تحتل مدينة انكوروات الكمبودية العريقة ومجمع المعابد القديمة المحيطة بها مكانة بارزة في قائمة الوجهات السياحية المتميزة في جنوب شرق آسيا، ويتضاعف عدد الزوار المقبلين اليها كل عام. لكن هذه المنطقة باتت في السنوات الأخيرة أشبه بكالكتا من كمبوديا نظرا للازدحام الكبير الذي تشهده شوارعها وجبل باكنج الذي يقصده الباحثون عن السكينة ومناظر غروب الشمس، وقد بلغ عدد الزوار في العام الماضي وحده حوالي 400 ألف شخص. غير ان هذه الصورة ينبغي ألا تثني الراغبين في زيارة كمبوديا والتعرف على الآثار القديمة هناك لأن المعابد المحيطة بسيم ريب لا تمثل سوى جزء بسيط من آثار البلاد. وبعد انهيار الخمير الحمر في عام 1998 بات من السهل الوصول الى ما وراء انكور. والحقيقة هي ان عددا قليلا من السياح هو الذي يغامر بخوض تجربة المضي على خطى هنري موهو الفرنسي الذي كشف للعالم عن وجود انكور وات في أواخر الخمسينيات من القرن التاسع عشر. لا تبعد معظم المعابد المحتجبة وسط الأدغال سوى مسيرة سبع ساعات بالسيارة عن سيم ريب وباتامبانج أو كومبونج توم. وينصح الزائرون بقضاء الوقت في استطلاع المنطقة والتمتع بمناظرها الطبيعية المؤلفة من مروج الأرز وبساتين المانجو والسحلبيات والنخيل. ومن المألوف ان يصادف الزائر في طريقه احتفالا محليا حافلا بالألوان أو تجمعا من الناس الذين يؤدون طقوسا معينة من تراثهم العريق. ويبدو ان ميراث الحرب والفقر قد ترك تأثيرا طفيفا على الروح العالية للقرويين وكرم الضيافة الذي يتسمون به. تعج كمبوديا بعناصر الجذب السياحي وبخاصة معابدها القديمة التي تستقطب السياح من مختلف دول العالم بعمارتها المميزة وسحرها الشرقي الخاص، وأبرز هذه المعابد موجود في باتامبانج. تضم باتامبانج عددا من المعابد الانكورية في ضواحيها، ولكن هناك اثنان يتعين على الزائر مشاهدتهما. الأول يبعد سبعة أميال الى الشرق من المدينة على طول نهر سانكر، ويدعى وات ايك فنوم، وهو معبد يعود الى القرن الحادي عشر ويضم برجين ومنحوتات رائعة فوق أبوابه ونوافذه. وقد تحول مسرح القتال السابق هذا الى مكان للتنزه بعد توقف القتال في كمبوديا.والمعبد الثاني هو وات بنان وهو أكبر المعابد مهابة في المنطقة. ويضم خمسة أبراج على شكل أقراص العسل مرتبة بشكل يشبه ترتيب أبراج معبد انكور وات. ويمكن ان يتسلق السلم المؤلف من 337 درجة ليصعد الى أعلى البرج الذي يطل على المروج المزروعة بالأرز، والتي كانت بمثابة ساحة للمعارك في السنوات السابقة. ولا يوجد ما يذكر بتلك الحرب الرهيبة سوى مدفع آلي صديء مصوّب على المواقع القديمة للخمير الحمر. ولايزال الجيش يسيطر على المعبد، حيث لا يتردد الجنود في ارشاد الزوار الى قمة البرج لقاء مبلغ زهيد. من السهل الوصول الى وات بنان، فهي لا تبعد عن المدينة سوى 25 كيلومترا وتقع عند نهاية صف من القرى التي تنتج الفلفل الحار المجفف. وفي الجهة المقابلة يقع نهر سانكر، الذي يعتبر ممرا مائيا سريعا. والطريق المظللة التي تقود الى وات فنوم بمحاذاة ضفافه. يمر الزائر في الطريق على مساكن مطلية باللون الاصفر تظللها أشجار جوز الهند والمانجا. ويشاهد الرهبان بثيابهم الصفر البرتقالية وهم يمشون فوق الجسور الخشبية المغطاة حاملين أواني الأرز الفضية، وكذلك أولاد المدارس وهم يتراكضون في الشوارع متجنبين الدوس على كتل الأرز الدائرية الموضوعة تحت أشعة الشمس لكي تجف. ومن المعابد الشهيرة ايضا معبد بانتي شمار الذي تم بناؤه في القرن الحادي عشر ويدين بوجوده للملك جايا فارمان السابع الذي اشتهر ببناء المعابد. وقد عانى هذا المعبد الذي يعد ديرا للبوذية من التخريب عندما قام منشقون عن الجيش الملكي الكمبودي بسرقة أجزاء من النقوش والمنحوتات قبل ثلاثة أعوام، ولكن هذه الاجزاء تمت اعادتها، وهي الآن معروضة في المتحف الوطني بالعاصمة الكمبودية فنوم بنه. ومع ذلك فإن بانتي شمار لايزال يعتبر الأثر الأكثر روعة وفخامة خارج مجمع انكور بأبراجه التي تمثل وجوها باسمة، والتي تعتبر بحالة جيدة. وفي المناطق الجبلية يقع معبد بريافيهير الذي يشغل أروع الامكنة على الاطلاق في جنوب شرق آسيا. كان هذا المعبد تحت سيطرة التايلانديين حتى عام 1962 عندما سقط في أيدي الخمير الحمر، الذين احتفظوا بسيطرتهم عليه حتى عام 1999. ومن الممكن ان يتحول المعبد في غضون عامين الى ثاني موقع للتراث العالمي تعلنه اليونسكو في كمبوديا. يستطيع الزائر الوصول الى من سيم ريب وكومبونج الى معبد سامبو ر بري كوك، الذي قام الفرنسيون بتطهيره من الألغام والأشجار في العشرينيات من القرن الماضي، ولكنه بدأ منذ ذلك الحين يعود الى قبضة الغابة من جديد. كان مجمع المعبد يعتبر احدى العواصم القديمة لامبراطورية الخمير. وقد لا ينافس المجمع الذي يضم 20 معبدا مجمع انكور من حيث الحجم أو الفخامة، ولكنه يتميز بجوه الاستثنائي الخاص. يربض قصر الملك التابع له على طرف بحيرة اصطناعية، وتحرصه اربعة تماثيل لأسود فاغرة أفواهها لكي تملأ الدنيا زئيرا. ضرار عمير