بيان الكتب: بول هيرست مؤلف هذا الكتاب هو استاذ النظرية الاجتماعية في جامعة لندن. كتاب يبحث في الدولة والصراعات العسكرية والمنظومة الدولية من منظور مستقبلي، وهذه المواضيع الجوهرية تتم دراستها عبر التعرض أولا لما يسميه المؤلف، بـ «الثورات العسكرية» والتي تمثل آخرها في تلك التي يشهدها العالم اليوم مع تقدم التكنولوجيا الهائل في هذا الميدان، والتي كان لها آثارها المباشرة على صعيد تنظيم القوات المسلحة نفسها، يضاف لهذا المشهد التبدل الذي طرأ على طبيعة الحرب ذاتها وبايقاع شديد السرعة، وخاصة منذ نهاية فترة الحرب الباردة التي حكمت العلاقات الدولية لعدة عقود من الزمن.. ولعل أهم النتائج المباشرة التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب تمثل في الأولوية التي اكسبتها الاستراتيجيات الهجومية، وبصيغة ما على حساب الدفاعية. ويرى المؤلف ان العالم الحديث قد شهد ثورتين عسكريتين أساسيتين، الأولى ظهرت ملامحها خلال القرن السادس عشر وذلك كنتيجة لما يسمى بالثورة الصناعية الأولى التي شهدت اختراع الآلة البخارية والمحرك الانفجاري والكهرباء بشكل أساسي. ومع ذلك ظهرت تطبيقات الثورة الصناعية في مجال الحرب اعتبارا من منتصف القرن التاسع عشر حيث بدأت تدريجيا في البروز مفاهيم «الحرب الشاملة» وذلك لأن امكانياتها التقنية كانت قد أصبحت «متوفرة».. هكذا شهد النصف الأول من القرن العشرين اندلاع حربين كونيتين، كذلك تحدد على قاعدة التسلح «موازين القوى» في العالم. ثم جاء اختراع السلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل كي تشكل عاملا حاسما جديدا في تحديد موازين القوى هذه، مما شكل ثورة ثانية على الصعيد العسكري. إن الدرس الأول الذي يؤكد عليه المؤلف على أساس الثورتين العسكريتين اللتين شهدهما العالم الحديث «ثورة مكننة الجيوش النظامية» وثورة تزويدها بالاسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، هو ـ أي الدرس ـ ادراك «مدى ما يمكن ان يترتب على التبدل التكنولوجي العسكري السريع من عوامل ضغط باتجاه احداث تبدلات على صعيد القوات المسلحة وتلك ايضا على صعيد المجتمعات والعلاقات بين الدول، ذلك ان التكنولوجيات الجديدة تتطلب بالضرورة عملية تكييف الاطار الاجتماعي مع متطلباتها وضمن هذا الاطار يقوم المؤلف بدراسة «التنظيم العسكري» وعلاقته بالبنية الاجتماعية القائمة، وحيث هناك علاقة «تأقلم» متبادلة بين الطرفين. ويركز المؤلف في الفصل الذي يحمل عنوان «الثورات العسكرية» على «التبدلات التكنولوجية» التي حققتها الانسانية في المجال الحربي واثر ذلك على البنى السياسية في العالم وعلى العلاقات الدولية. ويعتبر في هذا السياق بأن فترة طويلة من عدم التجديد التكنولوجي قد استمرت في أوروبا ما بين عام 1650 وعام 1850، وقد شهدت هذه الفترة على الصعيد العسكري اعطاء الاولوية للخطط الدفاعية، كما اتسمت المجتمعات بقدر كبير من الثبات والاستقرار وكان للقوات المسلحة دور هام في الحياة الاجتماعية والسياسية لبلدانها، هذا وكانت فترات 1500 ـ 1650 و1815 ـ 1950 قد شهدت انتشارا كبيرا للأدبيات العسكرية والاطروحات النظرية حول الحرب.. وبكل الحالات شكل تجديد التكنولوجيات العسكرية احد الرهانات الاساسية للسلطة، وهذا ما يشير اليه عنوان الكتاب بخصوص «الحرب والسلطة». إن المؤلف يؤكد في دراسته لـ «الثورات العسكرية» على عدة مراحل ـ منعطفات بدءا من الثورة العسكرية في القرن السادس عشر وحتى ما يسميه بـ «عصر السلاح النووي» مرورا بـ «العصر الصناعي والحرب» خلال فترة «1850 ـ 1918» وبـ «مكننة الحرب» في سنوات 1918 ـ 1945، أي منذ غداة نهاية الحرب العالمية الأولى ونهاية الحرب العالمية الثانية. هذا وتغطي مجمل الفترة التي تتم دراستها على صعيد تجديد التقنيات العسكرية لجلبها المواجهة بين الاسبانيين والفرنسيين في «سيرينيولا بايطاليا حاليا» في بدايات القرن السادس عشر وحتى حرب الخليج في مطلع عام 1991. هذا وتدل مؤشرات عديدة بأن القوة العسكرية ستظل تلعب دور الاداة حتى بين «الدول الليبرالية» نفسها الى جانب استمرار وجود عدد من مصادر الصراعات التي تهدد العالم. ويدرس المؤلف في فصل من فصول هذا الكتاب الاربعة آليات عمل «المنظومة الدولية في حقبة ما بعد وستغاليا». و«وستغاليا» هذه هي التسمية التي