بيان الكتب: عمل مؤلف هذا الكتاب لسنوات طويلة محررا للشئون العلمية والطبية في صحيفة الـ «واشنطن بوست» قبل ان يصبح مسئولا عن مكتب نيويورك لهذه الصحيفة. وهو يعمل الآن رئيسا للمحررين في صحيفة الـ «نيويوركر». إن الاشياء الصغرى تصنع الفروق الكبيرة.. هذا ما يدل عليه اختيار صورة «عود ثقاب» على الصفحة الاولى لغلاف الكتاب، انه أبسط الاشياء التي يمكنها ان تولع الحريق الكبير وتحول الغابات الكبرى الى مساحات من الرماد. ان الكاتب ومن خلال عمله الطويل في اطار المشاهدات العلمية والطبية خرج بنتيجة تقول ان أكبر الاحداث والوقائع والظواهر التي شهدها العالم إنما قد عرفت حالتها الجنينية بأشياء في منتهى الصغر والبساطة. يبدأ المؤلف كتابه بفصل يتحدث فيه عن القواعد الثلاث لانتشار الأوبئة.. انه ينطلق من مشاهدة بسيطة للوباء الذي شهدته مدينة بالتيمور في أواسط عقد التسعينيات، وقد تمثل ذلك الوباء بانتشار مرض الزهري، إذ وخلال عامي 1995 و1996 ارتفع عدد الاطفال من المواليد الحاملين لفيروس هذا المرض (الزهري) بنسبة 500% أثارت الظاهرة تساؤلات الجميع.. واعادت المراكز الطبية ومراكز الابحاث المختصة ذلك الى تعاطي المخدرات وانتشار العلاقات الجنسية الخطيرة التي تسبب امراضا كالزهري واخطر منه مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز» مما أدى الى ما يمكن تسميته بالوباء. لكن أحد الاطباء المتخصصين في مجال الامراض الجنسية كان له رأي آخر يتلخص في القول بأن انتشار هذا الوباء يعود الى تدهور الخدمات الصحية في الاحياء الفقيرة من المدينة. فبعد ان كانت المراكز الطبية المتخصصة تستقبل نحو 36 ألف حالة سنويا تم تخفيض ميزانيات هذه المراكز وتقليص عدد العاملين فيها ونقص الادوية. ثم ان المرضى وبسبب التباطؤ في عرض أنفسهم على الاطباء، كانوا ينقلون المرض الى آخرين وبذلك اتسعت دائرة المصابين. إلا ان طبيبا آخر قدم تفسيرا مختلفا لانتشار المرض حيث اعاده الى المتغيرات في شكل المباني إذ في منتصف عقد التسعينيات تم الترويج لدعايات كثيرة تطالب بهدم المباني العالية التي كان قد تم انشاؤها في الستينيات والتي كانت تسكنها آلاف الأسر بحيث انها تحولت الى أوكار للجريمة وللأمراض الجنسية. وبعد الشروع في هدم تلك المساكن انتقل ساكنوها مع أمراضهم للاقامة في أحياء أخرى نشروا فيها أوبئتهم. ويرى المؤلف من جهة بأن هذه التفسيرات الثلاثة لا تتسم كلها بالاثارة وبتقديم احكام قاطعة مانعة بأن أيا منها هو الأصوب، فالمخدرات لم تدخل بالتيمور اعتبارا من العام 1995 فقط، وان كان معدل تعاطيها قد زاد فعلا خلال هذه الفترة مما أدى الى المساعدة على انتشار الامراض ذات الطابع الوبائي، لكن مثل هذا التفسير غير كاف لتأكيد الفكرة التي قال بها مروجوها وبأن الزيادة المفاجئة في اللجوء الى المخدرات هي وراء تعاظم الظاهرة حصرا. كذلك ان فكرة تدني مستوى الخدمات الصحية لا تعني بأن تلك الخدمات قد زالت نهائيا، وايضا لا يعني هدم المنازل المشبوهة ازالة جميع المساكن المعنية وانتقال سكانها الى مناطق جديدة «نثروا فيها جراثيمهم». الحقيقة الثانية التي يشير لها مؤلف هذا الكتاب بشأن هذه التفسيرات هي اختلاف رؤية كل معسكر لأسباب انتشار المرض