بيير مانين مؤلف هذا الكتاب هو استاذ للعلوم السياسية في الجامعات الفرنسية وهو ايضا فيلسوف قدم العديد من الكتب. في هذا العمل الجديد يحاول المؤلف ان يقرب مفاهيم الفلسفة السياسية للقاريء غير المختص، وهو يركز على فترة اساسية مفادها ان العالم المعاصر لم يبلغ بعد الحد الادنى من حالة التدهور والعنف التي يعيشها. من هنا تأتي شروح هذا الكتاب ممزوج بنزعة واضحة من التشاؤم حول المستقبل الذي ينتظر الانسانية في مسيرة تطورها، لاسيما وان العلم ومسألة السيطرة عليه تطرح معضلات قد يكون من الصعب حلها. ان المؤلف الذي اهتم دائما في كتاباته بالتأريخ للافكار السياسية وخاصة تلك التي تعود لاطروحات كل من مونتسكيو وطوكفيل يطرح العديد من الاسئلة التي تتردد على اذهان البشر في الحقبة المعاصرة ثم يقدم عرضاً للاجابات التي قدمها المحللون «الحداثيون» لها، وتبدو فصول هذا الكتاب وكأنها مستقلة عن بعضها البعض بسبب واقع انها كانت في الاصل مجموعة من المحاضرات المتفرقة التي القاها صاحبها امام طلبته الجامعيين تحت عنوان «الرهانات الكبرى المعاصرة» ان هذه الرهانات تشمل مواضيع «الامة» و«الدين» والديمقراطية» و«النزعات الفردية» و«الحرب» و«القانون» وغيرها مما يتفرع عنها. ان المؤلف يقدم اجاباته عن مختلف الاسئلة المطروحة بالاعتماد على مقولات كبار الفلاسفة الذين عرفتهم الانسانية خلال تطور مسيرتها المعرفية والفلسفية.. هكذا نقرأ اطروحات لهوبس وكانط وريمون آرون وماركس وغيرهم.. وانما قام المؤلف بـ «توظيفها» من اجل خدمة الافكار التي يطرحها هو نفسه.. وذلك على اعتبار ان الاشكاليات التي تواجهها المجتمعات الانسانية تتسم بقدر كبير من الاستمرارية.. وبالتالي ينبغي التعرض لفهم الازمات من «جذورها» وليس فقط من خلال تبدياتها المعاصرة.. ومن الملفت للانتباه هو ان الافكار التي قدمها الفلاسفة والمفكرون القدامى تكتسي بقدر كبير من الاهمية عندما يتم استخدامها من اجل القاء الضوء على المشاكل المعاصرة، ولعل من اهم النقاط الايجابية في هذا الكتاب قدرة المؤلف على استخدام المرجعيات الفلسفية والفكرية التاريخية بشكل يتناسب تماماً مع المشاكل المطروحة. وفي المحصلة يحذر المؤلف من عدد من اشكال الخلط السائدة في الفترة الراهنة بين «النوايا» والافعال مما يؤدي الى نسيان او تجاهل العقبات الحقيقية المطروحة امام اقامة امبراطورية القانون التي يراد فرضها كما يؤكد بأن البشر قد قصدوا حسب السياسة اي مثل ربط الناس بنشاط بين بعضهم البعض، ان النتيجة المترتبة على هذا كله تحمل الآخر وان يكن هذا الآخر، بدرجة اقل فأقل. ان العالم كما يراه المؤلف يعيش حالة من توهم التقدم نحو مستقبل اكثر استقرارا وازدهارا بينما الواقع يسير في اتجاه آخر