بيان الكتب: لوران لومير، مؤلف هذا الكتاب، هو صحفي بمجلة «نوفيل اوبسرفاتور» الاسبوعية المعروفة، كما يعمل في اطار فريق القناة التاريخية التلفزيونية الفرنسية. اختص بكتابة السير وقدّم حتى الآن سيرة حياة «جورج البيرتيني.. رجل الظل» واندرية مالرو وكوهن بنديث.. هذا الأخير هو أحد الوجوه التاريخية لما عُرف باسم «ثورة الطلبة» في فرنسا خلال شهر مايو من عام 1968. «ماري كوري» التي يكرس المؤلف هذا العمل لسيرة حياتها، إنما هي نفسها صاحبة تلك الصورة التي جابت انحاء العالم وبدت فيها السيدة ماري كوري بثوبها الاسود وهي تمسك بيدها انبوبا زجاجيا يحتوي على مادة الراديوم. لقد أطلقوا عليها آنذاك لقب «سيدة الفيزياء ذات الرداء الأسود».. لقد كانت في الواقع مثال المرأة العالمة المثقفة والزاهدة في محراب العلم. هذه الصورة الشائعة لماري كوري «المرأة العالمة» هي أحد الوجوه التي يهتم بها مؤلف الكتاب. لكنه وجه واحد فقط ووجه نسج ما يشبه الاسطورة حول صاحبته وأهمل ما يوليه المؤلف الجزء الأكبر من اهتمامه أي وجهها «الانساني»، بل ولعل من أولى المهمات التي جعلها المؤلف في صلب عمله «رفع الغبار» عن الوجه الانساني لماري كوري.. هذه الفتاة البولندية التي وصلت الى العاصمة الفرنسية باريس خلال عام 1891 لتنطلق في أبحاثها العلمية التي نالت عليها جائزتي نوبل للعلوم. هكذا ترافقت، بل اختلطت مسيرة حياتها مع مسيرة التقدم العلمي خلال حقبة من الزمن. إن الصورة الشائعة والثابتة عن ماري كوري تقدمها بمثابة رمز المرأة العالمة الحاسمة الزاهدة القاسية التي حملت خلال شطر طويل من حياتها «ثوب الحداد الأسود» من أجل زوج أحبته وتقاسمت معه دقائق الحياة ومسيرة العلم كي تدخل معه فيما بعد الى «مقبرة العظماء». انه «بيير كوري» الذي أودى بحياته حادث سير عندما كان يقطع الشارع كي يخلف وراءه امرأة لم تعرف طعم السعادة بعد. لقد ظهرت وكأنها «محكومة» بالبحث العلمي كما يمكن ان تكون نساء غيرها محكومات بالعمل المنزلي. كان هواها الكبير هو «الذرّة».. ولكن هل هذا كل شيء؟! كلاّ، باختصار يجيب مؤلف هذا الكتاب.. صحيح ان تلك الشابة البولندية لم تكن من النوع الذي يسعى لاضاعة الوقت، إذ ان العمل مطلوب كي يصبح المرء «عبقرياً»، لاسيما عندما يكون المقصود هو امرأة في مطلع القرن العشرين. وصحيح ايضا ان كتبا عديدة قد جعلت من سيرة حياة ماري كوري موضوعا لها وبما في ذلك بعض الكتب المكرسة للاطفال. وقدّمت بمجملها ماري كوري وكأنها «اسطورة». إن مؤلف هذا الكتاب يضع «ماري كوري» على قدم المساواة مع لويس باستور على قمة الهرم العلمي الوطني الفرنسي. وهي مثله ايضا كانت مزيجا من الطموح ونكران الذات. وفي عام 1999 قامت مجلة «التاريخ» باستطلاع رأي الفرنسيين عن شخصياتهم التاريخية المفضلة. ولقد حازت «ماري كوري» على المرتبة الأولى في الذاكرة الوطنية الفرنسية، إذ حازت على ثقة 52% من الذين شاركوا في عملية الاستطلاع تلك، وجاء بعدها جان مولان رمز المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي اثناء الحرب العالمية الثانية، وحاز على ثقة 36%، وبعده جان دارك الشهير بثقة 24%. عاشت ماري حياة بسيطة الى جانب بيير كوري، لكنهما كانا يمتلكان معا حماس المستكشفين في ميدان العلوم الفيزيائية. هذا مع ان العلم هو دائما بمثابة تعبير عن «مغارة جماعية». وفي مطلع القرن العشرين قامت مجموعة من الباحثين برحلتها العجيبة نحو عالم الصمت الذي تمثله الذرات. وما يلفت اليه المؤلف الانتباه هو ان الشاعر أبولينير كان قد تحدث عن مثل هذا العالم الذي «يصمت فيه كل شيء» عالم المادة التي كان بيير وماري كوري يريدان الكشف عن بعض أسراره. لقد كانا يعملان معا في المختبر نفسه ويكتبان ملاحظاتهما على الدفتر نفسه، وهو على اليسار بطريقة «فوضوية» وهي على اليمين بشكل بالغ الترتيب والوضوح. «لقد ظلت طيلة حياتها كطالبة مدرسة» كما يقول المؤلف. لكنها كانت دائما ايضا «طالبة مجدّة» و«مولعة» بالبحث