بيان2: في سوق العطارين بمنطقة المدينة في حلب، يجد المرء الكثير من الوصفات الشعبية والنباتات والاعشاب المتنوعة والحبوب والعقاقير جاهزة الصنع لمختلف انواع الامراض، والاصابات، وبزيارة واحدة ستعلم ان حاجتك موجودة ومؤمنة مهما كانت، حيث لا يدعك العطارون تخرج من السوق قبل ان يساعدوك على حد قولهم في تحقيق طلبك وايجاد الدواء الشافي لأي مرض تعانيه. فان كنت مريضاً بالسكر الشبابي.. فلا تخف لأنك ستجد ضالتك من الدواء الذي يقضي على الداء نهائياً من خلال حبوب سوداء اللون تتميز برائحة كريهة صنعت خصيصاً من حشيشة الكريصة ذات الطعم العلقم مع منقوع ورق الزيتون ذي المرارة الشديدة والمعبأ في زجاجات متوسطة الحجم حيث يشرب على مدار اسبوع كامل في كل يوم ملعقتين كبيرتين صباحاً ومساء قبل الطعام. واذا كنت تعاني من ارتفاع مستمر في ضغط الدم.. فبضعة من الكبسولات المصنعة محلياً بأيدي عطارين مهرة ستحل لك المشكلة وستجعلك تندهش بعد فترة من الزمن لضبط مستوى ضغط الدم.. اما ان كانت نسبة الشحوم في الدم مرتفعة عندك او حتى الكولسترول فما لك الا بحزمة صغيرة من الاعشاب اليابسة المتنوعة التي لا يعلم ماهيتها إلا الله والتي يفضل ان تشرب منقوعها بحجم فنجان من القهوة يومياً قبل الافطار ولمدة شهر كامل لتختفي بعدئذ الشحوم والكولسترول من جسمك نهائياً.. وكذلك الامر بالنسبة للربو حيث بعض الحبوب الشعبية المصنعة من حبة البركة وخلاصة عشبة الشقشقيق والختمية البري والزعتر والعديد من الاعشاب الاخرى المتنوعة ستجعلك بعد تناولها لفترة من الزمن تشعر بتحسن واضح ولن تعاني من اية هجمات ربوية او ضيق في التنفس مستقبلاً. وهكذا.. يحار المرء بهذه الوصفات الشعبية المتنوعة وهو في سوق العطارين، حتى ليخيل اليه انه في مجمع طبي او سوق للصيدليات وليس في دكاكين للعطارة.. فحبوب لوجع الرأس وآلام المعدة والمفاصل والاطراف واخرى للروماتيزم وتساقط الشعر والام الاذن والانف والحنجرة وكبسولات غريبة الشكل والمضمون لكافة انواع الالتهابات وعقاقير للاسهالات والاقياءات وامراض اللثة والفم والاسنان ومراهم مركبة محلياً للتحسس والحكة الجلدية ودوالي الساقين وشرابات للانتانات البولية وأدوية لمعالجة العقم عند النساء والرجال على حد سواء.. وشرابات للبدانة والتنحيف ومثلها لهزيلي الاجسام لفتح شهيتهم على الطعام واعشاب مختلفة للقلق والارق والصرع والحالات العصبية وزجاجات مملوءة بخلاصات البصل والثوم وبعض النباتات المتنوعة الاخرى مضافاً اليها نسب معينة من زيت الكاز اعدت خصيصاً للقضاء على مرض السكر عند الكبار حصراً. عقاقير متنوعة والاغرب من ذلك هو وجود العديد من المواد والمستحاثات الجالبة للسعادة أو الفاتحة للحظ أو الطاردة للعفاريت والارواح الشريرة.. أو.. أو.. الخ. طرحنا سؤالاً على احد العطارين حول شريحة زبائنه ومحتويات دكانه من الأدوية والعقاقير المتنوعة وارتفاع أسعارها احياناً مقارنة مع اسعار الأدوية في الصيدليات اجاب قائلاً: ـ زبائني من مختلف شرائح المجتمع.. يأتون بغية