من اكثر النعم التي لا تعرف قيمتها الا بفقدانها نعمة «البنين» ومن اكثر الامور الثمينة ضياعاً في الحياة هي هذه العطية الالهية التي لا تعادلها عطية مهما بلغ عظمها وجلّ شأنها. غير اننا لم نرعها حق رعايتها رغم تأكيد جميع الشرائع السماوية بضرورة ذلك ورغم زخر المكاتب العالمية بالدراسات التي عنيت بارشاد الاهل والمجتمع لتحقيق الامن والسلامة وكل متطلبات الحياة لجميع اطفال العالم. ورغم ذلك كله يبقى الاهمال في حق افلاذ الاكباد شعار المجتمع المتخلف، وليس المقصود بالاهمال هنا الاهمال الجسدي او المادي فحسب بل كان للتطور التكنولوجي نسبة لا بأس بها في خلق جيل يحمل الكثير من التناقضات التي تنعكس على حياته سلباً. ولقد باءت محاولات المتخصصين بالفشل لاصطدامهم بواقع يصعب تجاوزه بسهولة غير انه ليس اقوى من اصطدام الاطفال انفسهم ببيئتهم ومجتمعهم الذي قد يهدم ما بناه الاهل بسنين طويلة وقديما نطق الشاعر بلسان جميع من حمل على عاتقه حماية ورعاية الاطفال حيث قال: متى يبلغ البنيان يوماً تمامه اذا كنت تبنيه وغيرك يهدم تقول فاتن عبد الحي «موظفة»: نعيش فترة صعبة في ظل توفر وسائل الاتصال الحديثة والتكنولوجيا المتطورة التي تجعل مهمتنا كأمهات صعبة فمن الصعوبة بمكان ان يمنع احد اولاده من الخوض في مجال الانترنت غير اننا نستطيع توعيتهم ومتابعتهم فأنا مثلاً اضع لأولادي برامج معينة على جهاز الكمبيوتر تمنعهم من دخول بعض المواقع الاباحية فحماية الطفل تبدأ من البيت من وعي الام الذي بدوره يعمل على تدريب الطفل خطوة خطوة لحماية نفسه ولذا وجب تنبيهه وتحذيره بطرق شتى مباشرة وغير مباشرة لتنفيذ ذلك لكي لا ينشأ عنده نوع من (الفوبيا) من كل شيء بحياته فالخوف مرفوض ولكن الحذر والحيطة مطلوبان ويجب ايجاد البديل للطفل في حال حاولنا منعه من اي شيء مثلاً اذا ما طلب مني ولدى الدخول على موقع «للدردشة» على الانترنت فأنا اُبين له خطورة ذلك الامر واوفر له مشاركة بمراكز الطفولة حيث برامج الترفيه والتعليم وحيث الاصدقاء الذين يقوم عليهم مشرفون مختصون فترى ان الطفل سعيد بتعرفه على اولئك الاصدقاء الذين سيمارس معهم فن المسرحيات والخطابة مباشرة فالدردشة تكون وجهاً لوجه وتحت نظر المشرفين المختصين. وتضيف أنا كثيراً ما اقنع اولادي بعدم رؤية بعض برامج الاطفال في التلفاز لما تحمله من نزعة عنف تزرع في افكارهم وبمنعي رؤيته ذلك اكون قد حميته من مخاطر وسلبيات تلك البرامج التي ستظهر على سلوكه شاء ام ابى وعدم ادراك الطفل لمخاطر ما يدور حوله يعرضه بدون وعي الى اضرار قد تودي بحياته في بعض الاحيان او نتسبب في اعاقة تلزمه طوال عمره وانني احاول جاهدة مع ابني (12 سنة) ان اطلعه على بعض ما ينشر في الصحف من حوادث للأطفال اصيبوا جراء لعبهم بالمفرقعات بقطع اصابعهم او احراق اجزاء من اجسادهم او سقوطهم او ضربهم بصواعق كهربائية نتيجة عبثهم ولعبهم وهذه الطريقة اجد انها مفيدة في زيادة نسبة الحرص والانتباه لديهم. التنبية العيني وتواصل: الطفل في عصرنا يحتاج الى الحوار والاقناع وليس فقط القاء الاوامر ـ افعل ولا تفعل ـ بل يجب ان تحاول الام اقناعه بأن هذا الشيء خطأ وتريه ذلك بعينه، وبالنسبة للمدرسة والتي تعد من العناصر الاساسية في تربية الاولاد نرى انها اصبحت الرعاية في ايامنا