بيان الكتب: الناقد الادبي والأكاديمي البريطاني «تيري ايجلتون» من مواليد سالفورد سنة 1943 ينتمي في الاساس الى ابناء الطبقة العاملة والى الجيل الثالث من ابناء المهاجرين الايرلنديين الى بريطانيا. تلقى تعليمه الاساسي، في مانشستر وتخرج من جامعة كامبردج في 1964 وعمل استاذا للغة الانجليزية في الجامعة نفسها ومحاضرا في نظرية النقد في جامعة اكسفورد ثم استاذا لنظرية الثقافة في جامعة مانشستر. كتاب تيري ايجلتون الاخير «الناطور» هو احد الاصدارات التي يعلن فيها ايجلتون الخروج على الاطار التقليدي لما يسميه السيرة الذاتية الى السيرة «الذاتية المضادة» ومن وجهة نظر بعض منتقديه، فان اغلب ما جاء في هذا الكتاب هو من النوع الذي يأتي قريبا مما يطلقون عليه رفض هذه التسمية اكثر منه تجسيدا لهذا الصنف من الكتابة المعروفة بالسيرة الذاتية، وعلى الرغم من ذلك فقد صرح ايجلتون في العديد من المناسبات بانه لايميل الى كتابة هذا النوع الادبي الشائع في بريطانيا او الى ان يطلق على كتابة وصف المذكرات. ليس غريبا ان تلقى مذكرات ايجلتون ترحيباً واسع النطاق، واحياناً هجوماً شرساً، كالهجوم الذي شنته بعض الاوساط الصحافية النقدية وفي مقدمتها صحيفة «ديلي ميل» التي نشرت في مقالة نقدية حول كتابه «الناطور» ادعاء بان ايجلتون ربما تعرض للوقوع في خطر التحول الى مؤسسة. يأتي اختيار ايجلتون لهذا العنوان «الناطور» بالنظر الى علاقته بهذا العمل الذي زاوله عندما كان صبياً في العاشرة من عمره في كنيسة صغيرة في سالفورد في الخمسينيات، غير انه هنا يدافع عن مفهوم شديد الاهمية لانسان مثله، ظل يسعى الى التغلب على صعوبات حياته المنداحة بين عوالم مختلفة يريد التوفيق بينها بدأ بتلك المرحلة فايجلتون ينحدر من اسرة ايرلندية كاثوليكية تعيش وسط اغلبية بروتستانتية في انجلترا وبينما هو ينتمي الى الطبقة العمالية الكادحة فقد امضى حياته العملية في قلب المؤسسة السياسية كيساري ثوري وحياته الاكاديمية كأكاديمي ناجح. فيما يبدو ايجلتون وكأنه يعيش حالة من الازدواجية الوجودية، فإنه كما يقول احد النقاد ومما يضاف الى رصيده انه كان يسعى دائما الى التوفيق بين عوالمه المختلفة، عالمه السياسي وانتمائه الطائفي وعالمه الاكاديمي وكأكاديمي ناجح فقد قام بدوره كناطور وكحارس لافكاره، ففي السبعينيات كان شديد التأثر بالنظريات السياسية الثورية المعقدة التي روج لها بعض اليساريين، ومن جهة اخرى يقول زميله البروفيسور بيتر ويديسون بعد الاستماع اليه في مؤتمر عقد في منتصف السبعينيات: ان مناقشاته بلا شك هي من النوع القادر على توسيع المدارك وهي مؤثرة الى حد بعيد، كما لو انه الآن ابو النظرية التي غيرت مسار البحث الاكاديمي في بريطانيا الذي اصبح يحمل الكثير من ملامحه. يرى بعض النقاد ان الاهمية المتزايدة لعدد من النصوص التي تم نسيانها في الادب الانجليزي على نطاق واسع ينتمي مؤلفوها الى شرائح مختلفة، منها المرأة والطبقة العمالية والملونون وخاصة السود، هذه الاهمية تعود الى السعي الحثيث الذي بذله ايجلتون ضمن محاولاته النقدية الرامية الى اظهارها بالمستوى الذي يليق بها، وفيما هو كذلك فإن الحقيقة الغريبة التي يمكن قولها عن ايجلتون هي انه فيما كان نقده ينصب بشكل كبير على المؤلفين الذين تلقى كتاباتهم