بيان الكتب: يعمل أنطوني ليك استاذا في جامعة جورج تاون، وكان قد سبق له وعمل مستشارا لدى وزير الخارجية الامريكية الاسبق هنري كيسنجر. وبعد ذلك مستشارا للأمن القومي لدى الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون، ساهم في الكتابة في أهم الدوريات الامريكية المختصة.. من كتبه «ارث فيتنام» و«ما بعد الحروب» و«أنظمة العالم الثالث الراديكالية»... الخ. يتناول هذا الكتاب «الاحلام المزعجة الستة» أهم الكوابيس التي تؤرق الامريكيين عامة ومختلف الادارات الامريكية المتعاقبة خاصة.. وتتعلق هذه الأحلام ـ الكوابيس كلها بالوسائل المختلفة التي يلجأ اليها الارهابيون في موجات العنف المتكررة. أول الأحلام المزعجة يتعلق بأسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها السلاح البيولوجي الرهيب الذي يصعب كشفه، هذا الى جانب سهولة استخدامه. ان جزئيات هذا السلاح من جراثيم وفيروسات وغيرها لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة فحجمها لا يزيد على (1 من 15) من شعرة الرأس، أضف انه لا لون ولا رائحة ولا طعم لها مما يجعلها بمثابة «سلاح سري» يصعب التنبؤ به قبل وقوعه.. بل ان الكشف عن استخدامه يجري أصلا بعد ظهور «أعراض» نتائجه بعد أيام من استخدامه احيانا.. فالشك مثلا في استخدام الارهابيين لجراثيم «الجمرة الخبيثة» يترافق مع ظهور أعراض ارتفاع حرارة الجسد وصعوبة التنفس وآلام في الصدر ثم اعراض التقيؤ المستمر، وتسمم الدم والوفاة. و«الجمرة الخبيثة» ليست سوى مثال من مجموعة كبيرة من الاسلحة البيولوجية التي يمكن للارهابيين اللجوء لها. ولكن التساؤل الأساسي الذي يحاول المؤلف الاجابة عنه يتعلق بالاسباب الحقيقية التي تدفع الارهابيين الى استخدام هذا النوع من الاسلحة بدلا من القنابل والاسلحة الخفيفة. لاسيما وان اللجوء الى الجراثيم والفيروسات لابد وان يثير الرأي العام المعني ويلحق الضرر بالقضية التي يريد أولئك الارهابيون الدفاع عنها. وتساءل آخر عن واقع تزايد أو تناقص العمليات الارهابية بشكل عام؟ في معرض الاجابة عن هذا التساؤل الثاني يبحث المؤلف على مدى صفحات عديدة تأثير الاجراءات الرادعة التي تم اتخاذها كـ «انتقام» من الدول التي أطلق عليها تسمية «الدول الراعية للارهاب» و«الدول المارقة» كما تريد ان تسميها الدوائر الرسمية الأمريكية، ويرى في هذا السياق ان التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش «الأب» أثناء حرب الخليج الأخيرة عام 1991 هي التي منعت الرئيس العراقي صدام حسين من استخدام أسلحة الدمار الشامل، ويشير المؤلف في هذا السياق أيضا إلى ما اعتبره محاولة اغتيال الرئيس جورج بوش أثناء زيارته للكويت عام 1993 بعد ان كان قد تنحى عن الرئاسة وحيث اصدر الرئيس السابق بيل كلينتون آنذاك أوامره بتدمير المبنى الرئيسي للمخابرات العراقية في بغداد وذلك كعقاب على «تدبير» محاولة الاغتيال تلك ومما شكل رسالة واضحة للرئيس العراقي مما جعله يحجم عن القيام بـ «مغامرات جديدة». وتشير الاحصائيات التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب إلى ان عدد الهجمات الارهابية في أواخر التسعينيات قد تناقص بشكل ملحوظ قياساً بأواخر الثمانينيات، لكن عدد ضحايا الارهاب زاد بالمقابل، وهذا يعود إلى واقع الاختلاف الذي طرأ على تمرس الارهابيين وتدريبهم، هذا فضلاً عن التسهيلات الكثيرة التي استجدت على صعيد امكانيات الحصول على الأسلحة البيولوجية، بل وربما على غيرها من أسلحة الدمار الشامل، في عالم «العولمة» لذلك يرى مؤلف هذا الكتاب بأنه ينبغي بذل جهود أكبر واعمق من أجل تحاشي حدوث عمليات ارهابية على الأرض الأمريكية حتى وان كان ذلك في حكم المستحيل، لا سيما وانه لا يمكن استبعاد دور الارهاب المحلي في مثل العمليات المعنية، ثم والى جانب الارهاب الدولي على خلفية الدوافع السياسية هناك ارهاب آخر يُرجع المؤلف اسبابه الى مجرد «الكراهية» الموجهة ضد الادارة الأمريكية لأسباب شتى في تقديرات أصحابها تبدأ من اتهام هذه الادارة بقمع الحريات في