بيان الكتب: دافيد فرومكين هو استاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة بوسطن وهو ايضا مؤلف العديد من الكتب من بينها كتاب شهير عن تاريخ الشرق الأوسط عنوانه «سلام نهاية كل سلام» و«في زمن الامريكيين» و«طريق العالم». ويساهم دافيد فرومكين ايضا بالكتابة في أشهر الصحف والدوريات الامريكية مثل «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» وو«فورينج افير» وغيرها.. ويعيش ما بين نيويورك وبوسطن. في هذا الكتاب «معبر كوسوفو» يدرس المؤرخ دافيد فرومكين مسألة تصادم الشعارات الامريكية مع وقائع البلقان من خلال معركة كوسوفو. ويرى بإن اقحام الحلف الاطلسي في أول حرب له بعد خمسين عاما من وجوده إنما يبين بوضوح رغبة الامريكيين في لعب دور جديد في العالم عبر تفعيل العديد من التحالفات وبهدف تأمين استقرار النظام الدولي الجديد الذي يمثل الموقع الامريكي حجر الزاوية فيه. ولكن وكما عرفته النزاعات الاخرى والأزمات خلال القرن العشرين في العراق والبوسنة والصومال وهاييتي ورواندا كشفت حرب كوسوفو، آخر حروب القرن الماضي، حدود القدرة الامريكية في اعادة تنظيم العالم. ما يبحث فيه المؤلف هو في واقع الأمر السياسة الخارجية الامريكية حيال منطقة البلقان خاصة وحيال القارة الاوروبية القديمة عامة. نقطة الانطلاق في تحليلات المؤلف تتمثل في قرار الرئيس الصربي اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش الذي تتم محاكمته الآن أمام المحكمة الدولية المختصة بجرائم الحرب والبرلمان الصربي قبول خطة السلام الدولية لانهاء النزاع مع قوات منظمة حلف شمال الاطلسي «الناتو» وبعد ان كانت عمليات القصف الجوي لصربيا كانت قد بدأت يوم 24 مارس من السنة 1999 نفسها تستمر 72 يوما. كان قبول الصربيين بمثابة «استسلام» بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. كان البند الأول من خطة السلام الدولية يقضي بوقف فوري وحقيقي لأعمال العنف والقمع في كوسوفو، وبعد أيام قليلة كانت القوات الصربية تنسحب من منطقة كوسوفو ليعود اليها في الوقت نفسه عشرات الآلاف من سكانها ذوي الاصول الالبانية الذين كانوا قد اخطروا لمغادرتها خوفا من المجازر. ولقد خضعت كوسوفو حسب الاتفاق المبرم لادارة دولية مع وجود قوات لحفظ الأمن قوامها خمسين ألف عنصر من مختلف بلدان حلف الاطلسي وبمشاركة روسية، وحيث ان روسيا كانت قد لعبت دورا ايجابيا في الوصول الى القبول بخطة السلام بعد 33000 طلعة طيران لقوات الحلفاء والقاء حوالي 14000 قنبلة وصاروخ على أهداف صربية. بلغ عدد الضحايا من جانب القوات الاطلسية ثلاثة جنود سقطوا عرضا مقابل أكثر من خمسة آلاف من العسكريين الصربيين. ان المؤلف يثير عددا من التساؤلات والملاحظات حول النتائج التي آلت اليها العملية العسكرية التي قامت بها قوات الحلف الاطلسي ضد صربيا تحت قيادة الولايات المتحدة الامريكية . واذا كانت هذه العملية قد حققت «أهداف السلام» عن طريق الحرب فإنها بالمقابل كانت محط نقاشات واعتراضات كبيرة حتى داخل الولايات المتحدة والادارة الامريكية نفسها. ولكن هذه العملية كانت ذات أهمية كبيرة بالنسبة للحلف الاطلسي نفسه، إذ مثلت العمل العسكري الأول الذي تقوم به قواته بالدخول في عمل عسكري حقيقي منذ تأسيس الحلف قبل حوالي نصف قرن من الزمن وتحديدا عام 1949 حيث كان الهدف الأساسي من تأسيسه هو الوقوف في وجه أي عدو محتمل». وبالطبع كانت الانظار آنذاك تتجه نحو الاتحاد السوفييتي السابق على انه مصدر تهديد، أو بالاصح «مصدر التهديد الرئيسي» هذا على الرغم من ان قواته كانت قد خاضت الحرب العالمية الثانية الى جانب الحلفاء. وكان زعماء العالم الكبار الثلاثة في فترة ما بعد نهاية الحرب الكونية تلك قد اجتمعوا في مدينة «يالطا» على البحر الاسود واتفقوا على رسم خارطة اوروبا الجديدة. إن العالم كله لايزال يذكر تلك الصورة التي جمعت الثلاثة: روزفلت وستالين وتشرشل. بعد ان فرغوا من تقسيم العالم بين المنتصرين. وكان احد أهداف الحلف هو العمل من أجل