بيان الكتب: جيرار دوسوي هو أستاذ جامعي في مادة الجغرافيا وباحث في مركز التحليل السياسي المقارن التابع لجامعة مونتسكيو في مدينة بوردو الفرنسية. نال شهادة الدكتوراه عن أطروحة أثارت اهتمام المختصين حول «المظاهر المعاصرة للجيوسياسة وللجيوستراتيجية». شهدت نهاية القرن العشرين تبدلات كبيرة على مستوى المعطيات الجيوسياسية والجيوستراتيجية الدولية.. وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية التي كانت تدور في فلكه وسيادة العولمة مع كل ما تتميز به من تمجيد وسيطرة النزعات الاقتصادية وعصر التكنولوجيات. لقد تبدل المشهد الدولي كثيراً لكن الرهانات الأساسية التي تواجهها القوى الفاعلة الدولية ظلّت على ما كانت عليه وخاصة فيما يتعلق منها بمسائل الأمن والحريات ومفاهيم الازدهار والبحث عن السلام والقضايا المتعلقة بالهوية، لكن يبقى السؤال مطروحاً: كيف ستتم عملية «تمفصل» هذه الرهانات كلها وتتفاعل في ظل إعادة صياغة السياق الدولي كله؟ هذا الكتاب هو في الواقع محاولة للإجابة عن هذا السؤال الجوهري حيث يدرس مؤلفه تداخلات العوامل الديموغرافية، والاقتصادية ـ المالية، والسياسية ـ الاستراتيجية، والثقافية والتي تشكل في مجملها معالم «المنظومة العالمية».. وهذه الدراسة تستدعي بالضرورة الخوض في الاستراتيجيات وموازين القوى بين «مراكز الفعل» الرئيسية.. وعلى أساس هذا كله هل تكون المحصلة هي الوصول الى نوع من «انسجام صورة العالم» في ظل، وعلى« شاكلة، النموذج الغربي الأمريكي؟! وتتمثل احدى الافكار الأساسية في هذا الكتاب بالقول ان بعض النظريات والاطروحات تتوافق مع بعض الكتب التاريخية حيث تمنحها الرؤية «الأكثر ملاءمة لأنها الأكثر قرباً» من قيم هذه الحقبة ومفاهيمها ومصالحها. إن مثل هذه الفكرة تقرّ ضمناً بأن القيم الغربية السائدة هي ذات بعد كوني وبالتالي ستشهد محاولة تعميمها عبر الاستفادة من آليات ثورة المعلوماتية والاتصالات التي أعادت النظر جذرياً بمفاهيم الحدود.. بل وبمفاهيم «السيادة» نفسها. لكن إذا كان مؤلف هذا الكتاب يميل في الشروح والتحليلات التي يقدمها نحو «ترجيح» توجه العالم كله باتجاه تبني نوع من «النسقية» الأحادية» حول المركز «الأمريكي» فإنه بالمقابل لا يقلل من العقبات التي تعرقل مثل هذا التوجه ويجد في مقدمتها «الارهاب» و«تصادم الثقافات» و«مختلف أشكال العنف القائم على فكرة التزمت». هذه العقبات كلها تبدو في السياق الذي يرسمه «جيرار دوسوي» وكأنها تريد أن تدفع نحو «استمرار حالة الفوضى» في العالم «بعيداً عن أية ديناميكية ناظمة» و«رغم أنف» القانون الدولي. ومن الملفت للانتباه أولاً هذه «العودة» الكبيرة للاهتمام بالمفاهيم الجيوستراتيجية والجيوسياسية» بعد ان كانت قد غابت طويلاً». لقد أصبحت بمثابة «ظاهرة إعلامية» ذات حضور قوي جداً كما يبدو من وجود أكثر من «أطلس استراتيجي» جديد ومن تكريس مختلف الدوريات لملفات متكررة ضمن الاطار نفسه.. هذا فضلا عن البرامج التلفزيونية العديدة حيث ساعدت التقنيات الجديدة على شد اهتمام جمهور أوسع لقضايا تخص القضايا الدولية الراهنة. وضمن هذا السياق يمكن القول إن «العلاقات الدولية» قد أصبحت مشرباً مستقلاً من العلوم السياسية كان قد عرف بداياته الحقيقية غداة نهاية الحرب العالمية الثانية. هنا تجدر الاشارة الى ان واقع تعميم الأبحاث الخاصة