الداخل وصولا إلى رفض البعض للمجتمع المادي السائد ومعداته للعقائد ومروراً بالاتهام بمعاداة التكنولوجيات الحديثة. وفي محصلة النقاش حول نوعية أسلحة الدمار الشامل التي يمكن ان يتعرض الامريكيون لها يخلص المؤلف إلى القول ان السلاح الكيماوي هو أسهل الأسلحة استخداماً وأقلها كلفة هذا على عكس السلاح النووي اكثرها تعقيداً وصعوبة في الاستخدام .. وبالطبع أكثرها كلفة. وهناك حلم ـ كابوس مزعج آخر ينقاشه المؤلف تحت عنوان «الارهاب الالكتروني» ويؤكد في هذا السياق بأن شبكة الانترنت قد غيرت كل شيء في حياتنا، وبالتالي لا يمكن تجاهل انها قد غيرت أيضاً سلوكيات الارهابيين والمجرمين الدوليين، إذ زادت من امكانيات الفعل والتنسيق فيما بينهم. وعلى الرغم من المنافع والفوائد التي لا حصر لها للكمبيوتر فإن الكثيرين لا يصدقون ابدا انه يمكن ان يغدوا أداة قوية وفعالة للارهاب، ان الكاتب يشير بهذا الصدد إلى العديد من الاستخدامات الاجرامية الممكنة لهذه الاداة مثل سرقة أرقام بطاقات ائتمان احدى شركات بيع الاسطوانات ـ الكومباكت ـ وتهديد الشركة بنشر هذه الأرقام إذا لم تدفع مبلغاً كبيراً من المال للشخص الذي كان قد قام بالعملية. ويرى العديد من الخبراء بأن الوصول إلى ارقام بطاقات العملاء من خلال الانترنت ليس أمراً عسيراً خاصة بالنسبة لشركات شبكات الانترنت التي لا تكرس ميزانيات كافية لضمان أمن شبكاتها، كذلك كان عدد من الأشخاص قد استطاعوا الدخول إلى الملفات السرية للبنتاجون، ولعدد من السفارات منذ عدة سنوات، وقام اشخاص آخرون بتحويل ملايين الدولارات من حسابات بنوك أمريكية إلى حسابات أخرى، وتقدر الخسارة في هذا المجال بعدة مليارات من الدولارات سنوياً. في مواجهة مثل هذا الأمر طلبت الادارة الأمريكية في فترة رئاسة كلينتون بضرورة تشكيل فريق من الخبراء في مجال المعلوماتية وتزويده بميزانية تم تقديرها بـ 2 مليار دولار لمكافحة الارهاب بواسطة شبكات الانترنت. ويؤكد المؤلف في هذا السياق على ضرورة وجود تعاون بهذا الصدد بين السلطات الحكومية والقطاع الخاص الذي يعد بمثابة أكبر الخاسرين في هذا النوع من الارهاب، ويعزو المؤلف عدم وجود مثل هذا التعاون إلى الآن لانعدام الثقة بين الجانبين، ولذلك يرى بأن خطر «ارهاب» الانترنت هو أحدأكبر الاخطار التي سيواجهها المجتمع الأمريكي خلال السنوات المقبلة. وحلم مزعج كابوس ثالث يتمثل في التطور السريع والرهيب الذي عرفته صناعة الأسلحة حيث انها قد شهدت تطورات درامية خلال السنوات الأخيرة، ولعل أكثر هذه التطورات فعالية يتمثل في صناعة الأسلحة الموجهة بالليزر ويستشهد المؤلف بهذا الصدد بالقذائف التي تم استخدامها خلال حرب الخليج الأخيرة، والتي كانت بنسبة 10% منها موجهة بواسطة اشعة الليزر. ان المؤلف يؤكد أيضاً بأن هذه النسبة ستزداد بسرعة وبنسب عالية في المستقبل القريب، بل ويصف عملية التطور السريع هذه بـ «الثورة» في ميدان صناعة السلاح، بسبب ما ستدخله من متغيرات على طبيعة المعارك الحربية فالصواريخ عابرة القارات والطائرات بدون طيار ستحل محل الطائرات المقاتلة والمدرعات. بالمقابل سيصيب التغيير أيضاً البنى التقليدية للقوات البرية والبحرية والجوية وسيكون للمعلوماتية جانب كبير في هذا التغيير، وبالنتيجة ستكون الصيغة التي ستصل اليها القوات المسلحة الأمريكية خلال السنوات العشر المقبلة وربما أقل مماثلة لـ «أفلام الخيال العلمي»، كذلك ينكب الخبراء اليوم على تطوير التكنولوجيات العسكرية بحيث يتم التقليل من الخسائر بين القوات الامريكية بل وبين المدنيين الامريكيين الى اقصى درجة ممكنة. ان مثل هذه الجهود كلها سيكون لها اعباء مالية كبيرة. لكن العائق الكبير امام الاستخدام السريع لهذه الاسلحة فإن المؤلف يحدده في تنوع جهات اتخاذ القرار للرد على التهديدات الموجهة ضد الولايات المتحدة الامريكية بواسطة اسلحة مماثلة ومتطورة. لذلك ينبغي اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لسرعة الرد على المخاطر التي قد تتعرض لها المدن الامريكية من جراء