تجنيب اوروبا خوض أي حرب بينما كانت دول حرب «أطلسية» مسرحها اوروبا نفسها، ولم توجه القوات الاطلسية نيرانها أبدا ضد «كتائب الامبراطورية السوفييتية» التي لم تكن تخفي اطماعها التوسعية. ويحدد المؤلف الرهان الامريكي الاساسي في حرب كوسوفو الاخيرة من وجهة نظر الولايات المتحدة الامريكية في تأكيد مصداقيتها العسكرية والسياسية، وذلك في مواجهة الاصدقاء و«الحلفاء» الاوروبيين أولاً والآخرين ثانياً. انها أرادت ان تؤكد بأنها ايضا قوة اوروبية كاملة الحقوق وانها القوة الدولية العظمى المؤهلة لقيادة العالم في ظل النظام الدولي الجديد. يقول المؤلف: كثيرا ما يتردد وربما على صواب بأن مستقبل الحلف الاطلسي وزعامة امريكا للعالم قد تعزز على ارض المعركة في كوسوفو. وبهذا المعنى تبدو حرب كوسوفو بأنها قد أغلقت نهائيا فترة الحرب الباردة وأسست لانطلاقة جديدة في مطلع القرن الحادي والعشرين الذي بدأ «أمريكيا» بعد عدة «براهين» للقوة في العراق عام 1991 ثم في الصومال عام 1993 وأخيرا في كوسوفو عام 1999. لقد بلغت أمريكا قدرا كبيرا من القوة فهل ستعرف كيف تستخدمها من أجل تحقيق الأمن والحد من الظلم؟ يتساءل مؤلف هذا الكتاب. انه يرى وللوهلة الأولى بأن حرب كوسوفو الأخيرة يمكن ان تشكل تجربة ـ معيارا لما ينبغي على الولايات المتحدة ان تتصرف به في العالم الذي دخل في عصر جديد. وتبقى منطقة البلقان بمثابة «المختبر» الذي قد تحدد «تفاعلاته» مستقبل الأمن في اوروبا، وربما في العالم.. هذا وينبغي ألا يغيب عن الذهن بأن هذه المنطقة كانت قد شهدت أول الأعمال الحربية خلال الحربين الكونيتين، الأولى والثانية. وهذا ما يعود اليه المؤلف باسهاب في الفصول الأولى من الكتاب، وذلك خاصة من خلال استعراض التجربة التي عاشتها الكاتبة البريطانية «روبيكا ويست» في منطقة البلقان خلال عقد الثلاثينيات الماضي حيث كانت تتم التحضيرات لمغامرة الحرب العالمية الثانية. ان شهادات اخرى كثيرة يسوقها المؤلف تذهب في الاتجاه نفسه لتؤكد بأن منطقة البلقان هي بمثابة «المرجل المضغوط» الذي يمكن ان ينفجر في أية لحظة.. وتمثل الاطماع الخارجية مثل تلك التي راودت ذهن هتلر أو ستالين أحد مصادر التهديد بالانفجار من الخارج. كما كانت بريطانيا لفترة من الزمن هي التي تتطلع للسيطرة على منطقة البلقان، بينما كانت امريكا آنذاك تميل الى العزلة والانكفاء على الذات بحثا عن الهدوء والاستقرار بعيدا عن مشاكل العالم. هذا ما يشرحه دافيد فرومكين عند تعرضه لبحث الموقف الأمريكي تاريخيا من العالم عامة ومن اوروبا بشكل خاص وحيث كانت الحرب العالمية الثانية بمثابة منعطف حاسم في توجهات السياسة الخارجية الامريكية حيال العالم والتي بدأت تعطي الأولوية لـ «منطق القوة». وهنا يفتح المؤلف قوسين ايضا للتأكيد على أهمية قضية «الصواريخ الكوبية» التي اضطر الاتحاد السوفييتي السابق لفكها واعادتها لبلاده عندما اكتشفها الامريكيون عام 1962. واذا كانت منطقة البلقان قد شكلت تاريخياً منطقة حدودية بين الغرب والشرق والامبراطوريات التي مثلتهما، كما يؤكد المؤلف في فصل يحمل عنوان «الشرق الأوسط يقوم بتنظيم البلقان» ويتحدث فيه عن فترة القرون الخمسة التي خضع فيها جزء كبير من منطقة البلقان للسلطة العثمانية الى جانب الغزوات المنغولية القادمة من الشرق، فإن البلقان الحديث يتميز بالاحرى بولاء وانتماء غربيين، خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حيث لعبت مباديء ويلسون دورا اساسيا في ذلك. القسم الأخير من هذا الكتاب مكرس للبحث في «ثوابت السياسة الخارجية الامريكية حيال منطقة البلقان منذ سقوط المعسكر الشيوعي بشكل خاص وبروز النظام الدولي الجديد في ظل الهيمنة الامريكية على المسرح السياسي الدولي» حيث وجدت امريكا نفسها أمام دور جديد مطلوب منها من أجل فرض قواعد اللعبة الدولية على الجميع، وباسم «الحلول الانسانية» و«البحث عن العدالة» وحيث كانت حرب كوسوفو بمثابة «المعبر» بين حقبتين. كتاب عن تأكيد الهيمنة الامريكية من «بوابة» كوسوفو