بيان الكتب: ضمن سلسلة دار الرضا للمعلومات والنشر بدمشق صدر كتاب جديد للدكتور حسين القاضي استاذ المحاسبة في جامعة دمشق بعنوان «الاصلاح الاقتصادي في سوريا الى اين؟»، متناولاً عبر هذا الكتاب مسألة الاصلاح الاقتصادي كشعار طرحته السلطات العليا في سوريا وقد بدأ بتحليل اتساع دائرة الفقر وتفتيت الطبقة الوسطى التي يعيشها المجتمع العربي في سوريا في العقود الاخيرة، لينتقل الى مسألة الاستثمار وهي الرافعة التي تحمل الاقتصاد الوطني وتؤمن فرص استثمارية تشغل عمالة جديدة لتحل مشكلة البطالة المستفحلة في المجتمع، مع وقفة متأنية عند الانتاج الوطني بفروعه المختلفة ليعطي الاهمية الاولى لقطاع الزراعة بشقيه الحيواني والنباتي، كما لم يكتف الكتاب بالحديث عن الدور الواعد للقطاع الخاص وضرورة تأمين المناخ اللازم لتحفيزه ونشاطه مع وقفة متأنية عند ضرورة واهمية اصلاح القطاع العام ومعاملته على قدم المساواة مع القطاع الخاص. ويشير الدكتور القاضي الى ان عقد الثمانينيات في سوريا والذي تلا الخطة الخمسية الرابعة وما رافقها من ضغوط تضخمية ادى الى ضعف اثر الاستثمار بصورة عامة، فتوقف نمو القطاع العام ولم يتمكن القطاع الخاص من لعب الدور الكافي وقد صدر القانون 10 لتشجيع الاستثمار المحلي والعربي والدولي وتضمن اعفاءات ضريبية وجمركية وسمح بانشاء الشركات المساهمة من قبل القطاع الخاص، لكن التقدم الذي حدث لم يكن يلبي الطموحات وقد ترافق ذلك بسياسة اقتصادية انكماشية من خلال تزايد الاعباء الضريبية وعدم قيام الجهاز المصرفي بالدور الاستثماري اللازم من خلال القطاع الخاص بل قام بتحويل الارصدة الدولارية الى الخارج معتمداً على ودائع القطاع الخاص لتمويل جزء من عمليات القطاع العام نفسه الذي قامت الموازنة بسحب كافة فوائضه من ارباح واستهلاكات دون القيام بعملية تحديث انظمة عمليات هذا القطاع على الصعيد التكنولوجي او استبدال آلاته او تجديدها وقد ترافق ذلك بتغييرات هامة على الصعيد الدولي. فقد سقط الاتحاد السوفييتي وتفكك الى عدد من الدول وتراجعت دول اوروبا الشرقية عن الاشتراكية وبلغ فيها الحد ان اخذت تتسابق للانضمام الى الحلف الاطلسي والغيت اتفاقات المدفوعات التي كانت سوريا تصدر من خلالها بالنوعية المتاحة وبالسعر المتاح لتسديد الديون التي كانت تترتب بسبب شراء الاسلحة والمعدات الاخرى من الاتحاد السوفييتي السابق والدول الاشتراكية الاخرى وقد ادى ذلك الى استفحال ازمة الكساد وتراجع معدلات النمو والاستثمار. وكان لكل ذلك انعكاساته السلبية على حياة الناس اليومية وعلى مستقبل الاجيال القادمة فكان لابد من رفع شعار الاصلاح الاقتصادي. هذا وقد قسم الكتاب الجديد الى فصلين تناول الفصل الاول ابعاد المشكلة الاقتصادية في سوريا بدءاً من توسع دائرة الفقر الى ضعف وتائر الاستثمار والانتاج والمساهمة في الناتج المحلي والموقف من العولمة ودور التعاون العربي.. اما الفصل الثاني فقد تناول ادارة القطاع العام الاقتصادي بهدف تحريره من المعوقات البيروقراطية القائمة ابتداء من الاستراتيجية الادارية ثم الفلسفة الرقابية والشفافية والتنظيم. ويرى الدكتور حسين القاضي ان رسم خط الفقر يحتاج الى تقدير وقد يختلف من منطقة الى اخرى او من مدينة الى اخرى ومن المتفق عليه ان هذا الخط يقع بعد النفقات الضرورية لتأمين شروط الحياة الضرورية. كما ان القاء نظرة على تطور سعر صرف الليرة السورية خلال السنوات العشرين الماضية تشير الى القوة الشرائية لدخل المواطن، فقد كان سعر الدولار الامريكي في عام 1980 يعادل 3.92 ليرات سورية وخلال عشر سنوات