بعض القبول فإن تناوله لكتاب كبار مثل هاردي او لورنس أو الاخوات برونتي في ضوء نظريات أدبية جديدة، كان قد ألهمه اساليب جديدة في تعامله مع تلك النصوص، الامر الذي قلده فيه الكثيرون، وعلى سبيل المثال فإن ايجلتون يأخذ شخصية هامشية من كتاب، ويدفع بها الى الامام، ثم يعيد تشكيل الطريقة التي تنظر من خلالها اليها «القراءة عكس القاعدة». في مراجعته لكتاب «نظرية الادب» سنة 1983 يتهم دنيس دنوف الناقد الادبي في صحيفة «نيويورك تايمز» تيري ايجلتون بأن تعامله مع النصوص السابقة لم يزد على كونه تحويلاً لمؤلفيها من الكتاب الكبار من كتاب كبار في مجالهم الى ضحايا عصرهم في حين يأتي رد ايجلتون عليه باعتباره احد المناوئين لكتاباته، والشيء ذاته يقال عنه في نقده اللاذع الموجه ضد استاذه وزميله استاذ الادب الانجليزي في جامعة اكسفورد جون بيلي، الذي يقول عنه: ان كل اعمال بيلي تقع في مصيدة الاعتقاد غير الصحيح بأن حقيقة النص تسكن في دائرة وعي مؤلفه. في مقال نشرته صحيفة «أوبزرفر» اللندنية يقول آدم مارس جونز: اذا كان تيري ايجلتون يسعى الى حذف الجانب الشخصي المتعلق به من كتاب الناطور فما الذي يتبقى؟ الواقع انه في هذا الكتاب الصغير الذي ألفه ناقد ادبي كبير معروف في مجال السياسة ايضا والذي يشير فيه المؤلف الى انه «سيرة ذاتية مضادة» كنوع من محاولة كتابة تاريخه الشخصي بطريقة تحول دون الرغبة في التباهي بالذات هو رفض للسيرة الذاتية كنوع ادبي. غير ان ايجلتون، على الرغم من ذلك، ينظم عمله في مجموعة من المقالات التي تحتوي على موضوعات رئيسية مأخوذة ظاهرياً من تجربته الشخصية من دون ان يتجاهل حقيقية واحدة اساسية ومن دون ان تفوته حتى التفاصيل المهمة عن امه التي يعرفها القاريء جيدا كعضو في جماعة من الراهبات وابوه كعامل مضطهد في الجماعة الدينية نفسها أما بقية التفاصيل عن طفولته الكاثوليكية في سالفورد فتأتي في الفصل الذي يحمل عنوان «الخاسرون». المقالة الاولى من كتابه «الناطور» تحمل عنوان «المحكوم بالسجن المؤيد» وفي هذه المقالة يتحدث ايجلتون عن نفسه كصبي صغير في العاشرة يقوم بمساعدة الآخرين في كنيسة كاثوليكية صغيرة، وعلى الرغم من اهمية الدور الذي يقوم به بالنسبة لشيء مثل كتابة السيرة الذاتية، إلا ان ايجلتون لا يكاد يستغل هذا الدور، إلا في الجانب الذي يخدم أموراً يعتبرها أكثر أهمية كالمؤسسة الدينية التي يعمل لها، والتي يكتب عنها على نحو ساخر. يتحدث ايجلتون في مذكراته عن محصلة دراسته الابتدائية، فيتذكر على سبيل المثال انه الصبي الوحيد الذي كان يرتدي سترة، وكان يجلس بعيداً عن الآخرين، بسبب معاناته من مرض الربو ومن تفوقه على الآخرين، وبين أقاربه الآخرين كان هو الوحيد الذي استطاع ان يكمل تعليمه إلى المرحلة الثانوية، وطوال مرحلة دراسته الأساسية في مانشستر كان يعاني من نظرة الآخرين له بسبب انتمائه الطائفي، الأمر الذي كما يقول عنه «في البداية كنت أشعر بالقلق تجاه انتمائي الطائفي والعرقي، لكنني أصبحت بعد ذلك متحرراً من هذا الشعور حيث انه من الحماقة ان تعتقد بأنها ما يفصلك عن الآخرين بينما يمكن لك ان تتعداها وبما انه لم تكن لدي الرغبة في العودة إلى الوراء فإن الشيء الوحيد الذي فعلته هو المواظبة على الكتابة باسم هؤلاء الذين انتمي إليهم. أكثر