بها أحد الألوية التابعة للجيش النظامي حيث تحرك هذا اللواء صوب ردفان في بداية عام 1964 من دون وجود خطة واضحة للكيفية التي يتم التعامل بها مع عملية التقدم. وهكذا احتل الجنود بعض المواقع لفترة مؤقتة قبيل الانسحاب صوب ثكناتهم. ولم يسع ذلك الجيش في حينها للحصول على معلومات استخبارية أساسية بينما تمكن الثوار من إعادة احتلال المواقع التي أخلاها الجيش النظامي. وفي أعقاب تلك المحاولة الأولى تمت دراسة الموقف في مقر قيادة القوات البرية في الشرق الأوسط حيث تقرر شن عملية أخرى تقوم بها عدة وحدات بريطانية بالإضافة إلى الجيش النظامي. وفي ذلك الوقت كان الرائد بيتر دي لا بليير من الفرقة البريطانية الخاصة 22 يجري تدريبات في عدن للفرقة (ألف) التي كان يقودها وتسلم نموذجا للخطة المقترحة. وتطلبت الخطة استخدام قوتين من الجيش النظامي ومجموعة من قوات الكوماندوز التابعة للبحرية الملكية البريطانية بهدف السيطرة أولا على موقعين في التلال التي كانت تحت سيطرة الثوار، حيث ستقوم مجموعة المظليين باحتلال أحد التلال بواسطة هجوم محمول جوا. واقترح دي لا بليير ان تُستخدم قوته لضمان أمن المنطقة التي يتم فيها إنزال المظليين. وفي 22 أبريل عام 1964 وصلت إلى عدن قوة مسلحة وانتقلت فورا صوب قاعدة في قرية تمير. واقتضت المهمة الأولى كما نصت الخطة المرسومة لها الشروع بعمليات دورية للتعرف على تضاريس الأرض المحيطة بهم وليجدوا منطقة ملائمة لإنزال المظليين. وكانت الصعوبة الأولى التي واجهها أفراد القوة البريطانية الخاصة والتي يتطرق إليها الكاتب هنا تتعلق بالماء لأنه كان شحيحاً ويصعب الحصول على موارد طبيعية ناهيك عن الجو الحار الخانق الذي جعل أفراد القوة يشعرون بحالة من الإحباط والتشتت وتفشي الأمراض المتعلقة بالكلية بفعل قذارة الماء الذي كانوا يشربونه. وبعد أسابيع من المراقبة صدرت الأوامر إلى دي لا بليير للقيام بالعملية الرئيسية التي تقتضي إرسال دورية لحماية منطقة إنزال المظليين الثالثة في رأس وادي تيم داخل المنطقة التي يحتلها رجال حرب العصابات. وبدأت العملية عند آخر ضوء من يوم 29 أبريل حيث ألقت طائرة الهليكوبتر بمجموعة المراقبة التي يقودها الكابتن روبن أدواردز في مسافة 5000 متر داخل الاراضي التي يحتلها رجال حرب العصابات. وعندما بدأت المجموعة بالتحرك صوب الهدف المرسوم لها اعترضتها المشكلة الأولى المتمثلة بمرض الجندي نك واربرتن، الذي كان يقوم بإرسال الإشارات، نتيجة لتناوله غذاء مسموماً. وحتى بعد أن تمكن واربرتن من مواصلة المسير فقد أبطأ من معدل الحركة وبدا واضحاً لأفراد القوة أنهم لن يستطيعوا بلوغ أهدافهم قبل طلوع الشمس. ومثل هذا الأمر طرح مشكلة خطيرة، إذ يقول المؤلف في معرض سرده لما حصل إن معاينة أفراد الدورية الثمانية سيقود إلى مجابهتهم بأعداد كبيرة وقوة كثيفة من جانب رجال حرب العصابات الذين كانوا منتشرين في المنطقة. لذلك بات الموقف حرجاً بالنسبة لأدواردز ورجاله الذين أخذوا ينتظرون المساعدة الطارئة. أما شرارة المشكلات فقد بدأت في وقت متأخر من صبيحة اليوم التالي. فعندما تقدم أحد رعاة الغنم المحليين صوب موقع الدورية قام أفراد الدورية بإطلاق النار عليه وقتله بعد احتجازه لاعتقادهم بأنه لابد سيفشي مكان وجودهم عندما يتم إطلاق سراحه. وحفز قتل راعي الغنم رجال القبائل المسلحين للقيام برد فوري على الرغم من إنهم لم يعرفوا هوية من أطلق النار على ذلك الراعي وأرداه قتيلاً. وحالما شرعوا