بـ «المفاهيم الجيوستراتيجية والجيوسياسية» انما قد أدّت إلى استخدام هذه المفاهيم دون أي تدقيق بل وبقدر كبير من الـ «لا تدقيق». وتجدر الإشارة أيضاً إلى ان عودة الحديث بقوة عن الرهانات الاستراتيجية قد تزامنت مع ما يسمى بـ «الصدمتين البتروليتين» لسنوات السبعينيات الماضية.. وحيث برزت الأهمية الاستراتيجية الكبرى لمنطقة الشرق الأوسط التي وصفها أحد المعلقين الأمريكيين بالقول انها «القلب النفطي» للعالم الحديث. ولم تكن حرب الخليج الأخيرة بعيدة عن مثل هذا المنظور «الاستراتيجي» لمستقبل العالم. وبكل الأحوال إذا كان من الصعوبة بمكان تحديد تاريخية دقيقة لولادة «الجيوسياسة» أو «الجيوستراتيجية»، اذ يعيدها البعض الى فترة اليونان القديمة بينما يربطها آخرون بالماكيافيللية أو بمفاهيم الحرب الجديدة كما صاغها كلاوزفتس، فإن مؤلف هذا الكتاب يرى ان الولادة الحقيقية لـ «الجيوسياسة» وذلك بمعنى الربط بين «المجال الجغرافي» و«السياسة» انما تلازمت مع المنافسة الشرسة بين القوى الأوروبية الكبرى في نهاية القرن التاسع عشر. ذلك إن عدداً من «الجغرافيين» و«العسكريين» أرادوا ان يوضحوا لقادتهم أهمية هذا البلد أو ذاك على «رقعة الشطرنج الدولية».. وبكل الأحوال برز فرع «الجيوسياسة» على أساس انه «علم مكاني ـ بحال جغرافي ـ سياسي». لكن «فهم خارطة العالم لا تمثل مشروعاً حيادياً تماماً، يقول المؤلف وذلك على أساس ان عملية «ترسيم» المجال الدولي، بالمعنى الجيوسياسي تكون خاضعة في أغلب الأوقات لتصورات مسبقة أو موجهة، كما يبقى من الصعوبة بمكان تقديم صورة شاملة للسياق الدولي بكل تعقيداته وحيث يؤكد المؤلف على مسألة النسبية في فهم أمور العالم، لذلك «تتطلب الحكمة التروي كثيراً قبل تبني خيارات قاطعة جداً عند محاولة تفسير العالم». وإذا كان من الثابت والواضح ان الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، والنهج الليبرالي عامة، قد انتصروا على الاتحاد السوفييتي (السابق) وأيديولوجيته فإن ذلك يؤيد آراء أولئك الذين يقيمون تحليلاتهم على اعطاء الأولوية لـ «العلاقات الاقتصادية». لكنهم قصروا العالم في الواقع، على المجال الاقتصادي وفي المرحلة الراهنة على «السوق».. هذا مع العلم انه ليس هناك من ينكر الدور الكبير الذي تلعبه الثورة الاقتصادية، في زمن السلم كما في زمن الحرب، في مسيرة العالم وتطوره. ويشير المؤلف في هذا السياق إلى كتاب «بول كندي» الذي يحمل عنوان «ولادة وانحطاط القوى الكبرى» والذي ركز فيه على القول ان الاقتصاد قد أصبح «يشكل اليوم أكثر من أي يوم مضى البعد الحاسم في الحياة الدولية». هذا وقد أثبتت التجربة البريطانية خلال القرن التاسع عشر والتجربة الأمريكية طيلة النصف الثاني من القرن العشرين بأن الاقتصاد المسيطر يمارس نفوذاً كبيراً على مدى طويل. وحتى لو لم يكن واضحاً باستمرار امكانية تحويل القوة الاقتصادية إلى قوة عسكرية وسياسية. هذا لا يمنع واقعاً ان النمو الاقتصادي قد غدا بمثابة مطلب كبير بالنسبة للمجتمعات المعاصرة. ومع إدراك، أو اكتشاف إعادة إدراك (وعي) سطوة الاقتصاد على الشئون الدولية، قد تم في فترة اضطراب على الصعيد السياسي الدولي في فترة عقد السبعينيات الماضي، ازدادت الخشية من ان يؤدي الانحسار الاقتصادي الذي تبدت أهم مؤشراته آنذاك بـ «تدهور نظام النقد الدولي» وبـ «الازمات