بيان2: ربما تمنى الانسان مداعبة قردة برية ومجاراتها وهي تقوم بحركات بهلوانية على الطبيعة وتحدث الناس بلغتها حين تريد منهم شيئا. قد يكون هذا موضوع فيلم يكون كل شيء فيه «مفبركا» لنشر المتعة وان بطريقة اصطناعية. لكنك بالفعل تستطيع أن تتعامل مع القرود المتوحشة بمنطقة خراطة الجزائرية ويمكن أن تجسد الرغبة خارج قاعة السينما. والصور التي تراها في الجزائر لم تلتقط من حديقة حيوانات ولا من سيرك.. لكنها تتكرر عشرات المرات على الطريق الجبلية بين مدينتي سطيف الواقعة في الهضاب العليا على 1000 متر على مستوى سطح البحر وبجاية الساحلية بشرق الجزائر.. فمع انتشار أشعة الشمس تنزل أفواج القرود البرية من جحورها المعلقة على سفوح جبال صخرية شاهقة لتلتقي بالمارة وتجالسهم وتأخذ أكلها منهم، وفي كثيرمن الأحيان تقوم باستعراضات شيقة أمام مئات من المتفرجين يصطفون على طول الطريق بين بلدتي درقينة وخراطة الساكنتين في أسفل الجبل. في تعلق بعضها بأشجار البلوط والصنوبر ينط بعضها على صخور الوادي الذي يشق السلسلة الجبلية الى نصفين متقابلين يظهران وكأنهما في سباق أزلي نحوالسماء، وتجري الصغار منها سباقات في تسلق الجبل. وترى الاناث وهي تحمل صغارها على الظهر وهما الوحيد ايجاد الطعام.. العلاقة بين الانسان وهذا المخلوق توطدت مع الزمن وحولت طبعة المتوحش الى شبه أليف يستأنس بابن آدم ويطمئن له. الطريق الجبلية هذه التي تتخللها أنفاق يتراوح طولها بين 30 و50 مترا، تم شقها عام 1875م، وكان مفترضا أن تكون صالحة لمدة 100 عام، لذلك شق نفق تحت الجبال الصخرية بطول 9 كيلومترات، بين خراطة وبرج ميرة. بدأ تشغيله منذ نحو خمسة عشر عاما ويختصر المسافة الى النصف. لكن أغلب الناس يفضلون الطريق القديمة الملتوية كالثعبان بمحاذاة واد يسمى «شعبة الآخرة»، لا لشيء سوى للقاء تلك القردة ذات اللون البني الفاتح التي تتسابق باتجاه سيارات المارة وتقوم بحركات وتصرفات جديرة بالفرجة ويعجب هذا المنظر الأطفال بالخصوص لذا تجدهم يحملون معهم «الهدايا» لتقديمها الى القردة لقاء تلك المتعة ويقدمون لها الخبز والفول السوداني والخروب وثمار البلوط والتين وحتى السكر والشيكولاته، ويسعدون حين يتناول ذاك الحيوان اللطيف الطعام من أيديهم. ويتخلل سباقها شجار عنيف في معظم الأحيان لأن عائلات القرود هذه قسمت الطريق الى مناطق نفوذ تسيطر كل عائلة على جزء معين منه. واذا توقفت سيارة مثلا عند نقطة ما من الطريق فان العائلة التي تسيطر على ذلك المكان هي التي تستفيد مما يقدم من الأكل دون غيرها. وحضر الناس معارك دامية بين كبار تلك العائلات حين يريد بعضهم اختراق منطقة نفوذ الجماعة الأخرى. وتعيش قرود خراطة ـ كما تسمى محليا نسبة الى اسم المنطقة ـ في كهوف بتلك الجبال الحجرية الوعرة وتتغذى علاوة على ما يقدم لها المارة من ثمار الأشجار الغابية المختلفة ومن أوراق وأعشاب. ويويأن تاجر قبعات مر ذات يوم من المكان وحين حل وقت الصلاة وضع الكيس الذي يحمل فيه القبعات على قارعة الطريق ثم توضأ من احد الشلالات الكثيرة التي تتمتع بها المنطقة. وعندما كان يصلي نزل عشرات القرود وفتحت الكيس ووزعت القبعات ووضعتها على رؤوسها، تشبها بذلك التاجر الذي كان يلبس قبعة مماثلة للتي يبيعها. ولما أكمل صلاته فوجئ بالمنظر وغضب لما يمكن أن يلحق بسلعته من أضرار ومن شدة الغضب رمى بقبعته في الأرض فقامت جميع القردة بنفس الحركة، ثم جمع قبعاته وانصرف الى حاله ومن هذه الحكاية أصبح الجزائريون يطلقون على من يتشبه بغيره اسم «قرد خراطة». ومع أن هذه المخلوقات تسعد الانسان بلقائه يوميا والاقتراب منه وعرض «مواهبها» الغريزية في الحركات الجميلة، فانها لم تسلم من تطور العمران وتأثرت كثيرا بفعل الحرائق التي تنشب في كل فصل صيف بغابات الفلين والزان التي تزخر بها المنطقة. لذا فان الناس يقدرون ظروفها ويضعونها في حسبانهم عند المرور ويقدمون لها ما تشتهي من المأكولات.. ويقول أهل خراطة وضواحيها أن زيارة منطقتهم تبقى ناقصة ان لم يقدم الزائر شيئا لهذه القردة ولم يقترب منها.