مقالات ايجلتون تأثيراً في نفس القارئ هي المقالة التي يتحدث فيها عن أبيه الذي علم برحيله وهو يستعد لأداء امتحان القبول في جامعة كامبردج، يقول في هذا الصدد: «أحسست بالخدر ولم أدرك إلاقريبا بعد انتهائي من كتابة هذه المذكرات «الناطور» ان تركيزي في هذا الجانب كان منصباً على ردة فعل الاستاذ الذي نقل إليّ الخبر وليس ردة فعلي أنا أي انه انصب على المجهود الذي بذله لكي يتمكن من ابلاغي الخبر وليس على المجهود الذي بذلته أنا بعد ابلاغي بما حدث في أثناء دراسته الجامعية. تأثر ايجلتون بالناقد الكبير ريموند وليامز وبعد تخرجه حصل على منحة لمتابعة بحثه في الكلية اليسوعية، وفي تلك المرحلة كان عضواً ناشطاً في الكنيسة الكاثوليكية وأتاح لنفسه فرصة التأثر بأطروحات بابا الفاتيكان حول النزعة التحررية كما تأثر بأطروحات لورنس رايت الراديكالية. ايجلتون وكما يبدو على الرغم من ان يساريته السياسية كانت قد حلت محل نزعته الدينية الكاثوليكية إلا انه وباعترافه كان مسكوناً بالسؤال الذي طرحه جيمس جويس من قبل وهو «كيف يمكن للمرء ان ينأى بنفسه عن شيء مطبوع ثقافياً في داخله» ولهذا فهو كما يقول: ما زلت أثمن كثيراً الثقافة التي ورثتها وورثها الكثيرون غيري. يتطرق ايجلتون في كتابه إلى الحديث عن حياته العائلية وعن زواجه الأول في سنة 1966 وانجابه لطفليه وطلاقه في سنة 1976 وزواجه الثاني من الاكاديمية الأمريكية ويلا مارفي وانتقالهما للعيش معاً في ايرلندا حيث يجرب ايجلتون كما يقول حياته كأب في سن متأخرة قليلاً يشرف على تعليم ابنه اللغة الايرلندية في المدارس الايرلندية كما يتطرق إلى الحديث عن حياته الاكاديمية في تلك المرحلة ومعاناته من المشكلات التي كانت تتسبب له فيها خلفيته الاجتماعية الطائفية وادمانه على الشراب حتى السنوات التي قرر فيها التوقف نهائياً ثم انتقل للعمل كأستاذ في جامعة أكسفورد ويقول: «كنت حريصاً على وضع حاجز بيني وبين هذه المؤسسة» وفي تلك المرحلة عرف ايجلتون كمؤلف ومترجم. نشر كتاب ايجلتون «الايديولوجيا والنقد» في سنة 1976 وكما يرى العديد من النقاد فهو الكتاب الذي ربما كان يترجم حالة مؤلفه كأكاديمي يساري لامع خلال تلك السنوات، وفي هذا الكتاب يقوم ايجلتون العوامل الايديولوجية التي كانت تشوب في ذلك الوقت النظرية الأدبية قبل تقديمه للنقد اليساري الذي يطوق كلاً من الأساليب الاقتصادية والأدبية للانتاج وحسبما يعتقد فإن كل الأفكار التي تضمنها هذا الكتاب كانت قد جاءت من صميم التجربة التي مرت بها المجتمعات الانسانية في مرحلة أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات ولم تتبق حسب قول ايجلتون سوى بلورتها. كتاب ايجلتون التالي الذي لقي استقبالا طيباً على المستوى العالمي هو «نظرية الأدب» الصادر سنة 1983، وما يدركه المرء عن ايجلتون في هذا العمل هو قدرته على الايجاز ونقده لنظريات كنظرية الاستقبال واختبار الدور الذي يلعبه القارئ في الأدب التفسيري والبنيوي وما بعد البنيوي وتركيزه على البنيوية المولدة للمعنى والطريقة التي يتمكن النص من خلالها من هدم هذا المعنى. أهمية كتاب «ايجلتون «نظرية الأدب» كما يعترف تكمن في انه قام بنشره في المرحلة التي يصفها بأنها اسم المرحلة الفاصلة بين عقدين مختلفين تماماً، وبالتالي فهو