اشتهرت سوريا منذ القدم بصناعة الغزل والنسيج والسجاد على النول الخشبي، حيث ضمت المدن السورية دمشق وحمص وحلب عشرات الألوف من الانوال الخشبية، ولعل الرحلة تبدأ من قدمي الحائك حيث كانت الأرجل تنغزر في الارض تحت النول وكان وقتها يسمى النول «ابو حدفة» الى النول الجرار الذي يشد بالحبل واصبح العمل على النول فوق الارض ثم اضيف بعد ذلك الى النول جهاز سمي ماكينة يقوم بعمل الرايتر «الحديث». وعن رحلة النول مع الحرير الاصلي يحدثنا محمود العنداني وهو حرفي قديم مازال يعمل على النول الخشبي في مدينة حلب حيث بدأ بممارسة هذه المهنة منذ اكثر من ستين عاماً فيقول عنها: كانت حلب في تلك الفترة اشبه بمعمل كبير لصناعة الحرير بمختلف حرفه كالديما والصايات والحطايط (الحطات) وفوط الحمام المقصبة وصناعة العبي والشراشف والبوبلين، استهوتني منذ الصغر صناعة الحطات وخاصة من نوع (كبسة وسياخ) و(وحطة عبدة) و(عريجة وعريجتين) و(بحرة وطرز) و(كرانيه) ولما بلغت الخامسة عشرة من عمري بدأت بالانتاج وقمت بتصميم النول الخشبي الذي تراه الان والذي مازلت اعمل عليه منذ اكثر من ستين عاماً. النير والزقازيق وعن طريق صنع (الحطات) وادواتها وموادها يقول محدثنا: تنسج الحطات من الحرير الطبيعي على النول العربي العادي الخاص بهذه الحرفة وهو مكوّن من «مطواي» وهي قطعة خشبية اسطوانية يلف عليها القماش المنتج تركب على خشبتين مغروزتين تسمى الواحدة (غرز) وخلف النساج توضع خشبة (زيركون) وهي خشبة مسطحة مائلة يجلس عليها وتحت النول حفرة الى الجذع وتتوزع فيها (الدوسات) وهي قطع خشبية عددها عشرة ووظيفتها المساعدة على تداخل الخيوط الحريرية وتكون موصلة في اطرافها بخيطان من النير الذي يتألف بدوره من عشرة نشابات في الأعلى وعشرة في الاسفل، والنير هو الذي يحوي الحرير المراد نسجه. ومن اجزاء النول الخشبي الخاص بصناعة الحطات كما يقول العنداني (الزقازيق) ـ جمع زقزقة ـ وعددها «12» وهي عبارة عن حلقات (بكرات) تساعد على صعود وهبوط النير و(المرد) وهو الذي يعمل على تسهيل تحرك النسيج ويعلق في سقف المشغل و(المدرج) وهي (الفرضات) التي تسند سيخ المطاوي و (الملفات بيور) وهو مكوك يحوي بداخله الماسورة التي يلف حولها الحرير والقصب و(ابلوز) وهي كتلة حجرية موصولة بالملفات توضع كثقالة لشد الحرير الى الاسفل لتظل خيوطه متينة ومشدودة ومنتظمة لتسهيل العمل. من الفتال الى الملقي وحول مساحة القطع المراد الاشتغال عليها والمراحل التي تمر بها القطعة حتى تصل الى الرؤوس يضيف العنداني: يجب ان يكون الطول والعرض متساويين اي (140 X 140) ويستغرق انجاز قطعة بهذه المساحة حوالي «12» ساعة من العمل المتواصل ويجب ان اذكر ان آلية عمل المحطات معقدة لانها تحتاج الى عشرات المراحل تبدأ بـ «الفتال» وهو الذي يفتل اي يبرم الخيوط ويزويها لتصبح صالحة الاستعمال و(المسدي) الذي يفتح الخيوط ويرتبها حسب عدد والوان الخيوط المطلوبة ويلفها على شكل شلة و(الصباغ) الذي يقوم بصنع الاقمشة والخيوط بالالوان المناسبة (الاسود والاحمر والاصفر) على الاغلب ثم بعد