ومرجعياتها. ويرى بأن هذا الاختلاف يرجع الى ثلاثة عوامل يطلق علهيا تسمية «قانون القلة» و«عامل الاستمرار» و«قوة البيئة». يقوم «قانون القلة» على فكرة ان قلة من الناس يمكنهم ان يقوموا بمعظم العمل أو ما يطلق عليه الاقتصاديون مبدأ 80/20، أي ان 80% من أي عمل يقوم به 20% من المعنيين به. وبتطبيق هذا المبدأ على حالة «بالتيمور» يشير المؤلف الى ان حفنة صغيرة من ساكني المدينة هم الذين كانوا وراء انتشار معظم حالات المرض. اما «عامل الاستمرار» فمهمته هي العناية بتوصيل الرسالة الى الجهة المعنية بها ومكوثها بحيث تؤدي الغرض المطلوب منها، ثم ان «قوة البيئة» أو تأثيرها فإن ترجمتها تتم عبر الحساسية التي يبديها الناس تجاه بيئتهم ذات الاهمية الكبيرة في تحديد سلوكهم كما تؤكد دروس الواقع. إن المؤلف يقوم بتطبيق هذه العوامل الثلاثة على عدة ظواهر اخرى في كتابه، فنراه يتحدث في أحد الفصول عن تجربة قامت بها منتجة تلفزيونية امريكية خلال عقد الستينيات ، وكانت قد حاولت فيها محاربة الامية حيث انها كانت قد استهدفت مخاطبة الاطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سن الثالثة وسن الخامسة، وكانت وسيلة توصيلها لـ «العدوى» هي التلفزيون الذي يمكن من خلاله نشر «فيروس» القراءة والكتابة بين هؤلاء الاطفال. وقد تمثل عامل الاستمرار في هذه التجربة باستمرار البرنامج لمدة خمسة أيام على أمل تحقيق أكبر قدر ممكن من نقل العدوى خلال الساعة المخصصة لكل بث. وقد كانت البرامج من نوعية محددة على الصعيد التعليمي والتربوي بحيث ان المعارف التي يتم تلقينها للأطفال تكون مفيدة ايضا للآباء والابناء من الطبقات الفقيرة وبحيث ان هذا «الوباء» التعليمي يضيف الكثير على مستوى تثقيفهم مما يمكن ان يكون وسيلة للتصدي لأوبئة اخرى من فقر وجهل وغيرهما. هذا وقد أضاف المسئولون عن البرنامج عدة وسائل ترمي الى تشجيع الاطفال على مشاهدته حيث استعانوا بالرسوم المتحركة و«الاسكتشات» الغنائية ذات الطابع الفكاهي، وكل ما يمكن ان يشد الاطفال لهذا البرنامج. وفي المحصلة نجح معدو هذا العمل التلفزيوني في مهمتهم حيث أصبح من أكثر البرامج جمهورا على صعيد الولايات المتحدة الامريكية كلها، إن هذا النجاح انعكس على مضمون البرنامج نفسه مما زاد بالتالي من فاعليته وإلمام الاطفال الذين يشاهدونه بالقراءة والكتابة وتعزيز قدراتهم على التعلم والتحصيل.. لكن مثل هذه النتيجة ما كان يمكن الوصول اليها لو لم يكن هناك «عامل الاستمرار» الذي أسس لنهج جديد في العمل التلفزيوني. ويشرح المؤلف التأثير الكبير لـ «قوة البيئة» من خلال حدث صغير كان بمثابة الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل، ففي ذات صباح من أحد أيام شهر ديسمبر 1984 غادر أحد سكان حي مانهاتن في نيويورك منزله واتجه الى احدى محطات شبكة النقل في المدينة حيث استقل «المترو» وجلس بالصدفة قبالة اربعة شبان من الملونين في مقعد بعيدا نسبيا عن بقية الركاب الآخرين الذين فضلوا، كما يبدو، الابتعاد عن هؤلاء الشبيبة الذين كان مظهرهم يوحي بأنهم «مشاغبون». وفجأة تقدم احدهم نحو الراكب الجديد وطلب منه خمسة دولارات، وكان رد الراكب اخراج مسدس واطلاق النار على الأربعة. أثار هذا الحدث