بيان2: يعاني أغلب افراد وشرائح المجتمع المصري حالياً من أزمة اقتصادية خانقة، حيث تشهد الأسواق مزيداً من الركود والكساد، وتتراجع قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار، ويزداد عدد العاطلين عن العمل. لكن الملفت أمام هذه المظاهر، هو السفه الزائد في الاسراف على أمور لا قيمة لها، اذ كشفت احصاءات رسمية ان عدد المشتركين في خطوط النقال، وصل إلى مليونين و600 ألف مشترك، سددوا عشرة مليارات جنيه. «البيان» استطلعت آراء الخبراء حول هذه القضية.. فماذا قالوا. اضرار فادحة يقول د. أحمد المجدوب الرئيس السابق لمركز البحوث الاجتماعية: أرى أن مظاهر الاسراف في المجتمع هي داء ومرض اجتماعي خطير يكشف عن الادعاء بغير الحقيقة في كل صور وألوان الحياة، وهو أمر بالغ الخطورة يصيب المجتمع بأضرار فادحة، فالمظهرية تعد أحد العوامل الهامة التي تساعد على تفاقم الأزمة الاقتصادية. فعلى سبيل المثال نجد أن المصريين ينفقون 11 مليار جنيه على الدروس الخصوصية من الطبقات المتوسطة التي بدأت تتلاشى. كان من الممكن أن يساهم هذا المبلغ في انعاش حياة الأسرة المتوسطة لأن عدد الأسر الفقيرة في مصر والتي بلغت نسبتها أكثر من 50% من المجتمع لا تستطيع تدبير هذه المبالغ للدروس الخصوصية لأنها عاجزة عن تدبير الطعام والكساء وهذه النسبة لا تزال تعيش تحت خط الفقر وهذا الكلام يستند الى آخر تقرير صدر من المراكز القومية المتخصصة بمجلس الوزراء التي يرأسها د. عاطف صدقي رئيس وزراء مصر السابق وهو ما يبين اتساع الفجوة العميقة بين الأغنياء ساكني الأبراج والقصور والفيلات والفقراء من سكان المقابر (نصف مليون) والعشش والمساكن العشوائية اللا انسانية. ويضيف د. المجدوب أن مظاهر الاسراف لم تقتصر على الفئة التي تملك الثروات فقط من أصحاب الملايين الذين لم يبذلوا جهدا في جمع هذه الأموال والتي تمثل أبشع صورة طغت على سطح المجتمع ومنهم من جمعها بطرق غير مشروعة وبالتالي فهو ينفق بدون حساب دون تحقيق أي هدف سوى رغبة شخصية تدل على السفه كانفاق مئات الآلاف من الدولارات على شراء فيلا أو قصر بالساحل الشمالي أو الجنوبي يقضي به عدة أيام ويظل مغلقا طوال العام، وفي هذا يوجد التناقض الصارخ مع من يقيم في مساكن الايواء التي يتجمع بها أكثر من أسرة بدورة مياه مشتركة يؤثر بشكل فعال على الأمن الاجتماعي واستفزاز الفقراء. ويضيف المجدوب: تتعدد مظاهر الاسراف لدى الأجهزة الحكومية والانفاق ببذخ في الاحتفالات والاعلانات التي تؤيد المحافظين والوزراء وتشاركهم الأحزان والتهاني في صفحات كاملة بالآلاف من الجنيهات وغيرها من مظاهر الاسراف التي تؤثر على النفقات الحكومية. ويتوقف د. أحمد المجدوب عند الطبقة الوسطى والتي تتكون من ثلاث شرائح: شريحة عليا تحاكي وتحاول تقليد الطبقة الثرية المصابة بالضحالة الفكرية والثقافية وتنفق بصورة استهلاكية متخلفة. والشريحة الثانية وهي ميزان المجتمع التي بدأت تتآكل وهي الطبقة الكادحة الآن التي تسعى للوقوف على أقدامها، أما الشريحة الثالثة من الطبقة الوسطى التي تصل الى الحدود الدنيا وتقترب من خط الفقر واذا توقفنا عند الشريحة العليا المتوسطة نجدها تحاول أن تخرج من شرنقتها وتتبع في ذلك أساليب مثل أن الزوجة تقوم بالضغط على زوجها للاقتراض من البنوك لشراء شقة في مرينا والساحل الشمالي والأبناء يطلبون الالتحاق بالنوادي ويلجأ الأب نتيجة هذا الضغط من الأسرة التي لديها الى الرشوة ويأخذ القروض دون ضمانات كما نقرأ في صفحات الحوادث. ويشير الدكتور المجدوب الى جانب آخر في الاسراف من الطبقة الثرية يتعلق بعملية الحج ويقول: عندما ترغب في التقرب الى الله نجد شركات السياحة استحدثت لهم انواعا خاصة من الحج أطلقوا عليها الحج السياحي وهو حج الصفوة والذي ليس له علاقة بحج الفقراء الذي تعلن الدولة أنه يحمل ميزانيتها 2 مليار جنيه ينفقها المصريون على العمرة والحج وإحدى شركات السياحة التي تقدم الحج بسعر 65 ألف جنيه حج بدون تعب حيث تأخذ الحاج باتوبيسات مكيفة الى المطار والطيارة درجة أولى والاقامة في المدينة بفندق 5 نجوم وفي غرفة مستقلة مكيفة والخيمة في عرفات مكيفة وهذا بالاضافة الى تذليل العقبات الأخرى، ويقول د. المجدوب أن مواجهة الأزمة الاقتصادية