يتم اطلاقها على المعاهدتين اللتين وضعتا حدا نهائيا لحرب الثلاثين عاما في اوروبا، وكان قد تم توقيعها عام 1648 بين الكاثوليك والبروتستانت، وكان المستفيد الأكبر من هاتين المعاهدتين كل من فرنسا والسويد، بينما كان الخاسر هو ألمانيا. ويرى المؤلف بأن توقيع هاتين المعاهدتين كان بمثابة الايذان ببداية عصر جديد شهدت فيه الدولة تعزيز أسسها الأولى. الفكرة الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف في هذا السياق هي ان الدولة الحديثة والمنظومة الدولية الحديثة تطورتا معا، إذ ومع بداية تشكل الدولة ـ بالمعنى الحديث ـ في اوروبا خلال القرن السادس عشر أخذ مفهوم «السيادة» بالتأكيد على أساس وطني، وبدأت في الوقت نفسه العلاقات بين هذه الدول أي وبتعبير آخر بدأت «المنظومة الدولية» بالتشكل هي الاخرى، هكذا قامت علاقة متبادلة باتجاه تعزيز هذه المنظومة الدولية من جهة وايضا باتجاه تعزيز الكيانات السياسية المستقلة من جهة اخرى. كما ان المنظومة الدولية نفسها قد فرضت سمات الدولة الحديثة ومواصفاتها ومستلزماتها. وكانت الدولة الحديثة قد عرفت مسارا تطويريا مهما منذ العصور الوسطى وحتى سيادة نموذج الدولة الحديثة، وبروز مفهوم «المنظومة الدولية». وتتمثل التسمية الأساسية الأكثر شيوعا للدولة في الحقبة الراهنة، وكما يرى المؤلف خلال الفترة المقبلة انها ستكون «أكثر ليبرالية» مع ما يتضمن هذا من تقهقر لـ «النزعات المحافظة» هذا لاسيما وان الليبرالية كنظام سياسي واقتصادي استطاعت ان تخلق نوعا من الاستمرارية النسبية للنظام الدولي القائم أساسا على الدولة، كما انها أعادت تعريف وظائف الدولة. ويبقى السؤال مطروحا: ما هو مستقبل العالم بعد الحرب الباردة؟ إن نهاية الحرب الباردة قد أحدثت في الواقع اضطرابا كبيرا على مستوى المنظومة الدولية كلها إذ خلقت بؤر حروب ممكنة جديدة وغيرت ميزان القوى العسكري في العالم. إن روسيا التي كانت تشكل النواة الأساسية لاحدى القوتين العظميين العالميتين اللتين سادتا العلاقاتت الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب الباردة، أصبحت الآن تعاني من وضع اقتصادي متدهور جدا ومن تخفيض كبير في ميزانيتها الدفاعية، وهي الآن لا تملك الكثير من الامكانيات من أجل التدخل على الصعيد الخارجي، فكل ما تسعى اليه هو زيادة مساعدات الغرب لها. باختصار ان أيام اللعبة الكبرى اثناء الحرب الباردة قد ولّى وأصبحت تنتمي لتاريخ الماضي، وانها لم تعد قادرة على تقديم المساعدات لقوى محيطية كما كان يفعل الاتحاد السوفييتي السابق. واذا كانت الحرب الباردة قد انتهت، فماذا عن الحروب الجديدة؟ إن هذه الحروب الجديدة هي قبل أي شيء آخر ذات طابع محلي أو اقليمي، هذا وتشكل منطقة البلقان وارث الفيدرالية اليوغسلافية نموذجا واضحا لحروب الحاضر وربما لحروب المستقبل التي ستشكل مسألة التدخل لأسباب انسانية، الخلفية الأساسية التي ستقوم عليها. هذا وكان مفهوم «الحرب الجديدة» موضوعا لأدبيات كثيرة اعتبرت بأن حربي «البوسنة» و«كوسوفو» الاخيرتين مثلتا النموذج الأكثر وضوحا لـ «الحروب العادلة» التي ستكون بمثابة الصيغة الأكثر شيوعا في المستقبل. لكن هذه الحروب الجديدة تتطلب ايضا أسلحة جديدة. هكذا ساد في النقاشات العسكرية لفترة ما بعد الحرب الباردة مفهوم «الثورة في الشئون العسكرية» وما رافقه من العمليات الترشيحية والأسلحة الذكية والحرب دون خسائر في الأرواح... الخ. ويتوقع مؤلف هذا الكتاب ان «تنضج» هذه «الثورة» تماما في أواسط القرن الجاري الحادي والعشرين، لكن تبقى الآفاق مجهولة ومبهمة حول المستقبل، لاسيما فيما يخص مسائل البيئة وما ستغدو عليه الصين. إن مسألة مستقبل الدولة والاتجاه نحو «انحطاط» دورها في اطار التوجه نحو العولمة الليبرالية تشكل أحد الاسئلة الكبيرة حول مستقبل «المنظومة الدولية». وذلك في ظل تجاذب أربع قوى رئيسية للتغيير هي «اقتصاد العولمة» ووسائل الإعلام والاتصال والاقتصاد الجديدة وانحطاط الخدمات الاجتماعية العامة وأزمات البيئة. هذا ما يشرحه المؤلف في الصحفات الأخيرة من كتابه. كتاب يبحث في التطورات المستقبلية في ميادين الحرب والصراعات المسلحة والعلاقات الدولية خلال القرن بالاعتماد على تحليل الحاضر ودروس التاريخ واستخدام مناهج علم الاجتماع السياسي والعلاقات الدولية