بيان الكتب: لقد غدت الحاجة ملحة اليوم لكتابة تاريخ مستقل عن التوراة نستطيع من خلال المقارنة معه والتثبت من تاريخية أية مروية توراتية، ودون تاريخ مستقل لفلسطين ولاسرائيل القديمة ضمنه، فإن مسألة تاريخية التوراة تبقى دون حل. وقاريء الدراسات الحديثة التاريخية والابحاث يدرك ان قصة بني اسرائيل التوراتية، لم تجر على أرض فلسطين، ولا في أي مكان جغرافي آخر، بل هي قصة أصول، مفعمة بالايديولوجيا الدينية، تهدف الى ابتكار تاريخ للدين اليهودي الذي صاغه كهنة «أورشليم» خلال ثلاثة عقود من الفترة المدعوة بفترة ما بعد السبي، أو فترة الهيكل الثاني، كما تهدف الى تأصيل مجتمع «أورشليم» الجديد في أرضه الجديدة. تقع «أورشليم» في بؤرة الرواية التوراتية وحولها يدور التاريخ الديني والسياسي لليهود، وقد تم تقديم القرن العاشر الينا، باعتباره العصر الذهبي لاسرائيل القديمة، وعاصمتها «أورشليم» كما جرى التحدث عن مملكة موحدة تحت قيادة «شاؤول، فداود، فسليمان» بسطت سلطتها على مساحة جغرافية واسعة، امتدت من النيل الى الفرات. لكننا حين نأتي لدراسة ووصف حقيقة ما جرى، ندرك ان هذه التصورات لا مكان لها في الواقع، لأنها غير موجودة خارج السياق القصصي التوراتي، فليس هناك أية بنية تدل على ذلك. فمثلا: يذكر النص التوراتي «مملكة سبأ» وكيف ان ملكتها جاءت بالهدايا لـ «سليمان الملك» في سفر الملوك، حيث يذكر هذا السفر: «وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان فأتت الى أورشليم بموكب عظيم جدا، بجمال حاملة أطيابا وذهبا كثيرا جدا وحجارة كريمة وأتت الى سليمان، فلما رأت البيت الذي بناه وطعام مائدته، ومجلس عبيده، ومواقف خدامه، وملابسهم وسقاتهم، لم يبق فيه روح»[1-13]. والمعروف ان مملكة سبأ المعروفة في شبه الجزيرة العربية لم تقم الا في القرن الرابع قبل الميلاد، والتفسير لذلك: ان المحرر التوراتي الذي كان يكتب قصته في زمن ما من القرن الرابع قبل الميلاد عن أحداث يفترض انها جرت في القرن العاشر قبل الميلاد، كان على دراية بمملكة سبأ التاريخية المعاصرة له، وكان يرى قوافل السبئيين تعبر وهي محملة بأغلى وأثمن البضائع، فاستخدم هذا الانطباع لصياغة قصته المعروفة حول زيارة ملكة سبأ لـ «سليمان». كما ان النصوص الآرامية وسجلات مصر وآشور خلال القرن العاشر لم تلحظ قيام امبراطورية في بلاد كنعان، ولم تعبأ بذكر واحد من ملوكها وتخلو من أية اشارة الى الاحوال السائدة في فلسطين. كذلك يصمت النص التوراتي عن ذكر الممالك المعاصرة لمملكة «سليمان» فمحرر «سفر الملوك» لم يسمع بمملكة «آشور» ولا بالممالك الآرامية ولا بمملكة «سيميرا» أقوى مملكة في منطقة سوريا الوسطى، كذلك لا يعرف عن مدى النفوذ المصري في فلسطين وسوريا الجنوبية، والعلاقات بين «مصر» والدويلات الفلسطينية. وهكذا فحتى المؤرخين الموالين لاسرائيل لم يستطيعوا اثبات ذلك، فليس هناك شواهد أثرية تدل على وجود هذه المملكة، حتى قال «فنكلشتاين» وزميله من الجامعة العبرية في تل أبيب: «ان قصة سليمان في سفر الملوك الأول هي قصة غير تاريخية، فمملكة سبأ ليست أكثر من مشيخة صغيرة، أما هيكل أورشليم فلم يكن سوى معبد