الحالية لن تنجح إلا اذا عالجنا هذه الأمراض التي أصابت فئات المجتمع التي تنفق بلا وعي وبدافع المظهرة والوجاهة. وينهي د. المجدوب حديثه بقوله أن الدولة عندما فكرت في تنفيذ السياسات الاقتصادية منذ عهد الانفتاح ثم الخصخصة ثم نظام السوق الحر لم تضع في حسبانها أو نصب أعينها البعد الاجتماعي والتغيرات الاقتصادية التي أدت الى زلزال اجتماعي داخل المجتمع وخلقت مجموعة من الخارجين على القانون من فئة أخطف أو اسرق واجر فقد كان الموظف في عهد الثورة الموظف يحصل على ثلاثة جنيهات ينفقها طوال الشهر وربما يتبقى معه قليل من الملاليم، أما الآن فهو يحصل على مئات الجنيهات ويقف في وسط الطريق يقترض لاستكمال المسيرة فلابد من اعادة المصريين الى هويتهم الحقيقية وعودة الضمير الى موضعه والبحث عن حلول عملية لهذه المشاكل الاجتماعية قبل أن نطلق هذه الكلمة.. ماذا حدث للمصريين. الغرور والشهرة يقول د. محمد أحمد عويضة أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر ان مظاهر الاسراف لها أوجه عديدة وهي جزء من تغير اجتماعي هام يسود فيه الاستهلاك سواء لحجب ضعف ذاتي أو نقص يعاني منه الفرد وفي نفس الوقت تعبر عن حاجة الانسان المظهري لتحقيق غروره وشهرته بين الناس، فهو دائما يفتقد الثقة بنفسه ويبحث دائما عن الجديد ليظل الحديث مستمرا حوله فكل عام لابد من اقامة حفل عيد ميلاد الأبناء في مكان مختلف ولابد من تغيير السيارة مع الموديلات الحديثة وكذلك الملابس وموديل الموبايل وكل هذا ينبع من الاحساس بالفراغ الداخلي والسطحية، فغالبا من يملكون المال لا يملكون الثقافة ولأنهم عبيد للشراء رغبة في الامتلاك والاستحواذ وهذا ما يفسر الشرخ الاجتماعي بين فئات المجتمع العليا والدنيا. ويؤكد د. محمد أحمد عويضة على أن تعديل سلوكيات المواطنين ربما تنحصر محاور أهمها القدوة والحافز والجزاء فمن البديهي أن تبدأ الحكومة بنفسها فعندما يشاهد المواطن العادي ويقرأ صفحات كاملة لتهنئة السيد المحافظ والسيد الوزير أو تعزيته من ميزانية الدولة في الوقت الذي يقرأ فيه نفس المواطن في الصحف عن احد المستشفيات التي حجزت مريضا توفي وترفض الافراج عن جثته أو طردت مريضا لم يستطع سداد نفقات العلاج ماذا سيكون رد فعل هذا المواطن فلابد من اعادة النظر في مظاهر الاسراف لدى الأجهزة الحكومية والهيئات العامة حتى تقدم القدوة لكل مواطن داخل المجتمع. مظاهر الاسراف وترى دراسة قامت بها حنان سامي المعيدة بكلية الاقتصاد المنزلي جامعة حلوان أن العادات والتقاليد الاجتماعية في مصر والتي يجب القضاء عليها هي المبالغة في اظهار الاحتفال بالأعياد والمناسبات مما يضطر الأسرة الى الاستدانة أو بيع بعض الممتلكات الخاصة بها حتى لا تقصر في الاحتفال والظهور بالمظهر اللائق في المجتمع وهي عادات خاطئة تؤدي الى زيادة الاستهلاك مما يعمل على تفكك ميزانية الأسرة ويجعلها غير قادرة على الانفاق باقي العام. وقد تبين من الدراسة أن أكثر المناسبات انفاقا من الأسرة المصرية كانت لشهر رمضان بنسبة 98% وعيد الفطر 97.5% ثم عيد الأضحى 99% كما تبين ارتفاع نسبة الاقبال على الاحتفال بالخطبة والزواج والتي بلغت 82% و87% فقد يصل بالأسرة الغنية أن تدفع للفنان ثلاثين ألف جنيه في ساعة واحدة لاحياء حفل خطوبة أو زفاف هذا بالاضافة الى نفقات الفندق التي قد تبلغ وحدها مائة ألف جنيه بالاضافة الى فستان العروس الذي يتم استيراده من فرنسا أو ايطاليا ويصل سعره ما بين خمسين ومائة ألف جنيه بينما نجد بعض الأسر الفقيرة يمكن أن تؤجر فستان الخطوبة بمبلغ مائة جنيه أو شرائه في حدود خمسمائة جنيه ويتم حفل الخطوبة في منزل العروس التي لا تستطيع تقديم سوى كوب الشربات أو زجاجة الكوكاكولا مع قطعتين من الجاتوه لا يتعدى قيمتها ثلاثة جنيهات ولم يترك المصريون مظهرا من مظاهر البذخ والأبهة والفخفخة إلا وقاموا بتقليده، حتى في الموت لابد من الاستعانة بالقارئ المشهور الذي يتقاضى من ثلاثة آلاف الى عشرة آلاف جنيه وحسب اسم صاحب المتوفي ومن أي فئة من فئات المجتمع هل ينتمي الى فئة رجال الأعمال أم فئة المليونيرات أم المليارديرات، هل لديه خادمة تتحدث الانجليزية وطباخ فرنساوي وسفرجي ايطالي، فكل هذه المواصفات لابد من معرفتها لتحديد الأجر.