بالبحث في المنطقة للوقوف على ما حصل حقاً قام أفراد الدورية بفتح النيران على رجال القبائل الذين كانوا بالجوار سعياً منهم لاحتواء الموقف قبل أن يتطور إلى مواجهة كبيرة. وكان ما تبقى من ذلك اليوم أشبه بالفخ الذي ينعته المؤلف بهذه الصفة. فقد سعى رجال القبائل للاقتراب من أفراد القوة البريطانية الخاصة بينما شخّص الجنود البريطانيون أية حركة قام بها رجال القبائل ليوجهوا نيران قناصي الجيش النظامي وقذائف القوة البريطانية على مواقعهم. وتم استهلاك 127 صاروخاً و7000 طلقة أثناء اليوم لدعم أفراد الدورية. وعندما حل الظلام تغير الموقف برمته. فالظلام كان يعني وفقاً لرأي المؤلف نهاية للدعم الجوي القريب وربما فرصة للدورية في التقهقر والعودة. وعندئذ اقترب قناصو رجال القبائل من موقع القوة البريطانية الخاصة حيث باتوا على مبعدة 50 متراً ولما همت القوة بالتحرك. أُصيب واربرتون في الرأس ومات فوراً لتأتي بعد ذلك بدقائق الأزمة الثانية المتمثلة بمقتل أدواردز نفسه عندما انطلقت الدورية صوب أحد الوديان في بحث عن غطاء لعملية انسحابها في منطقة آمنة. وفيما تلا من الليل قاتلت الدورية لشق طريق العودة وكانت تنصب الكمائن بين وقت وآخر لتأجيل أو منع ملاحقة رجال القبائل لها. وعند الصباح وصل الناجون إلى منطقة آمنة. ويرى ويل إن ما حصل في عملية الانتشار في ردفان كان كارثياً ومكلفاً للقوة (ألف) ويعكس الأسلوب المتعجل الذي وصلوا به إلى مسرح العمليات وشرعوا بعملهم هناك. وحتى فيما تلا من عمليات انتشار لاحقة في عدن لم يتحقق سوى الشيء البسيط جداً ولم تسم كل تلك المحاولات إلى ما كان مخططاً له أن يتحقق. في حرب الخليج الثانية يستهل المؤلف هذا الفصل بالحديث عن الأسباب التي جعلت من المتعذر التصرف بسرعة على الرغم من أن غزو العراق للكويت ـ كما ينوه ـ لم يكن بالمفاجأة الكبيرة للهيئات الاستخبارية الأمريكية والبريطانية التي كانت ترقب عن كثب حركة القطعات العراقية الكبيرة على الحدود لفترة أسابيع. فقد كان الوعد الذي أبرمه الرئيس العراقي للملك فهد والرئيس حسني مبارك قد جعل حجم التدابير العسكرية محدوداً: إذ لم يكن ثمة وقت لنقل تشكيل من فوج المهمات الجوية الخاصة على متن طائرة بوينج بريطانية إلى مدينة الكويت أو لتوجيه ضربة إلى أهداف عراقية، بينما لم تسمح الفرصة حتى لإخلاء الفريق التدريبي الخاص بالجيش البريطاني والمرتبط بالقوات المسلحة الكويتية في مدينة الكويت، بما فيها أفراد من فوج القوات الخاصة الذين تم احتجازهم من جانب الجيش العراقي. وفي الأسابيع التي تلت الغزو العراقي للكويت وعندما تشكل الائتلاف الذي استوعب بعض الدول الأوروبية والعربية بدأت المساهمة الأولى لفوج القوة الخاصة الجوية البريطانية بإقامة معسكر لتدريب القوى المحلية على الاضطلاع بدور محتمل في القتال. وفي البداية تمثلت المهمة الأولى للقوة البريطانية بإنقاذ الرعايا الأجانب في العراق. وفي 29 سبتمبر تم تعيين القائد السير بيتر دي لا بليير،الذي كان يوشك على التقاعد من الخدمة العاملة، قائداً لجميع القوات البريطانية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط . وحالما وصل الى مسرح العمليات أعطى الأوامر لفوج القوة البريطانية الخاصة بدراسة إمكانية إنقاذ عدد كبير من المواطنين البريطانيين والأجانب الذين كان العراق يحتجزهم كرهائن. وفي الحقيقة يوضح ويل أن تلك المهمة كانت صعبة التحقيق حيث تم وضع الرهائن ضمن مجموعات صغيرة وزعت