ذلك تمر الخيوط على (البزاز) او (المزيك) وهو الذي يقوم بتحميل الخيوط بالصمغ او الغراء مع النشاء وتغطيسها ثم مدها ونشرها على نواتئ يقيمها في جدار طويل ثم يوصل المقطوعة ويرتبها، والمرحلة الاخيرة مرحلة الملقى وهو الذي يدخل الخيوط في الدرق (المشط) حسب ترتيبها والوانها، وقد ارتبطت هذه المهنة بأسماء والقاب بعض العائلات في سوريا ومنها القصبجي. البروكار الدمشقي رغم انه كان لباساً للمماليك الا انه اشتهر عندما لبست الملكة اليزابيث الثانية ثوباً من البروكار الدمشقي بمناسبة زفافها فارتدته خلال حفل الزفاف ليأخذ بألباب الحضور وكانت نقشة هذا الثوب هي العاشقة والمعشوق بلون ابيض مذهب حيث تأخذ رسومات البروكار طابع التراث الشعبي في سوريا، فهناك الخيط العربي والكشمير «والعاشق والمعشوق» و«دعسة القطة» و«الفراشة» و«حرب صلاح الدين» وغيرها من الرسومات. والبروكار هو عبارة عن قماش يحاك على نول خشبي تقتصر مواده الاولية على الحرير الطبيعي المستخرج من دودة القز والمصنع في سوريا وخيوط الذهب التي غالباً ما تكون من عيار 11 قيراطاً لكن في العصر الحالي هناك الكثير من الحرفيين الذين يستخدمون الخيوط المذهبة لكن الجميع مازال يستخدم الحرير الطبيعي، ويصنع من قماش البروكار العديد من انواع الثياب وخاصة الثياب القديمة كالشراويل والصدرية للرجال وغيرها الا انه وفي الوقت الحالي امتد استخدام البروكار الى صناعة الاحذية واغطية الطاولات وغيرها. نول السجاد بعد الحرير تحتل صناعة السجاد في سوريا مكانة بارزة بين صناعات دول العالم نظراً لجودة خيوطها التركيبية ولاتقان عمل انامل الايدي الماهرة. ان سر جمال السجاد السوري عامة يكمن داخل وعاء الصباغة الذي لم يوجد ما ينافسه في انتاج صبغات جميلة وثابتة على السجاد، هذه الاسرار التي تعيش وراء استخراج مادة الصبغة من الجذور واوراق الازهار وقشور الاشجار والمواد النباتية المختلفة ايضاً منتجات الحيوانات والحشرات ومعالجتها سواء بالغلي او التخمير وبعدها يتناقلها الابن عن الاب والجد وكل واحد منهم يزاول طريقته بسرية تامة حتى ينافس بها غيره واحسن الالوان التي استعملها الشرقيون القدماء هو اللون الازرق والاصفر والاحمر ومن اهم مميزاتها انها تتحسن الوانها بمرور الزمن. اما عن النول المستخدم في صناعة السجاد فيحدثنا يحيى حاج علي قائلاً: انه مكون من اربعة من العوارض الخشبية فهي اساس نول السجاد بصفة عامة وتتكون من اثنتين افقيتين توضع خيوط السدي عليهما واثنتين رأسيتين وذلك لحفظ العارضتين الافقيتين في محلهما وتستعمل المطواة العليا لوضع خيوط السدي عليها اما السفلى فهي لشد السجاد ورخوها وتتصل المطواتان بالعوارض بواسطة اربع مشقبيات تكون السفليتان الواحدة منها اطول من لسان المطواة السفلى لامكان شد ورخو السجاد وعموماً، فالعوارض سواء اكانت افقية ام رأسية فهي متشابهة ما عدا المشقبيتين الكبيرتين لامكان اتمام عملية الشد. وغالباً ما تصنع هذه العوارض من الخشب ثلاث مساطر وكابولين فواحدة للسدي وهي اقصر من عرض النول بقليل وفائدتها بناء السدي عليها