بيان 2: على بعد أمتار من قلعة صلاح الدين الأيوبي، وبالقرب من مسجد السلطان حسن، وجامع الرفاعي الذي دفن فيه شاه ايران في عهد الرئيس أنور السادات، يقف شامخا مبنى على الطراز الاسلامي.. هو متحف الزعيم مصطفى كامل الذي نادى بجلاء الانجليز من مصر، وجاهد في ذلك حتى وافته المنية العام 1908، حيث اعتمد مصطفى كامل على ترقية الرأي العام، وإحياء الشعور الوطني، ونقل قضية الاستقلال الى وعي وأذهان الشعب وهيئات كانت مجهولة وقام بتأسيس الجمعيات الأدبية والكتابة في جريدة الأهرام، والمؤيد، كما استطاع طرح مطالب مصر في الاستقلال على الرأي العام في أوروبا كلها، كما تصدى الى تأليف المحكمة الخصوصية بأغلبية من الانجليز، فطاف في سبيل ذلك أغلب أقاليم مصر للتعريف بقضيته لدى الأعيان. وكان مصطفى كامل وهو في السادسة عشرة من عمره يشعر أن عليه واجبا نحو وطنه وظهر هذا في تأسيسه للجمعية الوطنية والأدبية، ثم أن اتصاله بالصحفي عبدالله النديم خطيب الثورة العرابية كان سببا في معرفته حوادث الثورة العرابية على حقيقتها وعرف بذلك دسائس السياسة الانجليزية فكانت أخطاء الثورة العرابية درسا له. الضريح أولا يرجع فضل انشاء المتحف الضريح أولا الى المؤرخ عبدالرحمن الرافعي أحد تلاميذ الزعيم مصطفى كامل وخلفه في قيادة الحزب الوطني، حيث دفن به الزعيم مصطفى كامل في العام 1953، لكن سرعان ما رأى المجاهد فتحي رضوان وزير الارشاد في وزارة ما بعد ثورة يوليو، ضرورة انشاء متحف بالمبنى يحوي مقتنيات الزعيم تخليدا لذكراه، وتم افتتاح المتحف للجمهور في العام 1956، في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، حيث و ضعت مقتنيات الزعيم مصطفى في قاعتين للعرض بينما جاء اختيار بناء المتحف في هذا المكان لأن الزعيم من أبناء القلعة (حي الصليبة) حيث ولد وتعلم وعاش مع أسرته. وفي اطار خطة قومية يقوم بها قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية تهدف الى اعادة تجديد وتحديث وتطوير المتاحف سواء القومية أو الفنية، يستعد القطاع الآن لافتتاح المتحف بعد تجديده. ومن جانبه يقول رئيس قطاع الفنون التشكيلية الدكتور أحمد نوار: (إن تجديد المتاحف القومية يأتي في اطار الحفاظ على ذاكرة الأمة حية نابضة برموزها، وإحياء ذكرى رموز ساهمت في حركة التحرير والتنوير، وأعطت من روحها وضحت بحياتها من أجل تحرير تراب الوطن، مشيرا الى أن بهو الضريح مدفون به كل من الزعيم مصطفى كامل، والمناضل محمد فريد، والمجاهد فتحي رضوان، والمؤرخ العظيم عبدالرحمن الرافعي). المقتنيات تقدر مساحة المتحف بحوالي 2000 متر مربع ويتكون من دور واحد، وحديقة كبيرة، ينقسم هذا الدور الى قاعتين لعرض مقتنيات الزعيم مصطفى كامل بالاضافة الى قاعة لعرض مقتنيات المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي، وأيضا قاعة لعرض مقتنيات المجاهد الكبير فتحي رضوان بينما تضم قاعات عرض الزعيم مصطفى كامل فاترينة بها كتب خاصة بالزعيم ووالده وخطابات خاصة بخط يده وأيضا خطابات تخص بعض الشخصيات العالمية والسياسية في ذلك الوقت، بالاضافة الى فاترينة بها ملابس الزعيم، وفاترينة بها بعض متعلقات الزعيم مثل أدوات كان يستعملها، وفاترينة بها بعض النياشين التي أهديت له، وأخرى بها بدلة مصطفى كامل الرسمية. لوحة دنشواي وفي أعلى الحائط نطالع لوحة زيتية لحادث دنشواي وتنفيذ حكم الاعدام في فلاحي قرية دنشواي، تلك القرية الخالدة في الضمير الجمعي الوطني المصري لقرون