في الأول من مارس 1954 وعلى جزيرة صغيرة من جزر المحيط الهادي تعرف باسم «جزيرة البكيني» قامت الولايات المتحدة بتفجير قنبلة نووية أقوى بألف مرة من القنبلة التي دمرت هيروشيما، وهذه القنبلة الضخمة، التي أطلق عليها الاسم الرمزي «برافو» كانت واحدة من سلسلة التجارب الخاصة بالأسلحة النووية التي أجرتها الولايات المتحدة على جزيرة البكيني في سنوات الاربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وقد هبط الغبار الذري المتساقط المشع من القنبلة على الجزر المحيطة ومن بينها جزيرة رونجلاب المرجانية الواقعة على بعد مئة ميل إلى الشرق. وبعد إجراء التجربة بيومين ومع وجود «ثلج» مشع يغطي «رونجلاب» قامت الحكومة الأمريكية باخلاء 82 شخصاً. وبعد مرور ثلاث سنوات على الحادث عاد السكان إلى المنطقة حيث تم ابلاغهم بأن الجزر باتت آمنة، ولكن تم اخلاؤهم مجدداً في عام 1985 بعد ان واجهوا عدداً مزعجاً من الولادات المشوهة ومشكلات الغدة الدرقية وأمراض أخرى ناتجة عن النشاط الاشعاعي، وبمساعدة من جماعة السلام الأخضر البيئية تم توطينهم في أماكن أخرى في جزر مارشال، وأصبحت جزيرة رونجلاب الآن مدينة أشباح. لا تزال مشكلة الجزيرة الأساسية تتمثل في التلوث الاشعاعي فعنصر السيزيوم 137 يتغلغل في التربة ويتم امتصاصه من قبل النبات والاشخاص الذين يتغذون عليه، وتدعو احدى الخطط المقترحة إلى ازالة الطبقة العلوية من التربة في جزيرة رونجلاب وهناك استراتيجية أخرى محتملة تتمثل في اضافة البوتاس إلى التربة وبالتالي منع النباتات من امتصاص السيزيوم. وفي اشارة على تحمل المسئولية عن الأضرار التي وقعت بسبب التفجير أسست الحكومة الأمريكية صندوقاً بمبلغ 45 مليون دولار في عام 1995 لمساعدة سكان رونجلاب على استعادة جزيرتهم وإعادة استيطانها. كان الاعتقاد السائد لدى العلماء يقول ان الحياة البرية والبحرية لا تتعافى في أعقاب حدوث تلوث اشعاعي في مكان ما، لكن الملاحظات العلمية أثبتت ان أشكال الحياة المختلفة قادرة على التعافي من الأضرار البيئية التي تخلفها التجارب النووية وإن كان ذلك يحدث بنسب متفاوتة من نوع لآخر من الكائنات الحية. لم يدخل أي صياد للسمك المياه المحيطة بمنطقة التفجير منذ ان تم اخلاء رونجلاب في عام 1985 وفي ظل وجود عدد أقل من المفترسين البشر، ازدهرت انواع السمك وازدادت أعدادها في تلك المياه، وللتأكد من ذلك قام فريق من الخبراء والباحثين بالغوص في مياه المنطقة وسجلوا ملاحظاتهم لكي تتم مقارنتها مع بيانات أخرى من أماكن لم يصلها التلوث الاشعاعي. لاحظ الباحثون وجود أسراب كبيرة من سمك «التريفالي» وأسماك «اللشك» التي تتغذى على طائفة متنوعة من الحياة البحرية وقد بدت تلك الأسماك معافاة من اثار ما تبقى من الاشعاع في السلسلة الغذائية. ويقول تيدي تاكر، وهو خبير بالثروة السمكية في أعماق البحار: «انني أسبح في المحيط منذ 50 عاماً، ولم أر في حياتي مثل هذا العدد الهائل من أسماك اللشك» في مكان واحد من قبل، وبمجرد ان أهز قليلاً من الطعم في سلتي فإنها تحيط بي من كل جانب وتسبح فوق ظهري وذراعي وساقي». من حسن حظ تاكر ان أسماك «اللشك» لا تعض، لكن أسماك القرش على النقيض من ذلك، تتطلب حذراً أكبر، فهي مخلوقات مفترسة في بعض أنواعها ويمكن ان تقضي على الانسان بقضمة واحدة من أسنانها القاطعة. ولهذا السبب فإن المصورين والباحثين يغوصون في أماكن وجود القرش داخل أقفاص حديدية تقيهم شر هذا المفترس، وهذا بالضبط ما فعله المصور بيل كورتسنجر ومساعده ايريك هاينز، اللذان غاصا في البحر داخل قفص حديدي واستخدما كاميرا تعمل بالتحكم عن بعد لتصوير نفسيهما داخل القفص. ويقول كورتسنجر عن تلك التجربة «كانت أسماك القرش عدوانية للغاية لدرجة انني استخدمت كاميرتي كدرع لمنعها من ادخال رؤوسها في القفص، ولقد ظهرت هذه الأسماك المفترسة بأعداد كبيرة وكانت تسبح حول القارب الذي يحمل الفريق طوال الوقت، ويصف كورتسنجر حالتها الصحية قائلا: «انها تتربع على قمة السلسلة الغذائية وهي تبدو سليمة معافاة وهذا أمر جيد». ويبدو التعافي واضحاً أيضاً على المرجان في الحيود المرجانية التي لا تحمل آثار ظاهرة على الاشعاع النووي وفي أعماق البحار (على عمق ميل وأكثر) حيث تبدو الكائنات البحرية من الأسماك الخرافية إلى الروبيان في صحة جيدة وبأعداد كبيرة. يقول كورتسنجر بهذا الخصوص: ان ما يذهلني هو ان التفجيرات النووية التي ضربت هذه المنطقة لم يكن لها تأثير طويل الأجل على الحياة البحرية، فالمياه تعج بالحياة والطبيعة انتصرت في النهاية»