وصل الدولار الى 50 ل. س تقريباً اي ما يزيد على 13 ضعفاً بينما لم يزد راتب الموظف الى نصف هذا المعدل خلال هذه الفترة الا ان سعر الصرف هذا يكاد لم يتغير خلال السنوات العشر الاخيرة، لكن ذلك لا يدفع الى الاستنتاج بأن التضخم الذي عانى منه الاقتصاد السوري خلال العقد الماضي يعادل التضخم الذي عانى منه الاقتصاد الامريكي اذ ان سعر الصرف يحدد بفعل عوامل اخرى هامة وليس التضخم فحسب. وعن الاستثمار يرى الباحث في دراسته التحليلية الجديدة ان القانون رقم 10 اتى ليقدم اعفاءات ضريبية وجمركية جديدة ويسمح باقامة شركات مساهمة للقطاع الخاص، وقد كان اثر هذا القانون مباشراً على مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار، فقد كانت مساهمة القطاع الخاص في التكوين الرأسمالي في عام صدور القانون في عام 1991 ما قيمته 55170 مليون ليرات سورية وهو ما يعادل 63 رقم قياسي ثم ازداد الرقم القياسي في العام التالي مباشرة على اثر صدور القانون ليصبح 85611 مليون ليرة وهو ما يعادل 98 الرقم القياسي وبلغت الذروة في عام 1994 اذ وصل الرقم القياسي الى 102 مقابل 89601 مليون ليرة ثم اخذ بالانخفاض ليصل الرقم القياسي في عام 1999 الى 70 فقط وما قيمته 61456 مليون ليرة. وهذا ما يثير سؤالاً حول اسباب تراجع الدور الاستثماري للقطاع الخاص فالعودة الى تجارب الدول الاخرى والى الدراسات النظرية التي اعدت حول تحفيز الاستثمار ومدى ملاءمة المناخ الاستثماري لجذب رؤوس الاموال تمكن من تحديد العناصر التي هي من العوامل الهامة في جذب الاستثمارات المحلية او الاجنبية. وفي الوقت الذي تؤدي فيه دراسة الانتاج والناتج القومي الى التوصل الى صورة واقعية للاقتصاد الوطني، فمن الطبيعي الا تتعارض مع مؤشرات الاستثمار في حين يعتبر الناتج المحلي المؤشر الاقتصادي الاكثر اهمية حيث تظهر قيمة الانتاج بعد طرح السلع الوسيطة فكلما ازدادت نسبة الناتج المحلي الى الانتاج ازدادت كفاءة الاقتصاد الوطني وازدادت القيمة المضافة التي تمثل بشكل اساسي ارباح المشروعات واجور العاملين. هذا ويعرض الدكتور حسين القاضي في كتابه الجديد «الاصلاح الاقتصادي في سوريا الى اين؟» للميزان التجاري السوري خلال سلسلة زمنية مشيراً الى ان العجز في عام 1980 بلغ 48% من قيمة الصادرات التي ازدادت بشكل كبير اثناء تنفيذ مشروعات الخطة الرابعة الاستثمارية دون ان يقابلها زيادات مباشرة في الانتاج تؤدي الى زيادة الصادرات او تخفيض الواردات مثل مشروعات الورق والسكر، وقد ازداد العجز في عام 1985 فازدادت الواردات وانخفضت الصادرات مما ادى الى زيادة الضغوط على ميزان المدفوعات مما ادى الى انخفاض القوة الشرائية لليرة السورية وارتفاع الاسعار. لكن هذه الصورة تغيرت في عام 1990 فزادت الصادرات زيادة كبيرة بفعل زيادة انتاج النفط وانخفضت الواردات لكن انخفاض الواردات هذا كان انخفاضاً حسابياً وليس واقعياً بسبب سياسة منع الاستيراد واللجوء الى التهريب او الاستيراد عن طريق بنوك في الدول المجاورة دون تقديم فواتير حقيقية لقيمة المشتريات، الى جانب وجود عدة اسعار لصرف الدولار الامريكي وغيره من العملات الصعبة حيث كانت تتم الواردات الى القطاع العام باسعار تقل عن اسعار العملات الصعبة الفعلية لدى الدول المجاورة، كما تم تسعير الصادرات هي الاخرى باسعار اعتبارية غير صحيحة، فلم تكن الواردات دقيقة ولا الصادرات موضوعية. وقد كان من نتائج هذه الاخطاء الاحصائية زيادة القيمة الحقيقية للصادرات والودائع بالعملات الصعبة عن قيمتها الحسابية المسجلة في الحسابات والاحصاءات الحكومية الرسمية