زوبعة في الولايات المتحدة الامريكية كلها، فقد اتضح بأن الشباب الأربعة الذين أرداهم الراكب الجديد قتلى كانوا من اصحاب السوابق المعروفين حيث كانوا قد قاموا بالعديد من الجرائم واعتبر الكثيرون بأن ما قام به المتهم بالقتل عمل بطولي، خاصة في نظر أولئك الذين كانوا قد تعرضوا لعمليات اعتداء في أنفاق «مترو» نيويورك وانتهى الأمر بأن أدى التأييد الذي أبداه السكان حيال ما قام به المعني الى اطلاق سراحه بعد فترة من السجن. لقد كان ذلك الحادث الصغير بمثابة الدلالة الرمزية على مناخ قاتم عرفته مدينة نيويورك في تلك الحقبة حيث كانت الجريمة قد عرفت تزايدا خطيرا، إذ ان سنوات الثمانينيات كانت قد شهدت ألفي جريمة قتل سنويا وما يزيد على ستمئة الف جنحة، وكانت انفاق مترو المدينة بمثابة المسرح الرئيسي لعمليات الاجرام، هذا فضلا عن ان مختلف عربات المترو كانت مغطاة بالكتابات البذيئة والمثيرة من كل الاصناف وتعاني من أسوأ حالات الصيانة بالداخل، إذ كانت شديدة البرودة شتاء وشديدة الحرارة صيفا. وانطلاقا من ذلك الحادث الصغير بدأت الاحوال الامنية بالتحسن في أنفاق مترو نيويورك خاصة وفي جميع انحاء المدينة عامة، إذ لوحظ منذ بداية عقد التسعينيات تحسن ملحوظ في المجال الأمني إذ انخفض معدل الجريمة بشكل ملحوظ، بل والى حوالي النصف بالقياس الى عقد الثمانينيات. وشملت هذه الظاهرة مختلف المدن الامريكية الاخرى، ومعظمها على الأقل أصبح من النادر حدوث جرائم مثل تلك التي كانت قد شهدتها مدينة نيويورك. إن الاوبئة تبقى ذات حساسية خاصة بالنسبة لشروط وظروف الاماكن التي تجرى فيها، وكذلك لتوقيت انتشارها، هذه هي النتيجة التي توصل المؤلف لها وحيث بدا ان البيئة المحيطة لها تأثيرها القوي لتعاظم «الأوبئة» أو للحد منها. وانتقل الكاتب بعد ذلك الى سرد امثلة أخرى مشيرا في فصل آخر الى ما حدث في احدى جزر المحيط الهادي «الباسيفيكي» حيث انتحر أحد الشبان بسبب ما تعرض له من تأنيب من أبيه بعد فشله في تلبية طلب كان قد أمره بتنفيذه. ويذكر المؤلف بأن تلك الجزيرة لم تكن قد عرفت في عقد الستينيات عمليات انتحار تستحق الذكر. غير ان معدل الانتحار ارتفع بشكل مفاجيء الى درجة انه ضرب في نهاية عقد الثمانينيات رقما قياسيا على المستوى العالمي. لقد وصل الى 160 حالة لكل مئة الف في الجزيرة المعنية، بينما لم يصل سوى الى 22 حالة في الولايات المتحدة الامريكية بالنسبة للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين سن الخامسة عشرة والرابعة والعشرين. أي ان معدل الانتحار في الجزيرة بلغ سبعة أضعاف ما عرفته أمريكا خلال الفترة نفسها. في الوقت نفسه تعددت حالات الانتحار لأتفه الاسباب اذا حدث وكان توبيخ أخ لأخيه الاصغر منه سنا لما يقوم به من ازعاج الى اقدام الأصغر الى وضع حد لحياته. كما بدا ان ثلاثة أربع حالات الانتحار لم يكن قد سبق لمرتكبيها القيام بأية محاولات سابقة. وأشارت مختلف حالات الانتحار الى انه لا يعود لحالة اكتئاب أو حزن شديدين وإنما للاحساس بالاهانة أو المساس بالكبرياء الشخصي. كذلك بدا ان وسيلة الانتحار وطريقة تنفيذه تكاد تكون متماثلة في معظم الحالات كما لو ان هناك «بروتوكول» غير مكتوب لتنفيذ عمليات الانتحار حسب «القواعد المنصوص عليها». وفي معرض تفسير هذه الظاهرة يشير المؤلف الى ان آراء بعض العلماء والباحثين بأنه في ظروف معينة و«مناخ» معين يصبح الانتحار «معدياً». ذلك ان الانتحار يقود الى الانتحار. ويتم الاستشهاد ايضا في هذا السياق بدراسة أجراها أحد المتخصصين الامريكيين وأثبت فيها بناء على احصائيات موثقة بأن معدل الانتحار قد زاد في الولايات المتحدة بعد انتحار «مارلين مونرو» بنسبة 12% عن المتوسط الاعتيادي. الفصل الأخير من هذا الكتاب مكرّس لسرد قصة امرأة أمريكية كانت قد قررت القيام بحملة لزيادة وعي عامة الناس بخطورة مرض السكري وسرطان الثدي لدى النساء «الملونات» في احدى الولايات الامريكية، وقد قامت من أجل تحقيق الأهداف التي سعت اليها بتنظيم العديد من الندوات في كنائس يؤمها السود بأعداد كبيرة، لكن النتائج الأولى لم تكن على مستوى الطموحات المرجوة. أمام هذا الفشل قررت السيدة بنقل نشاطها الى محيط آخر تكون فيه السيدات بعيدات أكثر عن الاجهاد والتوتر واشترطت فقط ألا تحتاج الى مزيد من الأموال بحيث تكفيها التبرعات التي جمعتها. ورأت ان الحل هو نقل النشاط الى معاهد التجميل التي تمكث فيها النساء ساعات طويلة. ثم ان هذه المعاهد تتميز بأن العاملات بها يحظين بثقة النسا اللواتي يترددن على هذه المعاهد ويشعرن بألفة غير عادية تجاههن. لذلك قامت السيدة بتنظيم دورات تأهيلية للعاملات حول الأحاديث التي ينبغي ان يتوجهن بها الى النساء، وقد حققت هذه التجربة نجاحا كبيرا من خلال استخدام وسائل في غاية البساطة والصغر. هذه التجارب السابقة كلها تدل على لب موضوع الكتاب أي كيفية تحقيق العديد من الانجازات الكبرى بالقليل من الوسائل، فهذه السيدة الأخيرة لم تسع الى جمع ملايين الدولارات للقيام بحملتها، كما انها لم تبحث عن الوسائل التي تتيح لها تنظيم حملة دعائية كبيرة. كل ما فعلته انها استخدمت ذكاءها في وضع خطة لصرف ما لديها من أموال بشكل سليم وتحقق ما تصبو اليه دون ان تمد يدها للاستجداء من الناس الذين تقدم خدماتها لهم في النهاية. ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من «نقطة التتويج» هذه هي امكانية اعادة صياغة الطريقة التي نتأمل فيها العالم. ذلك ان «نقاط التتويج» أو «نقاط التحول» هي التأكيد على امكانية التحول عبر استخدام قوة العمل التي يتسم بها الذكاء، واذا ما نظر الناس الى ما حولهم وبأبسط الاشياء التي بين أيديهم فإنهم يعرفون بأنه يمكنهم القيام بأشياء كبيرة. ولعله يمكن ايضا في هذا السياق سرد حادثة ـ من الخارج ـ لكنها قد تتماشى مع روحية الكتاب ومع دروسه. فذات يوم وعندما كانت جوقة موسيقية تعزف بعض القطع الموسيقية العالمية خرج من بين العازفين رجل في أواسط العمر يرتدي لباس مصلح أحذية ويحمل بيديه مطرقة ووضع أمامه سندانا. طمأن الجميع بأن المسألة تتعلق بـ «نمرة للترفيه». وفجأة قام «مصلح الاحذية المزعوم» بعزف موسيقى «الفصول الاربعة» للموسيقي الكبير فيفالدي، ولكن فقط بمطرقتين وسندان. وبالمقابل يستطيع عدد ثقاب «صغير» ان يشعل حريقا كبيرا.. ثم ألا يقال بأن «البعوضة تدمي مقلة الأسد؟». وهذا الكتاب «الصغير» يحتل المرتبة الأولى في المبيعات ـ مبيعات الكتب طبعا ـ على المستوى العالمي