بيان 2: المرة الاولى التي رأيتها فيها، كان قد مضى اكثر من سنة بقليل على زواجهما. واذ انتهت مراسم الدفن، كان الجميع قد انسحبوا وكنا بمفردنا في البيت. ما كنت اجد شيئاً لأقوله لها وهي منذ الصباح السابق، لم تتلفظ بكلمة واحدة، كانا متزوجين منذ اكثر بقليل من عام. وهي بعد تجد نفسها بعيدة عن العشرين. جسمها كان يمثل كل جمال المراهقة، لكنها كانت طفلة وحسب. جلست امام النافذة، متأملة حلول فترة المساء.. وهناك بقيت وقتاً طويلاً. كان الليل يقترب. انا لم اشعل الاضواء وكان قد مضى عليها ساعات وهي هادئة في مقعدها حيث كنت انا موجوداً، ارى القسم الجانبي منها بلا حراك، مؤطراً بالظل، ازاء المساء الرمادي. اي حلية منقوشة من الابنوس، حدث آنئذٍ ان اكتشفت ماالذي بالوسع ان يكونه الجمال، حتى مع الالم. وجمالها كان من اكثر انواع الجمال اتقاناً. فاينلي كان شقيقي الوحيد، القريب الوحيد الذي كان لي في الدنيا، وهي كانت ارملته. كانت تدعى توماسينا، وانا ما ناديتها بعد بالاسم. ما كنت متعاطفاً معه. وثمة شيء ما يدافع عن اسم غير مألوف كثيراً ضد التدخل الحذر من رجل غريب. وعندما حانت ساعة مناداتها بالاسم، كنت اعلم بأني سوف ألفظ رنة لا تخص إلاّها. كنت غريباً في ذلك البيت، وما كنا آنئذ قد تبادلنا كلمات. كان فاينلي زوجها وشقيقي، وما كنت ادري بالتأكيد اي نوع من العلاقات سنقيمه. وادركت، مع هذا، اننا لن نستطيع البقاء وقتاً طويلاً في البيت بمفردنا، من غير ان يغدوا، مكانها ومكاني، واضحين. كان الغسق يسبب قشعريرة والقاعة المظلمة كانت خواء متنامياً بتلك اللانهائية التي هي بلا جدران. والقسم الجانبي من وجهها يضفي عليها نعومة بقدر ما كان حلول المساء الرمادي يفسح مكاناً لقمة الليل. الجدران كانت تبتعد والقاعة تتحول الى مكان بلا حدود، في القاعة الفسيحة برز جانب وجهها في العمق الرمادي، فبدد الظلمة المتعاظمة في المنزل. فيما كانت جالسة هناك، لم تدرك وحدتها، وانحناءة الرأس والكتفين كانت تضيع في الظلال التي تغلفها، لكنها لم تفكر حتى ولا في حضورها ذاته، فقد انصرم وقت قليل جداً على وفاة فاينلي. حين نهضت، نهضت انا ايضاً، مجتازاً القاعة في اتجاهها، اقتربت. كان يكفي مدّ الذراع لتصل اليها، لكن المسافة بيننا لا يمكن قياسها الا بتخوم الغطاء اللانهائي للقاعة. رغبت بأن اعانقها واواسيها، كما كان عليّ ان افعل لكائن محبوب، لكنها كانت ارملة فاينلي، والقاعة بجدرانها احالت المسافة غير خاضعة للقياس. القاعة التي تواجدنا فيها، قفراء وشاسعة، تطوف في ظلمة فضائها الشاسع. ان اشعال عود ثقاب، على بساطته، كان سيعمينا بحدّة نوره، واللهب عندئذ سوف يختزلنا الى رماد. قبل الوصول، لم اكن قط قد ابديت اهتماماً بالفتاة المسمّاة توماسينا، والان كانت هي ارملة شقيقي. بعض الزهور في القاعة قد اطبقت من اجل الليل، وايضاً تويجات الورود سقطت على الارض ببطء. وفجأة، همست ملتفتة الي في الظلام: هل اعطيت طعاماً لأرانب فاينلي؟ اجبت: اعطيت. اعطيتها ما تأكله، اعطيتها كل ما يلزمها لليلة. الشعر يسقط على كتفيها، والجعدات تؤطر لها الرأس. كان ذا رائحة حادة، شبه ذهبي، مزاوجاً بشكل فريد، عتمة القاعة وصدر ثوبها، ذلك اللون يغدو لها الوجع الاكثر وخزاً، فيما رأسها مقيد في عمق الظلام في القاعة الشاسعة. مثبتة العينين في السواد المطلق للجدران غير المرئية، وبطريقة ما رأيت بريق شعرها البرتقالي المنسدل على صدر شقيقي، بينما كان يقبل نعومة القسم الجانبي من وجهها ويدغدغ عذوبة ذراعيها. ان جمال وثراء تلك السنة من الحب، مع كل شيء كانا ببطء، يعطيان مكاناً للظلمة المتعاظمة، حدث في عتمة القاعة المقفرة ان صرت قادراً على الاعتقاد في حتمية، وتصديق الالم الذي كنت اتحسسه في قلبها عاشقان في سنة واحدة لا يستطيعان الاعتقاد بحتمية الموت. وهي اقل في هذا من اي شخص اخر. رغبت في ان اقول لها الذي كنت اعرفه عن ذلك الالم، لكن كلماتي كانت تعني فقط تفاهة. فحبها ما كان قادراً على ان يكون مرتبطاً مع الموت، وهي ما كانت تريد ان تفهم ذلك. سيبدأ الليل عما قريب. ما كنت اراها، لكنني شعرت بأنها هجرت المقعد. تبعتها متلمساً