بيان2: صناعة الفضة عمل مسبوك بفن وذوق، صاغه الاقدمون بلمسات الابداع والرونق والجمال وتوارثه الابناء جيلاً بعد جيل إلى ان وصلت مرحلة بدأ معها هذا العمل يتراجع شيئاً فشيئاً لتبقى منه ذكرى يتيمة وأعمال متميزة. في مدينة راشيا اللبنانية عند سفوح جبل حرمون الناصع بثلجه الابيض والغنية بآثارها التاريخية وجمال معالمها، اشتهرت صناعة الفضة التي عرفت عصرها الذهبي في حقبة منصرمة في هذه المنطقة من البقاع اللبناني. بدأ العمل بهذه الحرفة منذ القرن السابع عشر ابان عهد الشهابيين وشملت صناعة الحُلي من أقراط وعقود وزنانير وقلادات وخواتم ولوازم الخيل وسناكبها.. وكان الامراء الشهابيون يعتمدون على حرفيي راشيا المبدعين لتزيين نسائهم. وابرز الحرفيين آنذاك كانوا عائلات شاتيلا، اللحام، شمعون، عبده، الفضماني، زاكي، الراسي، خليل، البيطار، مهنا، ناجي. نمت هذه الحرفة وازدهرت إلى ما بعد الانتداب الفرنسي ووصل عدد المصانع إلى اربعين مشغلاً ونحو مئة عامل، وكان الانتاج يسوق في جبل العرب في سوريا على ايدي آل الراسي وآل ايوب ومن ثم بدأت الحرفة تتقهقر بشكل لافت حتى تفجرت الاحداث اللبنانية. يعتبر عصام المقت صاحب مصنع للفضة في سوق راشيا الاثري ان صناعة الفضة تراجعت مع اندلاع الحرب اللبنانية واقفال بيت المحترف اللبناني منتصف السبعينيات الذي كان يستوعب انتاج مصانع راشيا وتسويقها إلى السائحين وتصديرها إلى الخارج. اضاف المقت: قبل هذه الفترة اشتهرت مدينة راشيا بعشرات المصانع التي كانت تهتم بصناعة العقود والاساور وزينة الخيل واللوحات التذكارية ويعمل فيها عدد كبير من المهنيين البارعين، ومن ثم بدأت المهنة بالتراجع حتى غابت كلياً واندثرت ولم يعد يهتم بها سوى قلة في المنطقة نتيجة الهجرات المتكررة لابناء راشيا والاستقرار في ديار الاغتراب. معدات بدائية أما مازن ايوب وهو احد العاملين الصامدين في هذا المضمار فقال ان حرفة تصنيع الفضة ترقى إلى ما يزيد عن مئتي سنة، وان صناعة الفضة كانت تمر سابقاً بطرق معينة نظراً لاستخدام معدات بدائية حيث سحب الفضة كان يتم بالدواليب البدوية، اما التلحيم فكان بواسطة سراج كبير توجه ناره عن طريق منفاخ داخل انبوب خاص. وأشار ان طريقة اليوم تستعمل فيها أدوات كهربائية للسحب والتطريق والتلميع مع الحفاظ على مهارة اليد العاملة، وهذا ما يميز هذه الصناعة ويكسبها قيمة كبيرة، لأنه ليس بامكان الآلة ان تقلد الصناعة اليدوية وبالتالي فان الفن والابداع يلعبان دوراً اساسياً في خلق الانتاج الذي يلفت النظر ويعطيه قيمة خاصة لان العامل يكسب من عمله جزءاً من روحه، وهذا ما لا تستطيع الآلة فعله. فن وابداع وقال ان صناعة الفضة هي حرفة فيها فن وابداع لا يضاهى ومن مشاكلها عدم وجود يد عاملة مختصة في وقتنا الحاضر بعد ان هجرها اربابها قديماً، اضافة إلى غزو البضائع الأجنبية للأسواق المحلية اللبنانية وزيادة على ذلك تراجع حركة السياح الذين كان يعتمد عليهم. ولفت ايوب إلى ان سعر الكيلو جرام الخام من الفضة يصل إلى 250 دولاراً وبعد مرحلة التصنيع يصبح سعره خمسمئة دولار وهذا يتوقف على نوعية الحُلي والاواني المصنوعة ورغبة الزبائن في الطلب عليها علماً ان الخواتم والاحرف الاسمية والابراج تأتي في مقدمة سوق التصريف. وقال عضو مجلس بلدية مدينة راشيا شادي ابو مالك ان الحرفيين في صناعة الفضة يشكون دائماً من المزاحمة الاجنبية لانها تباع بأسعار تصل إلى أقل من كلفة انتاجها محلياً، معتبراً اعتماد العاملين في هذه الصناعة على تصريف انتاجهم للمغتربين من الجالية اللبنانية في دول الاغتراب لانهم يحبذون شراء قطع الفضة ليقدموها هدايا تذكارية اضافة للمواسم السياحية كالزيارات التي تشهدها المناطق اللبنانية ومهرجانات التراث حيث تلفت انتباه الزائرين حرفة صناعة الفضة وتعدد اصنافها.