متواضع». أما المعلومات الاركيولوجية من القرن العاشر فتقول: «ان ثقافة فلسطين خلال القرن العاشر، لم تكن الا امتدادا طبيعياً للثقافة السورية، ولم تكن الديانة الا ديانة سورية تقليدية، أما الثقافة المدعوة بالاسرائيلية فلا يوجد في أرض فلسطين ما يدل عليها على كل صعيد. وبذلك يصل الباحث «السواح» الى ان الآراميين ليسو جماعات قدمت الى بلاد الشام من خارجها، بل هم جماعات رعوية تشكلت من أشتات المزارعين وسكان المدن المهجورة خلال فترة الجدب الطويلة التي توجت بكارثة الجفاف الميسيني. يعتمد «السواح» على نظرية الباحث الألماني «آلت» في أصول اسرائيل الذين كانوا من الشرائح المضطهدة، ومن الفلاحين الفقراء، والمزارعين والرعاة ومن الجماعات الهامشية التي تقع خارج الاطار الاجتماعي والسياسي لدويلات المدن الكنعانية، وقد ثار هؤلاء ضد النظم الاقطاعية، وقد لعب الضغط الذي مارسه «الفلستون» على القبائل الاسرائيلية في توحيدها واندماجها، ولكن اللغة التي نطق بها الاسرائيليون كانت كنعانية، وكذلك الخط الذي كتبوا به. وبذلك فإن هذه القبائل الاسرائيلية هي فئة كنعانية لم تغادر فلسطين وان ديانة يهوه التوراتية، قد تطورت ضمن المؤسسة الدينية الكنعانية لأن المخلفات المادية لمواقع عصر الحديد الأول في الهضاب المركزية تظهر بوضوح ان أهلها كانوا على الديانة الكنعانية وان معابدهم المتواضعة التي تم اكتشافها كانت مكرسة للآلهة الكنعانية، وبذلك فإن القاعدة السكانية اللازمة لقيام مملكة «داود ـ سليمان» لم تكن متوفرة وقيام تلك المملكة كان مستحيلا. وبذلك ايضا فإن «أورشليم» لم تكن حية ومسكونة خلال القرن العاشر قبل الميلاد، وجميع الاوابد المعمارية التي عزيت الى المملكة الموحدة خارج أورشليم لا وجود لها كذلك في هذا القرن. ويستنتج الباحث «السواح» ان مملكة اسرائيل نشأت كمملكة فلسطينية كنعانية في سياق عصر الحديد الثاني، وان سكانها فلسطينيون محليون لا علاقة لهم بالاسباط المدعوون بأسباط بني اسرائيل، أما الاراضي التي شغلتها هذه المملكة فهي منطقة الهضاب المركزية تحديدا، ولكنها توسعت على شكل مد استعماري نحو الشمال والشرق، وكان يزداد هذا المد أو يتقلص تبعا لقوة ملوكها وعلاقتهم مع الممالك المجاورة وبخاصة «مملكة آرام ودمشق». لقد عاشت مملكة اسرائيل قرابة قرن ونصف، ثم تحولت الى مقاطعة آشورية ثم الى مقاطعة بابلية ففارسية فهيلينستية، وبذلك فإن المعلومات حول مملكة يهوذا تقول بأنها قامت في الهضبة الفلسطينية بعد قرن ونصف من قيام مملكة «السامرة»، وعندها بدأت «أورشليم» تتخذ وضع العاصمة الاقليمية وتبسط سلطانها على المناطق الزراعية قبل ان يدمرها «نبوخذ نصر» عام 587 ق.م ويلغي يهوذا من الخارطة السياسية الفلسطينية الى الأبد. أما سكان هذه المملكة فقد أتوا من مصادر محلية، ولعل المصدر الأول هو الزيادة المتسارعة في عدد السكان بعد انقضاء فترة الجفاف الميسيني. والمصدر الثاني: هو سكان المناطق الفلسطينية المقتلعين من مواطنهم خلال الفترة الانتقالية، أما المصدر الثالث: فهو الجماعات الرعوية التي جاءت من المناطق الجنوبية والشرقية، وقد أخذت هذه الجماعات الرعوية بالاستقرار وزراعة الأرض، أو