داخل مؤسسات مبعثرة كان العراق يعتبرها أهدافا محتملة سيقوم الحلفاء بضربها، وتتراوح بين قواعد عسكرية ومصافي النفط. وتم الاستغناء عن هذه الخطة عندما أطلق العراق من تلقاء نفسه سراح كل المحتجزين في 6 ديسمبر إعراباً عن حسن النية. ترك هذا الأمر من دون حل الكيفية التي يتم من خلالها نشر أفراد فوج القوة البريطانية الجوية الخاصة. فقد كان دوره التقليدي في حروب الصحراء، كما حصل في الحرب العالمية الثانية، يتمثل بتوجيه عمليات الهجوم ونقل المعلومات. وفي حرب الخليج الثانية أدرك الكثير من كبار الضباط في ساحة الميدان ان مثل هذه المهمة يمكن تحقيقها بواسطة القوة الجوية، في ظل تمتع الحلفاء بسيادة جوية مطلقة. وبالإضافة لذلك يذكر المؤلف ان الجنرال نورمان شوارتزكوف القائد الأعلى للقوات الحليفة ، كان متشككا كثيرا فيما يتعلق باستخدام القوات الخاصة في هكذا مهمات بعد ان شعر بالخيبة لمشاهدة ما حل بالقوات الخاصة الأمريكية في فيتنام وفي جواتيمالا عام 1983 وفي النهاية كانت المهمة التي أنيطت بالفرقة البريطانية تتطلب منهم أن يقوموا بتطويرها ذاتيا. وكان عليهم التغلغل داخل الأراضي العراقية لقطع الطرق ولإنشاء التحويلات التي من شأنها أن تبعد القوات العراقية عن ميدان القتال وتزرع الخوف لدى الجنود العراقيين بالإيحاء بأن ثمة هجوماً كبيراً وشيكاً على الجناح الأيمن للجبهة. وعندما بدأت القوات الحليفة بالدخول إلى مدينة الكويت ضمن الموجة الأولى من عملية التحرير في الساعات الأولى من 17 يناير عام 1991 صاحبت عمليات التغلغل غارات عنيفة من القصف الصاروخي والجوي بهدف تحطيم قدرة العراق الجوية وكبح الدفاعات الجوية. وبعد خمسة أيام من ذلك التاريخ اجتازت الحدود العراقية الدوريات الأولى من وحدة المهمات الجوية الخاصة التابعة للقوة (ب ).وكانت هذه الدوريات، برافو 10، 20، 30 هي التي اضطلعت بمراقبة خط التموين الرئيسي العراقي إلى الغرب من بغداد حيث قامت بنقل المعلومات والمشاهدات المهمة ـ خاصة تلك المتعلقة بصواريخ سكود ـ إلى مقر قيادة القوات الخاصة في منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية. وكانت كل الدوريات تتألف من ثمانية أفراد واختارت المجموعتان برافو 20، برافو 10 العمل سيراً على الأقدام بينما تجمع أفراد برافو 30 على عجل في سيارات لاند روفر. وحالما اندفعت تلك المجموعات في ليلة 22 يناير بدا واضحاً إن سوء تقدير خطير قد حصل: فبدلاً من أن يجد الجنود منطقة صحراوية دافئة يستطيعون فيها تشييد مواقع مراقبة آمنة ومريحة نسبياً كانت الأرض التي أحاطت بهم سهلية صخرية في غاية البرودة، إذ كانت درجات الحرارة فيها تصل عند منتصف الليل إلى نقطة التجمد. وهنا يذكر المؤلف إن قائد برافو 10 اختار العودة بعد أن تشاور مع طيار الهليكوبتر، فقد أيقن إن ليس ثمة امكانية للبقاء لفترة طويلة من دون التعرض للخطر. أما قائد برافو 30 فتوصل إلى النتيجة ذاتها ولكنه قرر العودة بالسيارة إلى السعودية في رحلة سلخت منه ليلتين ريثما وصل هو ورجاله بسلام إلى هناك. وقرر قائد برافو 20 ،الذي كان متأكداً من ان دوريته كانت على مقربة من موقع عسكري عراقي، أن يغير موقع دوريته ويجد لها مكاناً آخر. وهنا يعرض المؤلف بتفصيل ما حصل لبرافو 20 ويقول إنها كانت غير قادرة على إجراء تحرك فوري لأن اللاسلكي لاح عاجزا عن العمل. وحتى حين تمكن بعض أفرادها من إرسال إشارات ورسائل لم يكن من اليسير التعرف إليها في مقر القيادة ولم يكن ثمة