والثانية تسمى مسطرة النير وهو اطول بقليل من عرض النول وفائدتها عقد النير عليها وذلك لايجاد النفس اللازم للسجادة والمسطرة الثالثة وتسمى مسطرة النير وفائدتها فصل الخيوط الفردية من الزوجية وبموقع هذه المسطرة الى اعلى يمكن ايجاد نفس صحيح للتفويت اللازم للسجادة اما الكابولين فالغرض منها هو حمل مسطرة النير وهما مركبتان على جانبي النول وغالباً ما يصنع هذا الكابولين من الخشب او الحديد. ـ ولكن ماذا عن كيفية عمل السدي للسجاد؟ ـ يعمل سدي السجادة من القطن وقليلاً من الصوف ونادراً من الحرير فقبل عمل اي سداء يجب معرفة عدة السجادة المستعملة حتى يتم اختيار الخامات المناسبة لهذه العدة (ومعنى العدة هي عدد العقد الموجودة في السم2) ايضاً ملاحظة ان السجادة المطلوب تنفيذها تتفق وعرض النول لتسهيل عملية التنفيذ. ـ كيف تبدأ عملية التسدية؟ ـ تبدأ عملية التسدية بربط طرف الخيط في اول علامة على مسطرة السدي وتترك البكرة على الارض ويمسك الخيط المزدوج من الوسط وترتفع به امام النول وتلف النول بعد مروره فوق العارضة العليا على اول علامة ويأتي ويمر بالعارضة الافقية السفلى ثم يلف حول مسطرة السدي، وبذلك يكون طرف الخيط ملفوفاً حول مسطرة السدي والطرف الاخر على البكرة فتأخذ الخيط من الوسط ايضاً وتلفه مرة حول مسطرة السدي وبذلك تكون انتهت العملية فتبدأ في تكرارها مرة اخرى ـ يمسك الخيط من الوسط والارتفاع به ممن امام النول وهكذا تظل تكرار العملية السابق عملها مع وضع الخيط بجانب بقصة حسب عدة السجاد وهكذا حتى تتم تسدية السجادة حسب العرض المطلوب بعد الانتهاء من عملية التسدية نلاحظ ان نصف السدي اصبح من الامام والنصف الاخر ظاهراً في الخلف وعلى هذا فعملية النير تتلخص في جذب الخيوط الخلفية من امامية الى خلفية وبالعكس وهذا ما يسمونه بتغير النفس لتسهيل عملية مرور اللحمة ويعمل النير بوضع خيط سميك بطول مسطرة. وتبدأ عملية بربط طرف الخيط بالقرمز ثم تعقد عليه عقدة وبعدها نلف الخيط حول اول خيط عن الخلف وتجذب الى مسطرة النير ونلف خيط النير حول هذه المسطرة فيصبح هذا الخيط تابعاً لخيط النير كما انه جذب الى الامام تاركاً مكانه الاصلي ثم تعقد عدة عقد للتمكين حتى يصبح خيط النير امام الخيط الخلفي الثاني لاننا سنترك خيطاً امامياً في مكانه بدون جذب وبعدها تجذب الخيط الخلفي الثاني وهكذا ينتهي السدي ونحصل الى النفس المطلوب بواسطة مسطرة النفس التي تلامس حامل النير وتضغط على الخيوط فتكون الحدقة الاولى لخيط اللحمة ويرفعها بتغير وضع الخيوط فتتكون الحدقة الثانية فيحدث التعاشق اللازم للنسيج. حيث يبقى القول انه يمكننا تحديد عمر السجادة عن طريق خاماتها ولون صبغاتها فتظهر القطع الاثرية بضوء ولمعان متى حركنا يدنا فوق وبرتها بينما يكون مظهرها قاتماً ويمكن الكشف عليها عن طريق فك عقدة من عقد السجاد ونجد ان طرفيها سواء الخارجي او الداخلي متأثران بعوامل الزمن، اما المغشوشة فإنه يتضح بسهولة تأثير الكيماويات على طرفيها الخارجين في حين يظل الجزء الداخلي محتفظاً بلونه الزاهي. دمشق ـ «بيان اليوم»