شراء الأدوية والعقاقير المصنعة من المواد والاعشاب الطبيعية 100% وذلك حسب نوع المرض.. والزبون حر في الاختيار فاما ان يشتري النباتات والاعشاب الطبيعية ليقوم بنفسه فيما بعد بتحضيرها واستعمالها.. واما ان يختار من الحبوب والكبسولات والعقاقير المتنوعة ما هو مصنع وجاهز للاستعمال الفوري، وطبعاً يكون السعر أعلى في مثل هذه الحالة.. وعموماً يوجد لدينا مختلف أنواع الأدوية والعقاقير للعديد من الامراض الشائعة، وجميعها مركبة محلياً ولا تحتوي على مواد كيميائية صنعية اطلاقاً.. هذا اضافة إلى الكثير من الاصناف والمواد المتنوعة الاخرى كالبهارات والتوابل والبخور وخلاصات النباتات والزهور والاعشاب وما إلى هنالك، اما بالنسبة لارتفاع اسعار عقاقيرنا مقارنة مع اسعار الأدوية في الصيدليات فهذا ليس دائماً.. وهو ان حصل فعلى أنواع معينة من الأدوية وذلك بسبب الاعشاب والمواد الاولية الداخلة في التركيب فقد تكون هذه الاعشاب قليلة في الطبيعة او نادرة في سوريا أو ربما هي مستوردة من الخارج.. وبغير ذلك فأسعارنا مقبولة وأدويتنا مضمونة النتائج. عالم الطبيعة عطار آخر تدخل فجأة عندما رآنا نتحدث مع جاره وقال: العالم كله بدأ يطالب بالعودة إلى الطبيعة والطب الشعبي ولاسيما بعد ان اثبت العلم مؤخراً حجم الاضرار التي تؤثر على جسم الانسان من جراء تناوله لمختلف انواع الأدوية المركبة من مواد صناعية كيماوية واصبغة وملونات وما شابه ذلك، وحتى الاطباء انفسهم اصبحوا يصفون لمرضاهم نباتات واعشاب طبيعية، ونحن في محلنا كما هو الحال في جميع دكاكين العطارة نبيع جميع اصناف النباتات والاعشاب على طبيعتها سواء أو نستخرج محلولها وعصيرها ونمزجه مع خلاصات اعشاب اخرى بنسب وكميات معينة حسب خبرتنا المتوارثة وحسب ما هو مذكور في بطون كتب الطب الشعبي لنصنع منها بعد ذلك عقاقير وأدوية لمعظم أنواع الامراض، وهذا ليس غريباً فعلماء العرب والمسلمين القدامى امثال الرازي وابن البيطار وابن النفيس وابن سينا وابن رشد وغيرهم كان لهم الفضل في اكتشاف العديد من النباتات والاعشاب وبالتالي معرفة فوائدها وأهميتها على جسم الانسان ولهذا فمن الطبيعي إذن ان يزداد الاقبال على النباتات الطبيعية لاستعمالها كعامل وقاية وعلاج. ونتابع تجوالنا في سوق العطارين.. ازدحام شديد.. رجال ونساء واطفال هذا يريد شراء الدواء للمرض الفلاني وذاك يسأل عن دواء آخر وتلك امرأة مسنة تبحث عن علاج يقلل التجاعيد من وجهها ويخفي تقدم العمر وثالث يتفرج ورابع قصد السوق لحاجة اخرى. وبين هذا وذاك يحاول العطارون ان لا يتركوا مريضاً او زبوناً يفلت من يدهم، فيقنعونه بشتى الطرق والوسائل بوجود طلبه من الدواء مهما كان مرضه، يساعدهم في ذلك ذكاؤهم وفراستهم في التعامل فيذكرون للشاري قصصاً عن بعض الرجال المعروفين في التاريخ الذين اصيبوا بأمراض متنوعة وعولجوا باستعمالهم لهذه النبتة أو تلك العشبة. وبغية التأثير على الزبون في تأكيد كلامهم يستعينون بأحاديث عن الرسول الاعظم «صلى الله عليه وسلم» وبأقوال الصحابة وببعض