التقدم الرهيب في ميدان صناعة الاسلحة الحديثة. لكن اذا كانت القوات المسلحة مطالبة بتأدية واجبها القتالي فإنها مطالبة ايضاً بالمحافظة على السلام في انحاء عديدة من العالم. وهذا ايضاً له مخاطره التي يتحدث عنها المؤلف في الفصل الرابع من كتابه. ويؤكد بان عدد النزاعات المسلحة سيزداد خلال القرن الحادي والعشرين بحيث ان معدلها سيصل الى حوالي 25 نزاعا سنوياً. وطبقاً للاحصائيات المقترحة من الامم المتحدة فإن حروب عقد التسعينيات الماضي وحدها تسببت في مقتل مليوني طفل، واصابت 6 ملايين بالعجز وحرمت 12 مليونا من منازلهم. وكانت حروب عام 1998 وحده قد ادّت الى نزوح 13 مليون نسخة الى بلدان اخرى. ان هذه النزاعات هي بمثابة احلام مزعجة، كوابيس على الرغم من انها لم تقم بين دول في اغلب الاحيان وانما داخل الدول نفسها وحيث تحولت الى صراعات وحروب اهلية تسببت بعدد وضحايا يفوق ذلك الناجم عن الحروب التقليدية. وتزداد خطورة هذه النزاعات لان المجتمع الدولي لم يتوصل حتى الان الى ايجاد وسيلة ناجعة لعلاجها، لاسيما وان عددها هو في تزايد مستمر. وكانت مثل هذه النزاعات قد قامت في ظل المنافسة سابقاً بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي (السابق) خلال فترة الحرب الباردة، حيث سادت عملية التدخل بالشئون الداخلية لدول تمتد من انجولا الى امريكا الوسطى. اما الان فإن المواجهة بين المعسكرين قد انتهت لتظهر نزاعات جديدة على قاعدة بروز العدوان القومية والعقائدية القديمة مع انهيار الاتحاد السوفييتي، أوليست حالات البوسنة وكوسوفو وانجولا والسودان والصومال ورواندة.. الخ سوى امثلة بارزة على ذلك. هذا ولم تجد كثيراً الحلول السلمية التي تم البحث عنها وحيث لعبت الولايات المتحدة دور الوسيط. ويستعرض المؤلف ضمن هذا الاطار مشاركة القوات الامريكية في عمليات انسانية في البلقان وفي قوات لحفظ الامن، ويرى بانه يتعين على المسئولين الامريكيين طرح عدة اسئلة قبل اتخاذ قرار اشراك قوات امريكية في مثل هذه المهمات مثل «حجم» الازمة الانسانية التي سببها النزاع وتأثير ذلك على المصالح الامريكية، ومدى استنفاد كافة الوسائل الدبلوماسية لحل النزاع، وعمّا اذا كان سلوك الدولة المعنية قد ادى الى فقدانها السيادة على جزء من اراضيها، وما هو الموقف حيال «قبول» او «عدم قبول» الانفصال داخل اطار الدولة كأمر واقع، ثم البحث عن دور المجتمع الدولي في توفير الحماية للدول الجديدة ضد اية عمليات انتقامية من قبل حكامها السابقين. وبكل الاحوال ان لكل حالة من هذه الحالات ظروفها ودوافعها، وجميع الاسئلة السابقة انما هي بمثابة وسيلة مساعدة للبحث عن حلول سليمة وواقعية، ثم ان النزاعات العرقية لن تنتهي، اما في الحالات التي يبدو من المؤكد فيها عدم امكانية العيش المشترك بين شعبين فإن المطلوب هو ضرورة التفكير في سبل مساعدتهما على العيش بسلام كل على حدة. ويشكل تعاظم القوة العسكرية الصينية حلماً ـ كابوساً اخر بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية. ويبدو ان هناك تلازماً بين تنامي قوة الصين الاقتصادية وتنامي قوتها العسكرية. ان المؤلف يقدم العديد من الاحصائيات والتحليلات حول القدرات العسكرية للصين والتي تحتوي على صواريخ يبلغ مداها حتى امكانية ضرب بعض المدن الامريكية. وبالاضافة الى القوة العسكرية الصينية هناك ايضاً قوى اخرى لا يمكن تجاهلها وفي مقدمتها القوة العسكرية الروسية النووية التي يحاول القادة التركيز عليها للتعويض عن الضعف الذي تعاني منه القوات المسلحة التقليدية. الفصل الاخير من هذا الكتاب مكرس للبحث في معارضة الجمهوريين بالكونجرس الامريكي للتصديق على معاهدة حظر اجراء التجارب النووية التي وقعها الرئيس السابق كلينتون عام 1996. ويعتبر المؤلف هذه المعارضة بمثابة امر مخز لانه يمثل تفضيلاً للمصالح الحزبية على مصلحة الدولة. وكان الاقتراع لصالح هذه المعاهدة قد فشل مرة اخرى عام 1999، وحيث كان رفض الكونجرس الامريكي على هذه الاتفاقية المهمة هو الاول من نوعه منذ معاهدة فرساي عام