معدومة في كثير من المدارس فالطفل في السن التي يبدأ بها الذهاب الى المدرسة يكون في حالة اكتشاف للعالم المحيط به دون تدخل الاخرين فتراه مع اصدقائه، وقد اتيحت لهم الفرصة ليتعلم كلٌ منهم من صديقه مالا يعرفه ويطبقون ما يرونه في التلفاز من عنف في برامج الاطفال دون خوف وتفكير وكثيراً ما نسمع ان الطالب الفلاني قفز من الدور الاول وهو يقلد «سوبرمان» وطالب اخر فقئت عينه وهو يلعب مع احد التلاميذ. انها مشكلة تتطلب منا مزيداً من الحرص والرعاية. وهنا يكمن دور المدرسة في متابعة وارشاد وتوعية الأطفال، مع الاهل في المنزل بالتعاون والتنسيق حتى نستطيع ان نصل بأولادنا وتلاميذنا الى بر المعرفة والعلم دون خوف او وجل. دور الإعلام أما محمد سعيد الوسيم (طالب جامعي) فيقول: الاطفال هم البذرة التي يجب ان نرعاها جيدا ونحافظ عليها حتى تكبر وتترعرع في جو مليء بالرعاية والعناية والحب والاخلاق والوفاء، وبذلك نحافظ على مجتمعنا ونرى أولادنا شبابا يحملون على عاتقهم الحفاظ على ثقافة الأمة وتقاليدها التي توافق شرعنا، ولقد أكد الشرع الحنيف على الأولاد ورعايتهم وعلّم الآباء كيفية تنشئتهم وتقع المسئولية في مسألة رعاية الاطفال على الأسرة بالدرجة الأولى وعلى المجتمع ككل في الدرجة الثانية، ويشمل المجتمع المدرسة ومراكز الترفيه والرعاية، ويجب على المجتمع التكاتف ووضع البرامج التي من شأنها رعاية الاطفال وحفاظهم. ولوسائل الإعلام دور كبير في هذه المسألة، فالتلفاز عنصر تربية كبير يتلقى منه الطفل الغث والسمين، وفيه ما فيه من السلبيات الموجهة الينا نحن كمجتمعات ملتزمة ومتمسكة بدينها وتعاليمها بغية افسادها فترى المغرضين يوجهون الى أولادنا سهامهم ونحن لا نحرك ساكنا، يفسدون عليهم عقيدتهم وأخلاقهم وحتى أذواقهم وفطرتهم التي خلق الله الناس عليها، حيث يشوهون ذوق الطفل. ويضيف: حتى ان الكثير من برامج الاطفال التي نشاهدها على شاشاتنا تؤدي بالطفل الى ايذاء نفسه تقليدا لما يراه، وهنا يأتي دور الأسرة في متابعة أولادهم وما يشاهدونه في تلك القنوات الفضائية. وما أكثر ما سمعنا عندما كنا طلبة في المدارس الابتدائية والاعدادية عن أولاد انحرفوا جراء اهمال أهلهم وعدم سؤالهم عنهم وعدم زيارة المدرسين المختصين ومتابعة أولادهم دراسة وأخلاقا وغيرهما، وكم رأينا أولادا وصلوا الى الصفوف العليا وتابعوا دراستهم وكانوا من الناجحين الاوائل بفضل متابعة أهلهم لهم ورعايتهم التي جعلت من ابنائهم أشخاصا يضرب المثل في أخلاقهم واجتهادهم وأدبهم، فالأسرة هي المسئولة عن حماية أولادها وأفرادها وبحمايتها لهم ينشأ جيل يعتمد عليه مستقبلا ويشار اليه بالبنان. الحوار ضروري وتقول أميرة محمد الحبيب (اخصائية نفسية): لاشك في ان تربية الاطفال وتنشئتهم التنشئة السليمة التي تجعلهم متوازنين فكريا ونفسيا وعاطفيا تشغل بال الكثيرين من الآباء والأمهات والتربويين وغيرهم من ذوي الاختصاص. وفي ظل هذا الغزو الثقافي الغربي الذي دخل بيوتنا خلسة واستسلمنا له نحن وأبناؤنا لا نخاف على الناضجين منهم ولكن يؤرقنا ادمان الاطفال وهم في سن العاشرة وما فوق لألعاب الكمبيوتر والانترنت ومشاهدة القنوات الفضائية وما قد يأخذونه من أشياء لا تتسع لها تجربتهم الحياتية، وربما تشغلنا الحياة ولا نستطيع اعطاءهم المعلومة