الذي تقوم به. كان والدا ماري يعملان في مهنة التدريب، وكانا يعيشان ظروفا مالية صعبة مع ابنائهما الخمسة. وكانت ماري هي الطفل الأصغر في الأسرة، وكانت تبدو منطوية على نفسها. وتقول هي نفسها عن تلك الفترة: «كنت أهتم بالأدب وعلم الاجتماع بقدر اهتمامي بالعلوم». ويعيد المؤلف تفضيلها فيما بعد للعلوم الى كون ان الرياضيات والفيزياء تلامس ببعض جوانبها.. الشعر. والفيزيائي هو بصورة ما مثل الشاعر يحاول اختراع طريقة اخرى لرؤية العالم وبالتالي لفهمه. وكانت «ماريا» قد انجزت دراستها الثانوية بنجاح حيث أرسلها والدها الى الريف، انها لم تكن قد أصبحت بعد تلك «الشابة الجدية» التي نراها على الصور بنظرتها الحزينة والثاقبة في الوقت نفسه. وفي عام 1884 كانت أبواب الجامعات في بولندا مغلقة أمام الفتيات، وكانت الدراسة في الخارج باهظة التكلفة. وكان هذا يعني بأنه لا يوجد مكان في المنظومة التربوية العليا السائدة آنذاك لفتاة بارعة وفقيرة في الوقت نفسه. لقد حاولت «ماريا» ان تتغلب على العقبات عبر حضور دروس كان يعطيها بعض الاساتذة مجانا للشباب الذين يريدون تحسين مستواهم الثقافي، وكانت هذه الدروس تعطى في أمكنة سرية. ولقد مارست «ماريا» هي نفسها فيما بعد اعطاء الدروس لـ «نساء الشعب» في ورش الخياطة. كما ناضلت من أجل حق النساء في الاقتراع والمساواة في الحقوق والواجبات. وقد وقعت فيما بعد على وثيقة استعطاف وحيدة عام 1927 طلبا للرحمة من أجل العاملين «ساكو» و«فنزيتي» عام 1927. وكانت ماريا قد جاءت الى باريس بعد ان ساعدت لسنوات اختها «برونيا» لدراسة الطب في العاصمة الفرنسية كي تستقدمها بعد ذلك. عاشت ماري الى جانب بيير كوري احد عشر عاما كزوجين مثاليين تجمعهما الأهداف والاهتمامات نفسها. وقد قال ذات يوم الكيميائي البريطاني فريدريك سودي الحائز على جائزة نوبل للكمياء عام 1921 ما مفاده «ان أجمل اكتشاف قام به بيير كوري انما هو ماري كوري سكلودفسكا. كانا يتحدثان باستمرار في همومهما العلمية ومراقبة الطبيعة، وكانت همومهما ذات طابع «معرفي». وكانا يعيشان حياة بسيطة بواسطة المرتب الصغير الذي كان بيير يتقاضاه كاستاذ في احدى المدارس الثانوية. يقول المؤلف عن مفارقة الزمن: «اذا كانت صدفة التاريخ قد شاءت ان تتم طباعة صورة ماري وبيير كوري على قطعة الخمسمئة فرنك ـ أكبر قطعة نقدية في فرنسا قبل اليورو ـ فإن ماري عاشت لسنوات طويلة وهي لا تمتلك أي مبلغ من المال». ولم تهتم «ماري» في أي يوم من الأيام بتحقيق مكاسب شخصية من أعمالها العلمية وعلى رأسها اكتشاف الراديوم المشع. وهذا ما عبّرت عنه في سيرة حياة زوجها بيير كوري التي نشرتها عام 1923 وقالت في أحد مقاطعها: «لقد تبنّى بيير كوري الموقف الأكثر عفّة والأكثر ليبيرالية. وبالاتفاق معي تخلّى عن جني أي مكسب مادي من الاكتشاف الذي توصلنا له، وبالمحصلة اننا لم نأخذ أية براءة اختراع وقمنا دون أي تحفظ بنشر جميع النتائج التي توصلنا اليها في أبحاثنا وكذلك جميع الخطوات المطلوبة من أجل تحضير الراديوم، كما اننا أعطينا لجميع المهتمين كل المعلومات التي طلبوها. كان ذلك عملاً جيدا كبيرا لصناعة الراديوم التي تطورت وازدهرت بكل حرية في فرنسا أولا ثم في الخارج، وقدّمت للعلماء والاطباء ما يحتاجونه». ويوم 19 ابريل من عام 1906 كان يوم خميس وكانت السماء تمطر.. وبرقية عاجلة تقول: «مقتل شخص في حادث سير بشارع دوفين، وقد وجدت معه بطاقة شخصية باسم بيير كوري». كان بيير كوري عالماً وحالماً في الوقت نفسه، ولم ير العربة التي كانت الاحصنة تجرّها.. وأمام النعش نثرت ماري باقة من الورد.. وردة بعد وردة وبهدوء.. كان مشوار البحث العلمي لايزال طويلاً أمامها. لقد ارتقت ماري كوري بالمناصب العلمية وغدت احدى أكثر بنات عصرها شهرة، ويوم 4 يوليو 1934 توفيت، وبتاريخ 20 ابريل 1995 تم نقل رفاة ماري وبيير كوري الى مقبرة العظماء، ليس بعيدا عن المختبر الذي كانا قد عملا فيه لسنوات طويلة