الاثاث المجهول لديّ، يقودني في اجتياز القاعة، وطائفاً حول المفروشات، في اتجاه العطر الحاد في شعرها. عندما توقفت، ادركت بأني كنت في الحجرة. وجدت نفسي في مدخل الغرفة، عارفاً فقط باتجاه واحد ـ اتجاه العطر المبهج الحاد الذي كان ينفلت من شعرها. وبينما كانت تسير من جانب الى اخر في الحجرة، بقيت عند الباب، منتظراً ان تتكلم، ان تقول كلمة واحدة في الوداع حتى الصباح التالي، اذا كان ثمة شيء ما ترغب فيه، او اذا كان بوسعي ان افعل شيئاً ما، لم اكن قد قلته. الخطوات المتفردة، والتي لا تتوقف من جانب الى اخر، والبرودة المتوقفة لسريرها كانت تصدّي في الغرفة الخاوية، سمعتها تمشي في اتجاه السرير، تلمسه باصابعها، وتعود من جديد الى النافذة، تدوس على الارض المفروشة بالسجاد. بقيت بعض الوقت عند النافذة، متأملة في خواء الليل، الخواء الحالك، فيما انا انتظر ان تأمر باغلاق الباب وتركها بمفردها. ومع انها كانت في الغرفة، وانا كنت في المدخل، والارانب في ناحيتها خارجاً، فقرب النافذة انحنى الفراغ الذي كان يملأنا فوق البيت مثل الصمت في ليلة بلا نجوم وبلا قمر. حين مددت ذراعي بلغتا مناطق مجهولة، وعندما نظرت بعيني، كانتا تبدوان باحثتين عن النور في جميع اركان السماء الحالكة السواد. كانت تعرف انني انتظر كلمة تجعلني اغادر، لكنها كانت ضائعة في وحدتها. كانت تعلم انها لن تحتمل البقاء بمفردها في الحجرة حيث جدرانها لا ترى في مساحة جد كبيرة. تعرف ان وحدتها لن تزال بكلمة تلفظ في عمق الظلام، وتعرف انها وحيدة لن تغدو مدفوعة خارج اتساع المنزل. لقد كتب الي شقيقي عنها، بشعور من الاسى، لأني ما احببت واحدة ما مثلها. لقد عاش سنة معها، متشاركين في هذا البيت، ومتشاركين في هذا السرير. ليلة بعد ليلة، دخلا جنباً الى جنب، الى هذه الغرفة، حيث هي الان متواجدة وحدها معي. كان آنئذ، ان استطعت الاحساس بوحشة هذه الليلة. لانه كان مأخوذاً، كما انا، لكونه لم يعرف مثل هذا الحب، ولم يكن جزءاً منه قط. مرّة اخرى توجهت الى السرير ولمسته. كانت الحجرة معتمة والسرير ساكناً. هي الان تعرف ان عليها البقاء بمفردها. وبدأت في البكاء بشكل وديع، تبكي مثل بنت صغيرة. الخفان سقطا من قدميها، لكن الجلبة كانت كإلقاء حذاءين ثقيلين لرجل على الارضية. حين لمست مشطاً وجدته فوق الطاولة، تركته يقع، في الظلام، وكان ذلك كما لو ان يدين مذكرين مرتبكتين تتلمسان في الليل، فتضرب الساعات والمرايا، منتزعة اياها من امكنتها. لمست ركبتاها كرسياً، لكن الصوت كان كما لو ان رجلاً يسير كالاعمى في عتمة غرفة، فيتعثر ويلعن بين اسنانه. الملابس التي انتزعتها كانت على ترابيزة متواجدة عند قاعدة السرير، انما كما لو ان رجلاً قد القى بعيداً، بالسروال والسترة الثقيلة المصنوعة من الجلد على كرسي. نهضت بصمت الى النافذة، لكنها كانت كرجل قد فتحها بعنف، فاقد الصبر على التأخير. جلست على السرير، متمددة على الاثر، لكن كان الامر كما لو ان رجلاً قذف بنفسه على السرير وسحب الاغطية. استدارت بوداعة باسطة ذراعها فوق الوسادة الاخرى، غير ان الصوت المحدث في الغرفة الفارغة كان صوت رجل يتحرك على السرير، ضارباً الوسادتين بقبضتيه المغلقتين. شرعت ترتعد، مجهشة، تهز بشكل خفيف رفصات السرير، والفراش، لكن يبدو ان الحركة كانت متوترة لرجل متسرع بعامل قوته غير المنضبطة. لا اعلم كم من الوقت بقيت في المدخل، منتظراً كلمة واحدة تأمرني بالانصراف، في حلكة ذلك المنزل ذي العتمة القاحلة، مضى الوقت بسرعة في البدء وبعدها ببطء. ربما قد انصرفت ساعة، ربما خمس. فتحت شفتي وقلت لها، رنت كلماتي وبدا ان لا نهاية لصداها. قلت مرتعداً: طابت ليلتك يا توماسينا صرخت من الرعب والالم. لو ان احداً ما قد اخترق قلبها بحربة، ما كانت قد صرخت بصوت اعلى. بعد ذلك استدارت في سريرها، مضطجعة على الجانب الاخر. «رباه! رباه! رباه!» الوسادة التي كانت ممسكة بها وقعت من الجانب الاخر من السرير على الارض. مثل قرقعة شجرة منهارة في غابة. الغسق تلاشى والليل بدأ في الحجرة الخاوية. * بقلم: أرسكين كالدويل * ترجمة: عوض شعبان ـ كاتب وروائي امريكي ابرز كتبه رواية الحمامة