طويلة، فعلى أرض هذه القرية الصغيرة في قرى المنوفية جرت هذه الملحمة الانسانية التي زعزعت من الوجود الاحتلالي الانجليزي لمصر، بعد نحو ربع قرن من نزوله الى البلاد (1882 ـ 1906) وهي القصة التي دارت رحاها بالقرب من أبراج حمام القرية حيث تجاهل الضباط الانجليز تحذيرات الفلاحين أهالي القرية من مخاطر صيد الحمام في هذه المنطقة، وكانت النتيجة اصابة إحدى الفلاحات فظن أهل القرية أنها قتلت فهاجموا الضباط الانجليز وهم: الميجر باين كوفن قومندان الكتيبة والكابتن بول والملازمان بورتر وسمستيك، والطبيب البيطري بوستك وحاول شيخ الخفراء والخفراء تخليصهم منهم، لكن ثورة الأهالي كانت أقوى فحاول الضابط اطلاق بعض الأعيرة النارية لارهاب الأهالي وابعادهم، فزاد هياجهم وزادوا هجوما على الضابط ضربا بالعصي والأحجار، وحاول الكابتن بول الذي أصيب بشج في رأسه أن يفر هو وبوستك من المكان فقطع مسافة طويلة حوالي ثمانية أميال تحت حرارة الشمس، فلم يكد بول يصل الى باب سوق قرية سرسنا، حتى سقط من الاعياء وضربة الشمس ومات بعد ذلك، أما الطبيب بوستك فقد عبر ترعة الباجورية سباحة، ووصل الى المعسكر حيث أبلغهم بالحادث، فهب من كانوا بالمعسكر، متوجهين الى سرسنا ظنا منهم أنها دنشواي، وهناك وجدوا الضابط بول مسجي وبجواره أحد الفلاحين يسقيه مساء وهو (سيد أحمد سعيد) فظنوا أنه المعتدي فقتلوه ضربا ووخزا بالبنادق، وعرف بشهيد سرسنا. وسرعان ما انعقدت المحكمة بسراي المديرية بشبين الكوم، وأصدرت أحكامها يوم 27 يونيو العام 1906 في الوقت الذي كانت فيه المشانق معدة وعروسة الجلد، واستكمالا لفصول هذه الملحمة كانت اجراءات التنفيذ بشعة وأمام الأهالي الذين جمعتهم السلطات ليبثوا في نفوسهم الرعب وفي نفس الوقت وقع فيها الحادث كما كان الجلد يتم مناوبة مع عمليات شنق المحكوم عليهم بالاعدام. وكان المنظر أبشع من الوصف واهتزت له الدوائر السياسية سواء في مصر أو في الخارج ونجحت الحركة الوطنية المصرية يمثلها صحيفة اللواء برئاسة مصطفى كامل أن ينشر الخبر على العالم، ويثير الرأي العام حتى وصل الأمر الى دوائر الحكومة البريطانية ومجلس العموم في لندن مما نتج عنه انهاء عمل كرومر ممثل الاحتلال في مصر واعادة الحكومة البريطانية النظر في سياستها مع المصريين وظهور الروح القومية والوطنية، التي نضجت لتدخل في ثورة شعبية جارفة العام 1919. ونعود لموضوع متحف الزعيم مصطفى كامل في ثوبه الجديد حيث أعيد ترميم اللوحات الزيتية كلها منها بالاضافة إلى المذكرة الخاصة بحادثة دنشواي وتنفيذ حكم الاعدام، لوحة رفع العلم المصري، ولوحة للزعيم مصطفى كامل وهو على فراش الموت وأخرى يخطب بالجمعية الهندية 1906، أيضا تم ترميم الصور الشخصية للزعيم. كما تم تجليد الجدران بالرخام، وتغير الاضاءة الى نظم جديدة حديثة تبرز جماليات المكان والطابع المعماري والاسلامي له. أما قاعة المؤرخ عبدالرحمن الرافعي فقد شملها التجديد وتضم حجرة مكتبه التي كان يستعملها، وعدد من الكتب (أداب، فلسفة، تاريخ، كتابات المؤرخ) بالاضافة الى عدد من الصور الفوتوغرافية في مناسبات مختلفة. كما شمل الترميم لوحة زيتية (1882) تصور ضرب الاسكندرية، وكذلك لوحة زيتية لاستقبال الزعيم قادما من فرنسا، بالاضافة الى لوحة كبيرة تصور تاريخ حياته وجهاده، وتمثال نصفي للزعيم من البرونز، وأيضا ريليف (نحت بارز) من الجبس يحكي خطب مصطفى كامل للشعب في جريدة العلم، علاوة على لوحات لبعض أقواله المأثورة .