بسبب سعر الصرف مما يؤدي الى اظهار عجز وهمي في الميزان التجاري وميزان المدفوعات. ويشير الدكتور القاضي الى ان الحكومة السورية عملت على تحسين نظام اسعار الصرف في السنوات الاخيرة مما ادى الى تخفيض الفروق نسبياً مما يجعل المقارنة في السنوات الاخيرة اكثر موضوعية من السابق، ففي سنة 1997 كان العجز 6350 مليون ليرة اي ما نسبته 35% من قيمة الصادرات، لكن النصف الاول من عام 2000 اظهر فائضاً قدره 15645 وهو يمثل 15% تقريباً من نسبة الصادرات ولا شك ان اسعار النفط ادت دوراً هاماً للوصول الى هذا الفائض. من جهة اخرى يؤكد الدكتور حسين القاضي في كتابه الجديد ان العبء الضريبي او الطاقة الضريبية يعتمد في المستوى الوطني على حجم الدخل القومي والقطاعات او الانشطة الاقتصادية المولدة للدخل القومي كالزراعة والصناعة والتجارة والسياحة من حيث اخضاع بعض الانشطة الى الضريبة واعفاء بعضها الاخر او رفع التصاعد على بعضها لحساب بعضها الاخر.. حيث يعتمد العبء الضريبي على متوسط الدخل الفردي وتوزيع الدخول على طبقات المجتمع او فئاته، فكلما اتسعت قاعدة الدخل كثرت الحدود الدنيا المعفاة من الضريبة لاغراض معاشية وانخفض حجم الشرائح العليا الخاضعة لضرائب تصاعدية عالية وخاصة عند اتباع نظام الضريبة على مجمل الدخل التي تجمع كافة الدخول التي يحصل عليها المكلف مهما كان مصدرها، فتخضعها لمعدلات تصاعدية واحدة بعد تنزيل الدخول المعفاة. ولا شك بأن كثرة الشخصيات المعنوية المنظمة كالشركات المساهمة الخاضعة لرقابة محاسب قانوني يقدم تقريراً عن مصداقية القوائم المالية واهمها قائمة الدخل وما تنتهي اليه من ربح صاف خاضع للضريبة يجعل معظم الدخول المكتسبة في المجتمع خاضعة للضريبة واكثر بعداً عن التهرب الضريبي. ويشير الدكتور القاضي في الفصل الثاني من كتاب «الاصلاح الاقتصادي في سوريا الى اين؟» الى ان مركزية الادارة وطغيان الروتين والبيروقراطية يؤديان الى زيادة الاعباء الملقاة على عاتق ادارة الشركات والمؤسسات في القطاع العام الاقتصادي، مما يقتضي وجود قيادات ادارية قادرة على التعامل مع المشكلات وتحقيق الاهداف عن طريق استخدام كفء للموارد الاقتصادية النادرة في هذا القطاع، حيث تؤكد النظريات الحديثة في التنظيم ان هناك تفاعلاً بين شخصية المدير وما تعكسه من امكانات ومهارات ادارية ونماذج قيادية وبين العمل الذي يقوم به هذا التفاعل الذي يبدأ غالباً بالآراء والافكار التي تجول في ذهن المدير الناضج ثم تنعكس بسلوكه وتنتقل الى معاونيه ثم تترجم الى العديد من الاعمال والقرارات في نواحي الشركة او المؤسسة او المنظمة التي يقودونها، مما يجعل الابتكار والتطوير نحو الافضل هو جوهر العملية الادارية اي ان مسئولية القيادات الادارية لا تقتصر على مجرد التشغيل والاداء الناجح للمنظمة في الامد القصير بل هي مسئولة بالدرجة الاولى عن ضمان بقاء واستمرار المنظمة على المدى الطويل. ويؤكد الدكتور حسين القاضي ان ذلك لا يمكن ان يحدث بشكل روتيني بل هو يعتمد على مقدرة القيادات الادارية على استيعاب ما يحدث في بيئة العمل والتحرك بالمنظمة او الشركة نحو الامام وكما ان مؤشرات التحليل المالي تعطي فكرة عن متانة المركز المالي للمشروع وقدراته الربحية وتوفر السيولة المالية، لذلك فإن تحليل قدرات الهيئة الادارية للمنظمة تحدد قدرتها على التغلب على الصعوبات والتطور في المستقبل بما يجعل هذا العامل لا يقل اهمية عن المركز المالي، في حين ان التنظيم هو الاطار الذي يمكن الادارة من ممارسة نشاطها بهدف تحقيق اهداف المشروع في الوقت المناسب. غزوان عمر