وسيلة يتمكن من خلالها أفراد الدورية من معرفة ما كان يحصل لتلك الرسائل. وبعد انقضاء اليوم الأول وتوجيه الدورية لإشارات تتعلق بمنطقة وجودهم خلال الليلة التالية قرروا الاعتماد على عملية الأوامر المفقودة ـ حيث ستصل طائرة هليكوبتر إلى موقع يتم إعداده سلفاً لتقوم بحل المشكلة عندما تزود ذلك الموقع بجهاز لاسلكي جديد. ومثل ذلك لم يكن ليحصل، ففي اليوم التالي تعثّر راعي شياه محلي بمنطقة وجود الدورية ليقرع ناقوس الخطر. حاولت الدورية وبعد أن أحاط بها الخطر الهروب من العراق صوب سوريا التي كانت على مبعدة 130 كيلومتراً إلى الغرب من موقعها. وفي تلك المحاولة هلك ثلاثة أفراد منهم (حيث تم قتل هؤلاء الثلاثة على الأغلب بالرغم من إن المؤلف لا ينوه إلى ذلك) وأُلقي القبض على أربعة آخرين تعرضوا بعدها لعمليات تعذيب قاسية ـ كما يشير ويل ـ من جانب العراقيين. أما العنصر الثامن فقد تمكن بأعجوبة من العودة إلى الجوف عبر دمشق وقبرص والرياض. أسرار «صندوق سكود» بعد الحديث عن تلك الدوريات ينتقل المؤلف ويل للحديث عما كانت الوحدتان (ألف) و(دال) اللتان كانتا على أهبة الاستعداد في ذلك الوقت وبعد فترة طويلة من الإعداد. ففي 23 يناير نشرت تلك الكتيبتان دوريات قتالية بحجم نصف قوة ضمن منطقة ينعتها المؤلف بـ «صندوق سكود» التي تتألف من بضعة ألوف من الكيلومترات المربعة داخل الصحراء العراقية الغربية. وفي اليوم ذاته شنت قوة الزوارق الخاصة عملية «مود» فتمكنت بنجاح من قطع حزمة أسلاك الألياف البصرية للاتصالات التي كانت تربط بغداد بميناء البصرة. ثم تطور دور هاتين القوتين في الصحراء العراقية ليشمل قتالاً ضروساً في أراضٍ صعبة وقاسية. من دون أن يكشف المؤلف عن تفاصيل تلك المجابهات، حيث يقول إن تفاصيل مثل هكذا عمليات تظل غامضة على الرغم من القصص التي نشرها بعض المحاربين والمتعلقة بنجاح دوريات القوة الجوية الخاصة في شن سلسلة من الهجمات على مواقع اتصالات داخل العراق. أما بالنسبة لنجاح تلك القوتين في تدمير منصات إطلاق صواريخ سكود العراقية فالمؤلف يشكك في أي نجاح قد تم تحقيقه مع إن الكثير من الحكايات والدعايات قد نشرت في هذا المضمار. ويعلل ويل رأيه هذا بالقول إن اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة (الأونسكوم) والتي تم إرسالها إلى العراق بعد الحرب للإشراف على تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل توصلت إلى نتيجة مفادها ان القوات الحليفة لم تتمكن من تدمير أية منصة لإطلاق الصواريخ أو صواريخ سكود. زد على ذلك أنه خلصت إلى النتيجة ذاتها لجنة التحقيق في الخدمات العسكرية التابعة لمجلس النواب الأمريكي، في الوقت الذي أشارت فيه المعلومات الاستخبارية إلى امتلاك العراق 19 منصة متحركة لإطلاق صواريخ سكود، وهو العدد نفسه الذي أخبر به المسئولون العراقيون لجنة التفتيش عن الأسلحة. ويخلص المؤلف، وبعد عرضه لما حصل من عمليات عسكرية لاحقة حسمت نتيجة الحرب، إلى القول إن دور قوة المهمات الجوية الخاصة 22 كان محدوداً وغير مؤثر كثيراً في النتيجة النهائية. وبالنسبة للدور الذي قامت به القوتان (ألف) و(دال) فقد حققتا إنجازاً تقنياً رائعاً: الإبقاء على وجود دوريات مراقبة فعالة عنيفة وتحظى بدعم ذاتي كبير عميقاً داخل الأراضي العراقية لفترة أسابيع متواصلة. وكان الأمر المدهش أيضاً تمكن تلك الدوريات من توجيه سلسلة من الضربات المتكررة لأهداف عراقية ومواصلة القتال في اليوم التالي.