تبلغ سبستياني ديل كارمن الحادية عشرة من عمرها ولكنها ضئيلة الجسم كثيرا بحيث تبدو وكأنها لم تتجاوز بعد السابعة أو الثامنة من عمرها، وهي تعمل في السوق النشط لمسايا، وهي قرية تبعد مسيرة ساعة بالسيارة الى الجنوب من ماناجوا العاصمة النيكاراجوية المتخصصة بتوفير الأعمال الفنية والمشغولات اليدوية للسياح الاجانب، وتحاول سبستياني ان تبيع دزينة من سلال الخيزران الصغيرة غير المزخرفة التي سيملؤها النيكاراجويون بالحلوي في عيد الميلاد. سبستياني تبدو للناظر طفلة حافية القدمين وفستانها ممزق ومحياها الذي يعكس جذورها المنتمية الى السكان الاصليين يكون جميلا عندما يشع لديها احتمال انجاز عملية بيع لسلالها وهي تبيع دزينة السلال مقابل حوالي 15 دولار. وتعتبر سبستياني البنت الصغرى بين أشقائها الاربعة عشر، الذين ينضم جميعهم الى الوالدين في تصنيع هذه السلال وبيعها. بيتهم صغير، ستكون فيها قطعة من الكرتون بمثابة سرير لها حتى تعود الى السوق في اليوم التالي عند الساعة السادسة صباحا. وهي ترغب بالذهاب الى المدرسة، ولكن من المستبعد ان تقوم بذلك في حياتها أبدا. ومن بين المشكلات الاخرى المقدور عليها، ينبغي عليها ان تحصل على زوج من الاحذية بدون خروق، وهو شرط ثقافي ضروري لدخول المدارس في نيكاراجوا. يعتبر الحذاء ذو أهمية كبيرة بالنسبة للشعب النيكاراجوي، ولا يسمح لأي طفل بدخول المدرسة منتعلا حذاء غير ملمّع، فما بالك بحذاء مليء بالخروقات. ومن الجدير بالذكر ان ثمن زوج من الحذاء الخفيف يبلغ 45 دولارات. يمكن للمرء ان يلاحظ الاطفال العاملين في نيكاراجوا الذين ينهضون عند الفجر ويعملون حتى المساء احيانا في كل مكان من البلاد. وتفيد التقديرات ان ما يقارب 400 ألف طفل يمارسون العمل على مستوى الدولة. وهؤلاء العمال الفتية الذين يكونون عادة تحت سن البلوغ واحيانا في السادسة أو السابعة من العمر، يمكن مشاهدتهم على زوايا الشوارع وعلى الشاطيء وفي المنازل الجميلة للأثرياء. ويقومون بغسل زجاج السيارات أو تلميع الاحذية أو بيع العلكة أو السكاكر أو بطاقات اليانصيب. ويقوم الاقل حظاً بالتنقيب عن أشياء قابلة للاستعمال في القمامة أو يعملون في التسول أو يتعرضون لمصير أكثر سوءا. لا يوجد جزء في نيكاراجوا معفى من هذه المشكلة، وينحدر جيش البلاد الصغير من الاطفال العاملين من خلفيات عرقية متنوعة. وتكشف المقابلات التي أجريت مع الاطفال المنهمكين في سلسلة من الأعمال النمطية طبيعة عملهم. وهناك جوانب كثيرة مشتركة في حياتهم مثل الفقر المدقع وفشل النظام التعليمي في البلاد والطريقة الاستثنائية التي يتحمل فيها هؤلاء الاطفال ظروف العمل واعبائه اليومية. وتعتبر السرقة ظاهرة شائعة في حي مارثا كويزادا في ماناجوا الذي تقطنه الطبقة المتوسطة، وهي حقيقة تشهد عليها الاسوار العالية التي يعلوها الزجاج المكسر أو الاسلاك الشائكة، لكن بعض الشباب المغامر أطلق قبل ثلاثة أعوام نشاط أعمال في مجال الأمن. وتعمل خدمتهم التي توظف أربعة من الحراس تتراوح أعمارهم بين أربعة عشر عاما وواحد وعشرين عاما، بدءا من الساعة العاشرة مساء، حيث يكون معظم سكان الحي قد أووا الى فراشهم بحلول ذلك الوقت. يقوم كل صبي بحراسة منطقة مؤلفة من أربع بنايات في كل اتجاه حيث يقود دراجته ويبلغ عن موقعه ووضعه من خلال نسق معين من الصفير يخترق هدوء الليل بفواصل زمنية منتظمة. وعلى الرغم من انه قد تمر أيام من دون وقوع حادث يذكر، الا ان العمل على تلك الشوارع ضعيفة الاضاءة يعتبر عملا خطيرا. يحمل فلاديمير وانريكو اللذان هما دون سن السادسة عشرة ولا يستطيعان حمل السلاح، يحملان هراوات مغروسة في حزاميهما، اما الاعضاء الآخرين في فريقهم يحملون المسدسات. ماريو الذي يعتبر أحد الاشخاص الأقدم في هذه الوظيفة، يتذكر حادثة هوجم فيها أحد اعضاء الفريق السابقين ويدعى كارلوس من قبل جماعة من الشبان المستهترين الذين كانوا في حالة سكر ويبحثون عن شجار. وعندما فشلت رصاصة تحذيرية في ردع المهاجمين، الذين فاقوه عددا بنسبة ثلاثة الى واحد، أطلق كارلوس النار ثانية فأصاب أحدهم من غير قصد، وهو الآن نزيل السجن. لا تعتبر رواتبهم على هذا العمل الخطير سيئة وفقا للمعايير المحلية. ومع انه لا يزيد على 72 دولارا في الشهر، الا انه يتجاوز الراتب الذي يتقاضاه الشرطي، غير ان الصبية يتحملون المسئولية عن 50% من خسائر أية عملية سرقة أو تخريب يمكن ان تحدث اثناء مراقبتهم. وشأن حراس الأمن هؤلاء، فغالبية الشباب النيكاراجوي العامل يعيش في الشوارع، وهناك عمالة «مخفية» ايضا كعمل البنات الصغيرات في المنازل الخاصة أو كعاملات في صناعة الالبسة في منطقة زونا فرانكا بماناجوا. وعلى بعد 45 دقيقة الى الشمال الغربي من ماناجوا يقع حي كويداد ساندينو الذي يعيش وضعا اقتصاديا مزريا ويسافر غالبية سكان الحي يوميا الى العاصمة من أجل العمل، وهذا يعني في العادة بقاء الاطفال الصغار في عهدة مربيات لا تزيد أعمارهن كثيرا عن الاطفال اللائي يشرفن عليهم. فعلى سبيل المثال تنهض فابيولا البالغة من العمر 12 عاما صباحا قبل الفجر لكي تذهب الي منزل جيرانها حيث ستعمل حتى الظهر مقابل 110 دولار ستكسبها في ذلك اليوم بالاضافة للطعام الذي سيقدمه لها مستخدمها. وتقوم فابيولا باعداد الطعام لثلاثة أطفال صغار في عهدتها. وتتولى غسل الملابس يدويا وتقوم بتعليقها كي تجف في الخارج ثم تكويها لأنه لا يوجد أي نيكاراجوي يحترم نفسه يترك المنزل بدون ان يكون نظيفا ومرتباً. أما وقت فراغها الضئيل فيكرس لابقاء الاطفال سعداء. ضرار عمير