بيان2: منذ أكثر من نصف قرن وصوت صباح فخري يؤجج فينا توهج العواطف والمشاعر الجياشة ويجعل القلوب تبكي استجداء للحب والصدق والعشق الانساني الخالص. صوت صباح حالة صوفية متفردة في الساحة تتسم بالصفاء والنقاء والقوة، وقد صمد صوته لأكثر من خمسين سنة خلت أمام زحف الأصوات الشاذة والنشاز وحقق بقاءه وحياته أمام موت مدوي لكثير من الصرعات والموجات الصوتية الهشة، ذلك لأنه يتكئ على قانون الحياة الأبدي والأعظم فالبقاء للأجمل والأفضل والأصلح والأنفع، والأقوى، ولا جدوى من الصرخات التي ليس لها صوت أو صدى باهتة وميتة فالغناء دواء للنفس وللروح وللوجدان ومهنة ابداع تفجر في الذات المسكونة بالحزن والألم مصابيح التوقد والتوق والانطلاق والأمل! غنى صوت صباح في سماء دبي ليلة من ليالي العيد فأشجى فؤادي وسقى عيني من نبع الشجن، وبعد الحفل التقيناه وقابلناه بأدب جم وبأخلاق الفنان التلقائي العفوي الحنون حيث دار بيننا هذا الحوار: ـ شهد العقد الأخير انتظامك في الغناء كل عام بدار الأوبرا بالقاهرة وحفلات الاسكندرية الصاخبة فكيف تصف لنا هذا التواصل الفني، وما هي نتائجه في المنتج الغنائي والموسيقي في مشوارك الممتد منذ نصف قرن؟ ـ دعني أعبر عن سعادتي البالغة جداً بالتواصل مع الجمهور المصري الكبير في القاهرة والاسكندرية وخصوصاً عندما كنت أشاهد اقبالاً متزايداً من فئات كبار السن والذين تزيد أعمارهم على الثمانين والتسعين عاماً يأتون ومنهم من هو غير قادر على المشي فيحمله أهله على أكتافهم وكذلك بعض فئات المعاقين والعجزة الذين يأتون على مقاعد متحركة وبأعداد كبيرة جداً جعلتني أبكي بكاءً حاراً في دار الأوبرا بالقاهرة وكذلك في الاسكندرية ولهذا أقولها لك بأنه شرف كبير لي ان أغني في مصر لما يتمتع به أهلنا هناك من ذائقة فنية عالية أما عن انعكاس ذلك فنياً على مشروعاتي فهناك ألحان جديدة لي مع كل من كمال الطويل، محمد سلطان، حلمي بكر، عمار الشريعي، والشرنوبي، وهذه اضافات فنية حقيقية لمشواري. ـ ونحن في الامارات هناك انتشار للأغنية الخليجية عربياً، فهل هذا مجرد ظاهرة فنية مؤقتة قد تنتهي وما تقييمك لهذه الأغنية؟ ـ دعني أتحدث معك بصراحة لا يجوز مثلاً مقارنة الأغنية الخليجية بالمصرية أو السورية فهناك تراث وحضارة عريقة قديمة أنتجت هذا الفن لكن في الخليج معطيات جديدة جعلت هذه الأغنية تنتشر وهي جيدة خصوصاً في معنى كلماتها لكن اللحن الخليجي معظمه ايقاع وأرتام يمنية والجيل الجديد أضاف اللون الهندي ودمج الموسيقى الايرانية والتركية وغيرها، فخرجت لنا هذه التوليفة الجديدة وهي فعلاً كما تقول مجرد ظاهرة ستزول لأن الأصيل هو الذي يبقى. ـ رفع الرواد نزار قباني كشاعر عندما تغنوا بقصائده أما الجيل الحالي فيستثمر شهرة نزار قباني فيغني من أشعاره فلماذا لم تغن له لا قديما ولا في الحاضر؟ ـ أنا اتفق معك تماما في الرأي ولكنني اعتقد انني اختلف كثيرا عن هؤلاء الذين يستثمرون شهرة نزار قباني فيتغنون بقصائده كي ينالوا بعضا من شهرته، أما أنا فلست بحاجة قط لأن أغني لنزار أنا الذي أرفع الشعراء وأساهم في شهرتهم مثل أم كلثوم وعبدالوهاب ساهموا في شهرة شوقي! ولهذا لن أغني قط لنزار وسأغني لغيره حتى لو لم يكن مشهورا فهناك من الشعراء المغمورين شعرهم أفضل وأصلح للغناء! ـ لكن في هذا العصر تطورت الأغنية تطورا سريعا في بنائها وموسيقاها وتصويرها اخراجيا فهل هذا يعني انتهاء الأغنية الطربية الطويلة والى الأبد؟ ـ نعم كلامك صحيح لأننا في عجلة من أمرنا والوقت لم يعد يسمح بالاسترخاء لذلك جاء هذا التطور السييء والسلبي للغناء. وعندما يعود الاستقرار السياسي والاقتصادي لمجتمعاتنا وتزدهر أحوالنا من جديد ستعود هذه الأغنية الطربية لأنها هي الأصيلة وهي التي تعبر بصدق عنا وعن تراثنا! ـ بهذا المعنى أنت متعصب جدا للتراث ولا تؤمن بالتجديد والتحديث في فن الغناء والموسيقى.. أليس كذلك؟ ـ نعم.. نعم أنا متعصب جدا للتراث والذي يعبر عن هويتنا، لكنني اختلف معك في اني ضد التجديد والتحديث، فهذا ضرورة في كل عصر والتطور لابد منه في كل زمان ومكان ولكن يجب استخدام لغة حوار جادة بين الاجيال حتى نظل نحافظ على هذا التراث، فاللحن الميلودي عبارة عن صورة أضع لها اطاراً برونزياً/فضياً/ذهبياً/ اطاراً فيه نقوش تضيء الصورة أو ألوان هذا التطوير وأظهره بالشكل الذي يناسبه، فالمثقف والمستمع العادي تستهويه الموضة ولكن هناك موضة من ذهب واخرى من أحط وأحقر المعادن لدرجة انها تشوه الثقافة والفن والآداب العامة! ـ إذن أنت ترى الأغنية العربية الآن في حالة رديئة مع جيل المجددين والشباب؟ ـ صدقني نحن نعيش الآن عصر انحطاط الاغنية العربية لأننا تخلفنا وتراجعنا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا والاغنية مرآة العصر، ولهذا نحن مضطرون ومجبرون للاستماع اليها وهذا ايضا لا يعني انه لا يوجد أي شيء جيد ولكن النسبة العظمى رديئة وهابطة وسيئة، وعندما كان هناك استقرار ظهرت أم كلثوم وعبدالوهاب والسنباطي وزكريا احمد في عصر الأصالة ولكنني لا أخشى على الفن من هذا التدهور والهبوط لأنه زائل! ـ في ظل هذا السياق.. ما رأيك مثلا بشعبان عبدالرحيم؟ وبورصة الأغاني التي لا تطرح اسمك قط في السباق المرئي والمسموع؟ ـ عندما نقارن يجب ان نقارن الذهب بالذهب والماس بالماس وليس الذهب بالرصاص أو الماس بالزجاج، لأن المقارنة هنا خاطئة وعن شعبان عبدالرحيم وما شابه ذلك كان موجودا في الماضي لكن التقييم العلمي والموضوعي لم يصنفه هو ومحمود شكوكو واسماعيل ياسين واحمد غانم وغيرهم كمطربين ولكن اسمه كان: منولوجست وهو يقوم بدور النقد الاجتماعي كناقد شعبي والناس بحاجة لهذا الكوكتيل من الفنون، لكننا خلطنا الاوراق ببعضها وصار الكل مطرباً وهذا خطأ في التسمية لأن مقولته: أنا بكره اسرائيل، هذا نقد شعبي مطلوب! أما بورصة الأغاني فأنا لا أقارن حتى بعمرو دياب رغم ان لكل انسان مكانته وقدره وقيمته لكنني لا أقيّم الا بواسطة أساتذة جامعيين ويكفيني فخرا انني فقط والفنان الكبير محمد عبدالوهاب اللذان حصلنا على جائزة الأكاديمية الامريكية «U.C.L.A» بكاليفورنيا خلال نصف قرن من الغناء العربي. ـ إذن لماذا هاجمت عبدالوهاب في الصحافة المصرية واتهمته بتخريب الموسيقى العربية؟ ـ صدقني ان بعض الصحافيين نقلوا حديثي هذا بالخطأ لأن عبدالوهاب فنان كبير هو أشبه بالهرم، لكن بعض الصحف تحب الاصطياد في الماء العكر فتنقل جزءاً صغيراً من الكلام المبتور بهدف الاثارة! لقد كان أحد أهم اصدقائي وأنا أدين لهذا الفنان الذي أعطى عمره كله للفن بالمحبة والمودة حتى لو كان له بعض الزلات فنحن بشر نخطيء ونصيب والاختلاف في الرأي نعمة وليس نقمة ولي ذكريات جميلة لا تنسى مع محمد عبدالوهاب في مصر وفي سوريا وأحبه حبا جما، وهذا للتاريخ وليس لأي هدف آخر. ـ أخيرا ورغم لغتك الرصينة في الغناء وأسلوبك التراثي الكلاسيكي نحن نشاهدك ترقص على المسرح وأنت في حالة من النشوة.. فماذا يعني ذلك؟ ـ الموسيقى لغة الكون خلقها الله قبل الانسان حيث كان حفيف الأشجار وخرير الماء وقد عالج الانسان الكثير من الامراض بالموسيقى في هذا العصر وحتى الابقار التي تستمع الى الموسيقى تدر حليبا أفضل وأكثر، وهذا عطاء من الله للانسان والحيوان والنبات، والغناء الراقي المتناغم مع مثل هذه الموسيقى الرائعة يجعلني كانسان أعيش حالة من الصوفية على المسرح فأرقص كصوفي في محراب الفن تقودني روحي لأنها سيدة الموقف هنا أتمايل، أهتز من الاعماق وليس من الخارج، أتذوق الفن بلغة صوفية وأرقص ليس مثل من يرقصون على: هزي يا نواعم!!