ـ الصدمات ـ النفطية» الى تدهور العلاقات بين الدول، ومن خلال واقع التأزم والخشية من النتائج برز مشرب خاص من العلوم السياسية هو الاقتصاد السياسي الدولي، الموضوع الاساسي لهذا الفرع الجديد من العلوم السياسية هو «التداخل بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي على المستوى الكوني ـ العالمي ـ وحيث توزع العاملون في هذا المجال بين الليبراليين والماركسيين والواقعيين». مع ذلك، ومع انتصار النموذج الرأسمالي على منافسه الاساسي «الاشتراكي» اصبحت الديناميكيات تتجه نحو صياغة «عالم بلا حدود» مما يؤمن سوقاً اكبر ومكاسب اكبر مع التأكيد على «المصلحة الفردية» وهذا قد شكل مقدمة «منطقية» باتجاه «العولمة». ان التركيز على البعد الاقتصادي وعلى آليات التبادل واشكالها ادى الى اهمال «ظواهر السلطة» من النظريات الاقتصادية السائدة، لكن المسألة لم تمر دون توجيه اشكال النقد ضد هذه العولمة التي وصفها احد الاقتصاديين الكبار بأنها «تجمع بين ثلاث حرمات هي لبررة المبادلات الدولية وخلل الاقتصادات الوطنية وعالمية الشركات الصناعية الكبرى مع عولمة خدماتها». وهناك رأي اخر، يشرحه مؤلف هذا الكتاب طويلا ويتمثل في تأكيد العولمة على «التضخيم من قدرات الهيمنة التي يتمتع بها الاقتصاد وكذلك من فضائله في تعزيز السلام» لكن هناك الكثير من المؤشرات التي تدل على ان التداخل الكبير الذي خلقته العولمة مما اعطى الاحساس بتحقيق الكونية ـ يونيفرسال ـ انما كان بمثابة «اوهام» حاولت مراكز القوى الاقتصادية الكبرى في العالم جعلها بمثابة «قيم» ثابتة، بل ان الكثيرين يرون بأن هذه «العولمة الليبرالية» انما هي المسئولة الاولى عن نوع من الفوضى العالمية، وقد كان الاقتصادي الفرنسي المعروف جان كريستون روفات قد كتب منذ عام 1991 عن «الامبراطورية والبرابرة الجدد» كما ألح عالم الاجتماع «الان توين، على ضرورة «تعدد الحداثة» وما بعد الحداثة، وبكل الاحوال يبدو واضحا للعيان بأن «توسيع الاسواق لم يؤد الى اندماج حقيقي للدول والمجتمعات». ومن هنا تنطرح وبحيرة الآن مسائل جديدة تتعلق بالبيئة والواقع الديموغرافي والخصوصيات الثقافية ورأس المال الرمزي لمختلف الامم والمجتمعات في اطار العولمة. وكانت مسألة العلاقة الاجتماعية، هي التي وضعت في مطلع القرن الاقتصاد في صميم الفكر السياسي كما وضعت المجال الاقتصادي في قلب الفكر الجيوسياسي، كما ان عولمة الاقتصاد، ولكن ايضا عولمة وسائل الاعلام، تؤدي الى نوع من المجابهة المباشرة للمجتمعات الانسانية ذات الثقافات المختلفة، كما تؤدي الى «اقتحام» خصوصيات الاخر. كما يبين المفكر الاقتصادي «بيير نويل جيرو» في كتابه الذي يحمل عنوان: «اللا مساواة في العالم. اقتصاد العالم المعاصر» الصادر عام 1996 «سيكون لدخول البلدان ذات الاجور المنخفضة مع كفاءات تكنولوجية هامة على مسرح الاقتصاد الدولي تأثيرا كبيرا على توزيع الثروات وفرص العمل وبالتالي البطالة بين الدول كما داخل كل دولة منها». من هنا يبدو ان العامل الديموغرافي سيكون ذا اهمية «جيوسياسية» كبيرة في القرن الحادي والعشرين، وهذه احدى الاجابات التي يقدمها المؤلف عن سؤاله في عنوان الكتاب: «اية جيوسياسة بالنسبة للقرن الحادي والعشرين؟» لكن لابد هنا من فتح قوسين للتأكيد بأنه لا يمكن لاي عامل او اي رهان ان يحدد وحدة الحياة السياسية