الصحيحة أو توضيح بعض المواقف التي يشاهدونها على هذه الاجهزة، وهنا أركز على الصراحة مع الطفل وتحديد زمن له للجلوس أمام الانترنت أو الكمبيوتر أو حتى التلفزيون وعمل برنامج له ليتوافق بين كل الانشطة التي يجب القيام بها خلال اليوم الواحد، ومتابعتنا له عن بعد دون شعوره بذلك، والتدخل منا في الوقت المناسب ويمكن ان يحدث ذلك إذا كانت متابعتنا لطفلنا جيدة نحاوره ونناقشه يوميا عن الجديد الذي تعلمه من جلوسه على الكمبيوتر أو الانترنت بالقدر نفسه الذي نناقشه فيه عن يومه الدراسي ونحن على مائدة الطعام. وأؤكد ايضا على عدم اغفال دور المعلومة الصحيحة حين سؤاله لنا عن شيء رآه أو سمع عنه في الكمبيوتر لأن المعلومة الخطأ تبقى آثارها مع الطفل حينما يكبر وهي تعشش في رأسه. وتواصل: إذا تركنا الاطفال يمرحون ويسرحون مع أجهزة الكمبيوتر والانترنت والقنوات الفضائية دون متابعة فإنهم يكتسبون الكثير من السلبيات منها تعوّد الطفل على الانعزال والجلوس لفترة طويلة وحيدا مما يولّد عنده الميل للانطواء وعدم الرغبة في مخالطة الآخرين، والجلوس الساعات الطوال أمام الجهاز يؤدي الى اكتساب عادات سيئة في الأكل والشرب تساعد على زيادة الوزن للطفل واهماله التمارين الرياضية حتى لو كانت بالركض في انحاء المنزل، ومنها ايضا المشاكل والشجار بين الاخوان من أخذ فرصة أكبر من غيره في الجلوس أمام الجهاز. ومن سلبيات عدم حماية الطفل فكريا تلك الافكار التي لا تمت بصلة لبيئتنا وتقاليدنا وديننا الحنيف وثقافتنا كعرب ومسلمين. تلك كانت لمحات من السلبيات التي تتولد من عدم حمايتنا الفكرية والنفسية لأطفالنا ولكن لا يخفى علينا الدور الذي يمكن ان تلعبه هذه الاجهزة في عقول أطفالنا إذا تمت ادارتنا لهم نحن الآباء والامهات ادارة حكيمة لأن داخل هذا الجهاز توجد المعلومات المفيدة التي تغذي عقل الطفل وتوعيه وتعطيه فرصة جميلة لملء فراغه، وهي بديل للكتاب الممل ومرجع للذي يريد ان يطور من لغته وحتى العربية. فعلينا نحن الآباء والامهات التعاون مع المدرسة ولهذه أهمية لا تخفى في بناء شخصية الطفل لأن العلاقة بين الاسرة والمدرسة تفيد الطفل وتجعل متابعته سهلة من الطرفين وهذا ينبه الأسرة مبكرا لأي سلبيات تكتشفها المدرسة ويمكن معالجتها في الوقت المناسب، كما ان الطفل يحس بالأمان حينما يعرف بأنه محمي بمعلمته التي لا تبخل عليه بالمعلومة وبأمّه التي تحيطه بحنانها ورعايتها ووقتها فيحسن من أدائه وذلك يقود الى النجاح. وفي حالة وجود علاقة بين المدرسة والأسرة لا يقع الطفل في الاخطاء الكبيرة التي يفتقر اليها الآخر الذي لا توجد علاقة بين أمه ومعلمته، والطفل الذي تعود على الصراحة ينتبه الى صديق السوء وتصرفاته التي يدركها بوعيه وثقافته التي اكتسبها من العلاقة الطيبة بين الأسرة والمدرسة واستفادته من المادة الجيدة التي يراها أو يسمعها من الكمبيوتر أو التلفزيون. القدوة واجبة تقول سوسن سبيتة رئيسة الحملة الوطنية لسلامة الأطفال: الكلام عن حماية الطفل في مجتمعنا العربي ذو شجون وحتى المنظمات العالمية كاليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية تركز على حماية الاطفال من ناحية الأمراض والأوبئة، ومنذ فترة وجيزة بدأ تركيزهم واهتمامهم بالاطفال الذين يعملون وهم دون السن التي تسمح