ما جاء في كتاب الله العزيز حول بعض النباتات وفوائدها «كحبة البركة والتين والعسل والزيتون» وغيرها. وعندما يكون المريض قد وقع فريسة شباكهم يوهمونه بأنهم قد حضروا الدواء في حبوب أو كبسولات وشرابات أو اية عقاقير اخرى جاهزة للاستعمال الفوري وذلك تسهيلاً على الزبون واختصاراً لمسائل التجهيز والتحضير والغلي والنقع. و.. الخ ثم يصفون كيفية استعمال الدواء مثلما يفعل الطبيب أو الصيدلاني تماماً وعندها تنطلي الحيلة على المريض الذي يكون مستعداً لقبول أية فكرة تخلصه من ألمه ومرضه فيشتري حاجته بالسعر الذي يطلبونه دون اية مساومة. رأي الطب لاستكمال عناصر التحقيق وفي محاولة لمعرفة الرأي العلمي والطبي في مثل هذه الامور.. توجهنا بأسئلتنا وما في جعبتنا من استفسارات إلى الطبيبين غازي نيازي الاخصائي بمرض السكر والسمنة وعضو الجمعية السورية للداء السكري وعضو لجنة التثقيف الصحي، والدكتور محمد وليد سنكري الاخصائي بأمراض الصدر والربو القصبي، وقد اخترنا ذلك دون الغير لكون امراض السكر والضغط والربو هي الاكثر انتشاراً وشيوعاً في العالم فما رأي الطب في هذه الوصفات الشعبية. الدكتور غازي نيازي يحدثنا عن رأيه حول هذه الظاهرة فيقول: لن ادخل في ماهية وآلية الداء السكري بنمطيه الأول والثاني ولا حتى في اسبابه واعراضه ونتائجه أو طرق العلاج والوقاية منه.. بل سأدخل في صلب الموضوع مباشرة، فالاحصائية الاخيرة لمنظمة الصحة العالمية تقول بأن مرض السكر والضغط احتلا المرتبة الاولى من حيث سرعة الانتشار والتزايد.. وهذا ما دعا العديد من الهيئات والمنظمات والجمعيات الخيرية والطبية المعنية الى تجنيد كافة الطاقات والامكانيات للحد من تسارع انتشار هذين المرضين، والعمل على ايجاد العلاجات لهما.. والحقيقة كل تطورات الطب والعلم الحديث في هذا المضمار تدعو إلى الأمل والتفاؤل مستقبلاً ولا سيما بعد اكتشاف نظم الهندسة الوراثية. أما بالنسبة للوصفات الشعبية التي تدعي القضاء على الداء السكري فهو هراء وكذب ونصب واحتيال وهو ابتزاز لأموال بعض المرضى المساكين وصرف نظرهم عن زيارة الطبيب، والغريب فعلا ان يكون هناك من يروج ويصنع ويبيع الوصفات الشعبية الجاهزة على شكل أدوية وعقاقير في زمن العلم والطب الحديث.. يقولون البصل والثوم وزيت الكاز وحشيشة الكريصة ومنقوع ورق الزيتون وخلاصات قشر الرمان أو مرارة الاغنام بعد تجفيفها وخلطها مع النخالة وبعض المواد الاخرى المتنوعة او يعلنون عن وجود الحلويات والاطعمة الخاصة بمرضى السكري علماً انه قد صدر أكثر من قرار من وزارة التموين يمنع الاعلان عن مثل هذه الأطعمة والاشربة.. أو.. أو.. إلى ما هنالك من الوصفات الشعبية الاخرى التي لا تستطيع اطلاقاً ان تعدل او تخفض من نسبة السكر في الدم.. فلا البصل ولا الثوم.. ولا كل المواد المتنوعة الاخرى يمكن ان نعتبرها بديلاً عن هرمون الانسولين في علاج السكر الشبابي أو مثبط لمضادات الانسولين للسكر عند الكبار.. والا لكان العالم اذاع الخبر وأعلن عن استعمال هذه المواد للشفاء من