في العالم. كما لا يمكن لـ «جيوسياسة القوى الاقتصادية ـ الجيو اقتصاد ـ التي تهتم بمجال السياسة الاقتصادية الدولية ان تكون معزولة عن «العوامل» الاخرى الفاعلة في توجيه مسار العالم. وهذه العوامل ـ المجالات يحددها المؤلف في «المجال الديمقراطي ـ السياسي العالمي» وحيث تبدو هناك علاقة بين «القوة» والديموغرافيا. اذ ان «عدد السكان ومن حيث ما يسمح به من مقارنات وما يمثله في اطار السيكولوجية الاجتماعية والسياسية والعسكرية، يلعب دورا مركزيا في العلاقات الدولية. ثم ان مثل هذا العامل لم يكن بعيدا عن ذهن «نابليون» و«ماوتسي تونج» عندما كانا يفكران بالحرب لكن هذا لا يمنع واقع ان هناك تحديا ديموغرافيا عالميا» اذ ان سكان المعمورة قد ازداد بايقاع كبير خلال النصف الثاني من القرن العشرين على الرغم من جميع اجراءات تحديد النسل، وبالتالي لابد للعالم من ايجاد الوسائل لـ «اطعام جميع الافواه». اضف الى هذا واقع التغيرات الديموغرافية التي يشهدها العالم ومما يجد تعبيره في «شباب الجنوب» و«شيخوخة الشمال» وضمن هذا الاطار هناك تحديات انسانية كبيرة تواجه «دولا ـ قارات» مثل الصين.. كما لابد لبلاد مثل الولايات المتحدة الامريكية من ان تواجه «التبدل الثقافي» الناجم عن التنوع الكبير في مكوناتها السكانية مما قد يؤدي، بل انه يؤدي، الى نوع من التوترات «ذات الطابع الاثني» وفي المحصلة تنفتح الآن افاق جديدة باتجاه «التعددية الثقافية» التي تطرح بهذه الحدة او تلك مسألة «الهوية الوطنية» وايضا مسألة محددات «السياسة الخارجية» تجدر الاشارة هنا الى ان الصين قد تكون المثال الفريد في العالم الذي لا يزال يحافظ على قدر كبير من «الانسجام» في مكوناته السكانية حيث ان 95% من الصينيين يتحدرون من اثنية الـ «هان» وبهذا يبقى هامش: الاقليات ضئيلا جدا. العامل ـ المجال الثاني الهام في الحياة السياسية للعالم يحدده المؤلف في «المجال الجيو ـ اقتصادي العالمي» الذي يشرحه على مدى فصل كامل في الكتاب انه يؤكد بأن ظاهرة «تعددية جنسيات الشركات الكبرى»، قد ادت الى «تبدل بنيوي في المنظومة الرأسمالية. اذ انها تعزز «الاندماج الاقتصادي» فيما هو ابعد من القواعد المفروضة باسم «التبادل الاقتصادي الحر». لكن عدم «منهجية» هذه الظاهرة يؤدي الى بعض التوترات بحيث ان اسطورة «الاقتصاد ـ العالم» لا تزال بعيدة عن ان تكتمل، كما ان اهمية الرهانات التي يطرحها الاقتصاد العالمي وصعوبة «عولمة جميع المصالح» ادى الى صعوبة ترسيخ الاسس الايديولوجية لهذه الظاهرة التي تلبس اليوم «الوشاح الليبرالي». ولعل هذا يشكل «كعب اخيل» بالنسبة لـ «العولمة» فالسوق الذي لا يعرف سوى قاموس العرض والطلب «يمكن ان يكون مصدرا للتوترات في حال ندرة بعض السلع. وهنا يمكن التفكير بـ «النفط» حيث ان «منطقة الخليج تبقى، كما هو معروف، ذات امتيازات خاصة ذات طابع حيوي» وتليها بعد ذلك منطقة البحرالكاريبي. ويتحدث المؤلف ايضا عن عوامل ـ مجالات اخرى لها دورها في الحياة السياسية العالمية على رأسها «العامل ـ المجال الدبلوماسي الاستراتيجي «الذي اصبح اكثر «شفافية» بعد انهيار الثنائية الدولية بين الشرق والغرب مع سقوط الاتحاد السوفييتي. واذا كان العالم قد شهد ولادة «اطماع جديدة فانه يواجه باستمرار خطر «اعادة احياء الخلافات القديمة» مما قد يضعه امام «بوابات الحروب الكبرى»