لهم بذلك، واذا ما أردنا الحديث عن حماية الطفل فيجب ان نشمله بالحماية الكاملة نفسية وفكرية وجسدية وعامة يدخل تحت مسمى الحماية الفكرية والنفسية والجسدية والحماية من جميع الأعراض والمشكلات، وإذا ما صدر يوما من الأيام قانون يختص بوجوب حماية الطفل من هذه الجوانب فسنرى ان مشكلات الطفل كلها حُلت من جميع النواحي. ونخص الأطفال بمثل هذه العناية لأنهم يبدأون حياتهم كبشر يعتمدون تماما على غيرهم ولابد لهم من الاعتماد علينا نحن البالغين لكي يهتدوا الى الطريق الذي يمكنهم من النمو والارتقاء وصولاً الى الاعتماد على النفس ويوفر هذه الهداية في الاحوال العادية البالغون في العائلة التي ينتمي اليها الطفل لكن اذا تعذر ذلك يتعيّن على المجتمع ان يسد هذه الهوة. وتضيف: وللطفل حق طبيعي في ان ينمو ويترعرع في بيئة من السلامة والامان ويمكننا العمل لبلوغ هذا الهدف من خلال التعاون المشترك بين مختلف القطاعات الحكومية والخاصة. وكما يدرك الجميع فإن عدد السكان آخذ في الازدياد ويتزايد في الوقت نفسه الطلب على الحكومة لتوفير بيئة من السلامة والأمان لأطفالنا. لذا يترتب علينا ان نملأ هذه الهوة ذلك اننا نعيش ونعمل في هذا المجتمع وتقع على عاتقنا مسئولية ان نرفع صوتنا نيابة عن الاطفال في اطار الحملة الوطنية لسلامة الاطفال. وقد نظن ان اكثر الاماكن امناً وسلامة للطفل هو منزله، لكن في كل سنة يتعرض آلاف الاطفال في المنزل للإصابة أوالموت نتيجة حوادث يمكن تفاديها ويعد الأطفال الأصغر سناً أكثر عرضة للمخاطرات في البيت لأن معظم الاطفال دون سن الرابعة يقضون الجزء الأكبر من وقتهم في البيت وكلما كبر الطفل تقل امكانية وقوع الحوادث المؤدية الى الاصابة والهلاك وتتمثل أكثر المخاطر المنزلية شيوعاً في اندلاع الحرائق والحروق والغرق والاختناق والتسمم والسقوط.وبالنسبة للحماية المدرسية فيقع جزء كبير من المسئولية عن حماية الاطفال على عاتق المدرسة بجميع جوانبها وتحدد الاهداف في كيفية تثقيف الاطفال والقائمين على ادارة المدرسة بجميع جوانب الرسالة المنوطة على اعناقها وتشجيع الاطفال على تبني شعار «كن آمناً» كن «متميزاً» وذلك بتغيير أنماط سلوكهم مثل: ارتداء أدوات السلامة وارتداء حزام الامان، السلوك اللائق في حافلة المدرسة، عبور الشارع بطريقة آمنة... الخ. وأهم شيء أن تحافظ الأم على رابطة الحب والمشاعر بينها وبين أطفالها ولا يتأتى ذلك بالقُبل والكلام بل بالطريقة غير المباشرة لا أن تقول لابنها مثلاً أحبك بل تدعه يكتشف هذا الشيء من تصرفاتها معه وحمايتها له. وبهذا نكون قد ساهمنا في حماية أبنائنا.. بناة المستقبل. من صميم الدين ويقول عمر الباشا «واعظ»: حظي الطفل في الاسلام بنصيب وافر من العناية، وقسط كبير من الرعاية، وقد ضمن له الإسلام من الحقوق ما يوفر له حياة كريمة بعيدة عن الاضطرابات، وعن كل ما قد يهدد براءته، أو يذهب بسعادته. فالطفولة هي المرحلة الأولى من مراحل عمر الانسان، تبدأ بميلاده، وتنتهي ببلوغه سن الرشد، حيث يكتمل نمو عقله، ويقوى جسده، ويكتمل تمييزه، فيصبح مخاطباً بالتكاليف الشرعية.