الداء السكري نهائياً وانتهى الأمر. خلاصة القول الوعي والادراك والالمام بحجم وخطورة هذا المرض في حال اهماله.. بما في ذلك الثقافة والمعرفة السكرية امور يجب على المريض ان يعرفها والوصفات الشعبية التي يروج لها البعض لا تنفع المريض اطلاقاً بقدر ما تضره في كثير من الاحيان. ولدى سؤال د. غازي حول العودة إلى الطب الشعبي وكنوز الطبيعة واعتبار محتوياتها بديلة عن الأدوية الفموية أو الانسولين اجاب قائلاً: ـ العلاج بالانسولين وكافة الأدوية الفموية الاخرى مدروس امرها بشكل علمي سليم.. مدروسة نتائجها ونسبها واعراضها وتحليلاتها.. وهي لم يعلن عنها الا بعد البحث والتجارب والدراسة المستفيضة التي توصل اليها علماء وخبراء واطباء ومحللون كيميائيون وفنيون من كافة الاختصاصات وليس بائع عطارة مثلاً. الوصفات الشعبية من جهته يحذر الدكتور محمد وليد سنكري الاخصائي بأمراض الصدر والربو القصبي من استعمال الوصفات الشعبية لمرضى الربو.. ولاسيما ان اسباب هذا الداء مجهولة إلى الآن، وحتى وان اتفقت معظم الآراء على ان تلوث الجو هو العامل الأول لاصابة الانسان وعلى الرغم من تقدم العلم في العديد من المجالات الا ان الكثير من الحقائق المتعلقة بمرض الربو لاتزال غامضة، مما يؤدي إلى ضآلة فرص الشفاء منه كلياً الا في حالات نادرة أو استثنائية، وهذا ما يستدعي بالتالي إلى الابتعاد نهائياً عن الوصفات الشعبية ما دام الطب عجز عن الوصول إلى مرحلة الشفاء كلياً. ويتابع الدكتور سنكري حديثه في هذا المجال فيقول: اما بالنسبة للأعشاب والنباتات الطبية التي يروج لها البعض مدعياً ان استعمالها يحقق الشفاء فهذا امر لا صحة له.. وعموماً تصنف الاعشاب والنباتات الى زمر ثلاث الأولى هي الاعشاب والنباتات التي درست بشكل علمي دقيق في مخابر متخصصة وعرف فيها الجوهر المؤثر وآلية تأثيره وحددت طريقة استعماله وفوائده، ودخلت في خانة الأدوية الحديثة، والثانية.. وهي تلك التي تم اختبارها بالتجربة فقط من خلال الاطباء القدامى فأخضعوها لملاحظتهم ودراستهم وعرفوا فوائدها ولكن بدون دراسة علمية معاصرة.. والثالثة التي يصنعها العطارون من نباتات واعشاب لا احد يعلم عنها شيئاً ولا حتى محتوياتها ومركباتها.. وطبعاً في الزمرتين الأولى والثانية قد تكون هناك بعض الفائدة ولكن ليس لدرجة الشفاء وهذا بالنسبة لمرضى الربو حصراً وكمثال البابونج والختمية وشقائق النعمان يفيدون المريض قليلاً ويريحونه وكذلك الأمر بالنسبة إلى حبة البركة، ولكن استعمالها بكثرة يؤدي إلى ارتفاع الضغط أيضاً.. أما الزمرة الثالثة والتي تندرج تحتها المستحضرات النباتية والخلطات والعقاقير والأدوية الجاهزة فاستعمالها لا يفيد الا لمن يروج لها ويتاجر بها. وهناك الكثير من الحالات التي لجأت إلى استعمال هذا النوع من الوصفات ولكنها عادت ووضعت نفسها تحت اشراف الطبيب المختص قبل فوات الاوان.. فالربو وحتى هذه اللحظة لا شفاء منه لا بالأدوية ولا بالنباتات ولا بأية وسيلة اخرى وبالوقت نفسه لا يعني هذا بأن الأمل معدوم مستقبلاً.