عميقاً في قلب القارة الاسترالية القاحل تقبع قمة صخرية عملاقة تدعى «أولورو». وتبدو هذه القمة الغريبة كالعملاق المهيمن على السهل الصحراوي الذي تتوسطه وهي تطل في شكل غريب التناقض مع محيطها. ومن بعيد تبدو «أولورو» كتلة واحدة متكاملة دون أخاديد أو صدوع على سطحها. لكن ما إن تقترب منها حتى تلحظ الأخاديد والضلوع والكهوف. وتشكل «أولورو» مادة دسمة للحكايا الشعبية التي تتحدث عن نشأتها. «أولورو» كنز حكايا الأساطير التي يرويها سكان استراليا الاصليون، بل هي رمز يفسر من خلاله هؤلاء نشأة الكون، كما ان موقعها أعطاها هالة روحية متألقة في قلوبهم ووجدانهم. وتبلغ أهميتها الاسطورية حدا جعلها بمثابة رابطة تجمع بين الأهالي الذين يعيشون في المنطقة وهم قبيلة أنانجو. بقية الاستراليين يعرفون هذه الصخرة باسم «صخرة آيريس». وحتى يصل المرء «صخرة آيريس» هذه فإن عليه قطع مسافة شاسعة من كبرى المدن الاسترالية وعبور طرق موحشة في الصحراء الاسترالية المقفرة. وربما كان هذا كله مما يزيد من وقع مرآها في نفوس الناظرين. وحين تصبح على قمة الصخرة التي ترتفع 1143 قدماً وتحدث بعيداً حولك فلن ترى سوى امتدادات لا نهائية من الصخراء الرميلة المحمرة وشجيرات صغيرة جافة تتناثرها هنا وهناك. على كل حال، تظل تجربة السائح والزائر العابر شيئاً مختلفاً كثيراً عن احساس السكان الأصليين تجاه صخرتهم. فهذا العالم الطبيعي القاسي هو الواقع المادي والروحي للأنانجو، ويشكل الأساس الذي يدور حوله تاريخهم الذي يتناقلونه شفاهاً. وأقاصيص هؤلاء تحكي سيرة خاصة لخلق العالم من خلال مآثر اسلافهم الأسطوريين الذين عاشوا في «التجوكوربا» أو «زمن الأحلام». وهذه الأساطير حول الأصل والنشأة تشكل بين هؤلاء الأساس لقانون العرف الذي يحكم كل أوجه سلوكهم الموروث، إلا أن التجوكوربا لا تشير الى مجموعة من الأفكار السائدة المستمدة من الأحلام. بمقتضى القانون العرفي السائد بين الأنانجو، فإن على كل مجوعة من أبناء القبيلة أن تهتم بأماكن الأحلام أو «المواقع المقدسة» وترعاها، وهي المواقع التي أوجدها الأبطال من أسلافهم، وأن يتناقلوها جيلاً بعد جيل ومعها أغانيهم وقصصهم وشعائرهم الموروثة التي تمجد مغامرات الأسلاف وتحيي ذكرهم في تلك البلاد. وعلى المجموعات المتجاورة أن تساعد بعضها، وأن تشترك في تنفيذ واجب حماية التراث وإحيائه وتمجيده. و«أولورو» هذه هي موقع من ثلاثة مواقع رئيسية في وسط أستراليا تتقاطع فيها سير ومصائر عدة مجموعات من الأسلاف. وهذه السير يشار إليها غالباً باسم «دروب الأحلام» وهي تربط بالفعل حياة شعب الصحراء هذا في كل وسط أستراليا. وفي «أولورو» يصطحب السكان الأصليون زوارهم على امتداد بعض دروب الأحلام. وبعض المناطق يحظر دخولها إلا على أبناء الأنانجو. فيما بعضها الآخر يحظر على النساء فقط أو على الرجال فقط. وحينما يأخذ حكواتية الأنانجو بسرد قصص أصولهم العرقية يشيرون غالباً الى ملامح تلك الصخرة للبرهنة على مزاعمهم. ولأن القصص تلخص أحياناً تفاصيل دورات الأغنية الملحمية، فإن أكثر من حكواتي يمكن أن يقصوا قصصهم بنسخ مختلفة، ولهذا فإن حضور جلسات الحكايات تلك بشكل متكرر يمكّن السامع من معرفة مزيد من التفاصيل من خلل فني قصصي قد يبدو ساذجاً للوهلة الأولى ويفتقر لعمق المغزى. فهل تريد أن تستمع، أو تقرأ، إن شئت قصة من هذه القصص كما يرويها الحكواتية؟ إذن فعليك أن تتأمل ما يلي بذهن صاف: «في البدء، قبل أن تكون هناك أية حياة في هذا الكون، كان العالم مبسوطاً سهلاً، لا ملامح له يمتد بين الأفق والأفق. لم يكن سطحه مكسراً بالجبال ومجاري المياه أو أي معلم جغرافي آخر. ذلك كان التجوكوربا». «ثم تحرك جوهر الحياة في الأرض. وارتفعت شخوص التجوكوربا من السهل الصحراوي، حيث كانت لعصور لا تحصى نائمة. بعضهم ظهر على شكل بشر من العماليق وغيرهم أخذ شكل النباتات والحيوانات وهناك من لم يكن يشبه أي مخلوق نعرفه». «لقد تحولت جثث أهل التجوكوربا إلى جلاميد فرادى أو أكوام من الصخر. أصبحت تلك الأماكن مقدسة وأي فرد من شعبنا يولد بجانب موقع مقدس يصبح فورياً فرداً من احدى قبائل أسلاف الأحلام». إن أسفار أسلاف التجوكوربا، مادة تتكرر في القصص والأناشيد الموروثة عند هؤلاء القوم. كما أن المواقع ذات الأهمية الروحية الخاصة والدروب التي رحل أولئك عليها هي كلها ذات أسماء خاصة بها لتحتفظ بمغزاها وأهميتها في معتقداتهم. أيضاً الأسلاف العظام أولئك الذين أوجدوا هذه الأرض هم أسلاف السكان الأصليين أنفسهم عملياً. وباعتبار أن كل إنسان منهم يزعم بأنه سليل كائنات اسطورية، يسود المعتقد بأن كل رجل وامرأة وطفل هو جزء من شبكة عرقية واحدة جمعتها الأسطورة والوراثة تمثلها هذه البلاد القبلية