يعتبر كتاب «احسن التقاسيم في معرفة الاقاليم» من افضل كتب الادب الجغرافي وقد الفه «شمس الدين محمد بن احمد بن ابي بكر البناء الشامي المقدسي» وقد دعي بالبناء بلقب جده، الذي بنى ميناء «عكا» في عهد «احمد بن طولون» وعن جده هذا ورث رهافة الحس في تذوق الجمال المعماري، وبهذا الهوى وبذلك الحس، كان ينفذ الابنية في الامصار المختلفة، ولقب بالمقدس، نسبة الى بيت المقدس، مولده ومرتع صباه، وفي حديثه عن تأليف الكتاب،نستنتج انه اتم طوافه حول العالم الاسلامي، وهو شاب دون الاربعين، ثم اعلن الكتاب على الملأ سنة 375ه، حين بلغ هذه السن الناضجة، علما انه توفي ولم يتجاوز الخامسة والخمسين من عمره. تميزت شخصية المقدسي بملامح وقسمات يرسمها كتابه اوضح رسم، فهو جم النشاط جاد في البحث عن الحقيقة، ذكي النظرة، صادق الرأي لا يتقبل ما لا يتقبله العقل، ولا يؤمن بالترهات والاخبار الملفقة، غير انه شديد الاعتداد بنفسه مفرط في التغني بمزاياه، لا يقر عن سبقه بالفضل ولا يرى بين المؤلفين من يدرك ما ادرك والقاريء المنصف يغفر للرجل كبرياءه، حينما يقع في كتابه على كنوز نفيسة، افنى المقدسي شبابه في جمعها وتنسيقها وصقلها، وتقديمها الى القراء في ابهى الحلل. وقد اكسبه التمرس بمناقشة القضايا الدينية والجلوس الى حلقات الدرس في المساجد جدلاً دقيقاً، لذلك فهو يستعين بالمنطق وعلم الكلام في محاورة الخصم واول ما يدل على ذلك، مأخذه على المؤلفين السابقين في الجغرافيا، حتى وصفهم بأنهم افسدوا الموضوع وانحرفوا به، كما يعيب عليهم بأنهم كتبوا عن السماع، بينما لم يبق اقليم الا وقد دخله باحث ومنقب. ويظهر ان شهرة المقدسي، اتاحت له الاتصال بالمكتبات العامرة، وفتحت له ابواب الملوك وخزائن العلماء، فأخذ من المؤلفات ما لم يتم لغيره. وللكتاب مصادر اخرى. غير الكتب الجغرافية، لكنها لا تبرز بروزها، واهمها اخبار التاريخ، وقصص الانبياء، والحديث الشريف، وآراء الفرق الدينية، وفتاوى الفقهاء والقضاة. وهذه المعارف كلها تغلغل في الكتاب، وتغنيه بمناقشات كثيرة، حيث تعطي صورة للعصر وثقافته وآرائه. قسم المقدسي كتابه احسن التقاسيم في معرفة الاقاليم «الى ثلاثة اقسام» اولها خطبة الكتاب. ومقدمات فصول، ويشغل هذا القسم ستين صفحة، يتناول فيها المؤلف منهج الكتاب، ويضع بين يدي القاريء تصور العالم وموضع مملكة الاسلام منه، ثم يتحدث عن اهم الانهار والبحار في الارض، ويتبع ذلك كله بشيء عظيم الفائدة، لم يكن اكثر المؤلفين يفطنون اليه، وهو المصطلحات التي من المفروض على الجغرافي استعمالها، والاسماء التي تشترك المدن في التسمي بها على اختلاف مواقعها، والاسماء التي تطلق على مسمى واحد في الاصقاع المختلفة، نحو: لحّام، جزّار، قصّاب.. ثم يتبع التمهيد فصلاً يشرح فيه المذاهب والفرق الدينية، ثم يتحدث عن القراءات. اما في القسم الثاني، فان «المقدسي» يتحدث عن الاقاليم العربية من مملكة الاسلام، ويشغل هذا القسم حوالي مائتي صفحة، اما في القسم الثالث وهو اطول الاقسام، فإنه يتحدث عن اقاليم العجم. الشيء الملاحظ ان المقدسي في كلامه، يتبع اسلوبا خاصاً وله منهج دقيق لا يحيد عنه، طال الحديث او قصر، وكبر الاقليم او صغر. في القسم الثالث، يجعل المقدسي دراسته في ثلاثة فصول: اولها تقسيمات الاقليم الادارية، وتوزيع ارضه ومدنه. وثاني الفصول، مخصص لأوضاع الاقليم المختلفة، كالانوار والمياه والتجارة والصناعة والمكاييل واحوال الناس والمذاهب والملابس والتقاليد. اما في الفصل الثالث: فيذكر المقدسي فيه المسافات بين المدن والطرق التي تصل بعضها ببعض، وهو فصل علمي، غير انه الى المواصلات اقرب ويمكن اجمال منهج كتاب «احسن التقاسيم» بأنه يعتمد علي المعاينة، والتي هي افضل السبل الى اليقين، ولهذا اعتمد المؤلف على المشاهدة فيما نقل، فان تعذرت المشاهدة، قنع بالرواية الموثوقة، ومتى احسّ التواء في خبر عزا المنقول الى ناقلة وتبرأ منه. ويبدو انه كان يخاطر، حفاظاً على منهجه، في سبيل الوصول الى ما يريد وكثيراً ما رافق قافلة يأنس بها، ويمم شطر مدينة، ذكر له فيها امر احب ان يراه بعينه. وقد سعى الى افهام القاريء بأكثر من وسيلة، فاذا وجد ان الكلمة المباشرة عصية لا تلين، لجأ الى التمثيل والتصوير، فمثل البقعة او الاقليم بسرير، ومضى يبحث عن اشياء مألوفة، يقرب بها البعد حتى تغدو ادق القضايا الفلكية بيّنة يتقبلها الذهن في يسر ومرونة. ورسم «المقدسي» الخرائط، ولونها بألوان متعددة، ورمز بكل لون من الالوان الى تضريس او مساحة من الارض، على النحو الذي يسلكه الجغرافيون المحدثون. إعداد ـ محمد سطام الفهد