فهي المرحلة المؤسسة لما بعدها من المراحل، فيها تُبنى الشخصية، ومن خلالها تتبلور الذات، فإن كانت سليمة معافاة، كان البناء متيناً قوياً، وإلا فالبناء سيكون ضعيفاً مهلهلاً سرعان ما يتداعى وينهار. لذلك نجد الاسلام قد ذهب بعيداً في عنايته بالطفل، وضمن له كثيراً من الحقوق التي من شأنها ان تحميه، وتضمن له طفولة سوية تصلح أن تكون جسراً آمناً يعبر من خلاله الى شباب متزن، وكهولة مستقرة مطمئنة. فالاسلام بدأ بالعناية بالطفل من قبل ولادته ومجيئه الى الدنيا، وذلك بإعداد المهد الوثير، والحضن الدافئ الذي سيكتنفه بمجرد ولادته، ألا وهو الأسرة التي ستكون بالنسبة للطفل كالحصن المنيع، الذي يحميه ويحنو عليه ويُبعده عن كل ما يؤذيه، وتتوزع مهام التربية في الأسرة بالعدل والقسط، فالأم عليها حضانة الطفل وإرضاعه، فترضعه من لبنها ما فيه غذاء لجسده، ومن حنانها وعطفها ما فيه غذاء لروحه. وفي ذلك من الفوائد الجسدية والنفسية العظيمة ما يعرفه أهل الاختصاص. والأب عليه النفقة على المرضع للتفرغ لإرضاع الطفل، والنفقة على طفله بما يسد حاجته الى الطعام والشراب واللباس، وبذلك ينال الطفل حاجته الجسدية والنفسية في أولى مراحل عمره الأكثر حرجاً وضعفاً، حين لا يملك لنفسه جلب نفع ولا دفع ضر. وإن فقد الطفل احد ابويه أو كليهما، فنجد الاسلام يستنفر المجتمع كله لتعويض هذا الطفل حنان والديه، ولحمايته ورعايته، فعلى الأولياء ان يحفظوا له حقوقه وأمواله التي ورثها، وعلى المجتمع ان يحسن إليه ويحذر كل الحذر من الاساءة اليه أو كسر قلبه. ويضيف: لذلك كانت الأسرة في الاسلام أمراً مقدساً لا يسمح لأحد ان ينال من قدسيته أو يمسه بسوء، فلا يحل لرجل ان يقيم علاقة مع امرأة، ولا يحل لامرأة ان تقيم علاقة مع رجل إلا تحت مظلة الأسرة، التي يتعاون فيها الأب والأم على تبعات الحياة وتربية الاولاد. وكان الزنى في المجتمع الاسلامي من أشنع الجرائم وأشدها عقوبة، وذلك لما فيه من الظلم العظيم والحيف الكبير للمرأة، ومن بعدها للطفل الذي قد يكون ثمرة لهذه الجريمة، فيولد للدنيا في حجر أم تضيق به ذرعاً، ولا يجد له أباً يرعاه أو ينفق عليه، ولا يجد أسرة يحمل اسمها وينتمي إليها. ونجد الإسلام قد نجح نجاحاً باهراً في ترسيخ هذه المفاهيم في كل المجتمعات التي سادها، فلم يعد فيها مكان لظاهرة الأمات والعازبات، ولا وجود لمشكلة اللقطاء إلا في حالات شاذة ونادرة كل الندرة، وذلك على عكس المجتمعات الغربية التي هي مضرب المثل في الرقى اليوم، فإننا نجد فشلها الذريع في تحجيم هذه الظواهر السلبية والخطيرة التي تكاد تعصف بأمن المجتمع وسعادته، وتثمر طفولة بائسة وأطفالاً تعساء محرومين. وفي هذا يقول كوفهي لال جابا: «نجد الإسلام يمنح كافة الحقوق للمرأة، ويقيم عقد الزواج على أساس عقد حكيم عادل، بين طرفين متكافئين، إن مشكلات الأمهات غير المتزوجات غريبة تماماً عن المجتمع الاسلامي، إذ ان الاسلام قد وضع عقوبات صارمة لجريمة الزنا، على العكس من القوانين الحديثة، التي تتساهل كثيراً في ذلك، ومن هنا نجد المجتمع الاسلامي نظيفاً طاهراً من كل ذلك». وما هذا إلا نزر يسير وغيض من فيض مما أولى الاسلام من عناية وحماية للطفل ورعايته، ويبقى الشاهد الأعظم على ذلك تلك الأجيال العظيمة التي أنتجتها التربية الاسلامية في عصر النبوة وبعدها، على عكس الأجيال البائسة التي أنتجتها الحضارة الغربية اليوم، والمطلع يدرك حجم معاناتها وآلامها، وإن كان ظاهرها براقاً وخداعاً. محمد زاهر