انها أجبرت على الاستقرار عندما صارت «أورشليم» سوقا رئيسية لمنتجات الكرمة والزيتون والمحاصيل الزراعية الأخرى. وبذلك فمملكة يهوذا في نشأتها ومسار حياتها ونهايتها هي مملكة فلسطينية كنعانية اللغة والثقافة والدين والتكوين، وان هيكل سليمان المدعو بالهيكل الأول لم يكن الا معبداً كنعانيا مكرسا لعبادة الاله الفلسطيني يهوه وزوجته عشيرة. لقد كانت القرون الثلاثة الواقعة بين أواخر القرن السادس وأوائل القرن الثاني قبل الميلاد، هي الفترة التي تمت خلالها الصياغة التدريجية للمعتقد التوراتي والشريعة التوراتية، وقد سارت هذه العملية يدا بيد مع تحرير أسفار التوراة واستكمال فصول الرواية التوراتية. ولعل النقطة المهمة ان تعبير يهود ويهودي لم يستخدم قط للدلالة على اتباع دين معين، بل للدلالة على سكان أرض معينة، وذلك حتى دمار هيكل أورشليم وزوال الكيان لمقاطعة اليهودية الرومانية، ولكن ابتداء من القرن الثاني الميلادي الذي شهد صياغة الديانة اليهودية التلمودية على يد لاهوتيين عُرفوا باسم الربانيين، ابتدأت الديانة التوراتية تتخذ اسم الديانة اليهودية وصار اتباعها يدعون يهودا. ولعل الرقم العالي للمسببين العائدين الى «أورشليم» يقدم لنا دليلاً على ان الادارة الفارسية قد دفعت مع سبي يهوذا الراغب في العودة شرائح اخرى من مناطق شتى من املاك الامبراطورية، ولكن الادارة الفارسية قد جهزت في الوقت نفسه الخطة المثلى لصهر هذا الشرائح في بوتقة واحدة عندما أعطيت الاولوية لبناء الهيكل، وليس لبناء المدينة المصدقة، بعد ان طابقت بين اله السماء الواحد للامبراطورية الفارسية «أهورامزدا» واله الفلسطينيين القديم يهوه. وخلال قرن كامل من الصراع بين السلوقيين والبطالمة كانت جيوش هؤلاء أو أولئك تعبر «أورشليم»، وهذا ما أخرجها من عزلتها، وعندما آلت الى «السلوقيين» لم يعد أهل أورشليم على تجاهل الحد الثقافي الهلنستي وذلك قرابة 200 ق.م. أما في العصر الروماني، فلم تكن سوى مكان لنشر الثقافة الرومانية، حتى مملكة «هيرود» لم تكن سوى مملكة لقتل روح العصبية اليهودية، ولكن بعد تدمير الهيكل قرابة عام 70 ميلادية، فقد ولدت اليهودية التلمودية، أما الهجوم الاخير والذي جرى عام 135 ميلادية، فقد تم بيع اليهود في أسواق النخاسة وعهد «هادريان» الى هدم أورشليم وتسويتها بالتراب، وأقام موضعها مدينة رومانية تحت اسم «ايليا كابيتولينا» وقد منع أي يهودي من دخول المدينة الجديدة تحت طائلة الموت. وعندما اعتنق «قسطنطين» المسيحية وأعلنها ديانة رسمية للدولة، وبنت أم الامبراطور كنيسة في الموضع الذي تواترت فيه الاخبار عن صلب المسيح تحولت «ايليا» الى مدينة مقدسة. وبعد معركة اليرموك (638م) جاء الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليتسلم مفاتيح المدينة من أهلها، وبنى مسجدا فيها. لقد دامت دولة اليهود ثمانين عاما من عام 142 ق.م الى 63 ق.م وهي الفترة الوحيدة التي كان لهم فيها كيان سياسي، لكن النزعة الأصولية قد أودت بأورشليم ومحتها من الخارطة السياسية، أما اليهود فقد اختفوا، وابتدأ ما يسمى بالنسبة لهم تاريخ الشتات الذي لا يهم أحداً سواهم. دمشق ـ «بيان الكتب»