لا يمكن له ان يتوقع من خلاله ما يمكن ان يمدك لاحقاً أو حتى ان يمسك بالتطورات التي حدثت في نظرية الأدب في ضوء السؤال «إلى أين يمكن لها ان تقودنا» وهو المأزق الذي يعيد مراجعته وأيضاً تجديده بشكل أساسي. ينتهي كتاب «نظرية الأدب بالدعوة الى طرح المزيد من النقد السياسي العملي الذي تمكن مناقشته ولعل هذا هو ما حدا بالآخرين الى منحه درجة الاستاذية في وارتون سنة 1991 وبشكل او بآخر فآن ايجلتون كان قد قدم نفسه كزعيم عالمي وهنا يقول عنه احد معجبي كتابه نظرية الادب «الخبز والزبد» «لقد تمت مكافأة ايجلتون على نحو اقل ما يستحقه لكنها لم تتم على نحو اقل مما يتناسب مع امكانياته. انه انسان ذكي للغاية وبامكانه ان يستوعب سريعا كتابا ثم يستخلص منه كل الاشياء التي تعيد تدعيم وجهات النظر التي يحملها ليوصلها الى قطاع كبير من القراء. يعرف عن ايجلتون انه ومنذ اواسط الثمانينيات ظل يمارس الكتابة الابداعية بالاضافة الى مساهماته النقدية وكانت روائية «قديسون وعلماء» قد صدرت في سنة 1985 وفي سنة 1989 اخرج مسرح فيلد واي مسرحيته «القديس اوسكار» التي انها عن اوسكار وايلد اما مسرحيته الثانية «الابيض» الذهبي والغرغرينة فقد نشرت في سنة 1993. مسرحية «القديس» اوسكار كما يشيد بها النقاد ويقول عنها مخرجها الكاتب المسرحي الراديكالي تريفور جريفتس هي العمل الابداعي الذي يبرز من خلاله ايجلتون كمؤلف موهوب وغزير الانتاج الفكري في الوقت ذاته وعلى الرغم من انني كنت اتخوف من العمل معه الا انني شعرت في النهاية كما لو أنني اصبحت اتعامل مع احد اقاربي من سالفورد، وبالنسبة لايجلتون يمكن للمرء ان يجزم بأنه هو الشخص الذي يعيش الحياة العملية من خلال افكاره التجريدية الا انه في حياته الاجتماعية انسان يتميز بالدفء والحميمية والصراحة والمرح. لقد جاء تحريض ايجلتون على الكتابة بالدرجة الاولى لدى بدئه مشروع الكتابة عن ايرلندا على نحو ابداعي قبل تفكيره في نشر اعماله الثلاثة الاولى في النقد والثقافة والنظريات ويقول: عندما كنت طفلا كانت ايرلندا تقبع في مكان ما في الخلفية التي انتمي اليها ولم تكن فكرتها قد سيطرت علي الى هذا الحد والمكان الاول الذي بدأت استمتع فيه بالموسيقى الايرلندية هو جامعة اكسفورد ومن خلال تلك الثقافة الايرلندية وكما يرى بعض النقاد فإن انتقال ايجلتون للعيش في ايرلندا خلال السنوات الاخيرة واقامته في منزل لا يبعد كثيرا عن المكان الذي يقيم فيه شاعر ايرلندا الكبير شيموس هيني من جهة وعن المكان الذي ولد فيه «تيسي» من الجهة الاخرى والشيء الوحيد الذي يمكن قوله عن المرجعية العقائدية الايرلندية هو انها واحدة من بين مرجعيات قليلة استطاعت ان تنشر الوعي الاخلاقي بين اتباعها على هذا النحو المعني بالقاعدة. ان مفكراً مثل ايجلتون لا يمكنه ان يكون واهما على الاطلاق بخصوص علاقته بخلفيته الثقافية او بايرلندا على وجه التحديد وبخصوص عالمية الفكرة هنا نقتطف له جزءاً مما قاله في مقدمته لكتابه هيثكليف والجوع العظيم، دراسات في الثقافة الايرلندية «بالنسبة لأي كاتب ايرلندي فإن مسألة الدخول في الجدل حول الثقافة الايرلندية والتاريخ تبدو مهمة محفوفة بالاخطار وبالنسبة لكاتب شبه غريب فإنها مهمة انتحارية. احدى المرات التي يعود فيها ايجلتون الى جذوره بشكل صريح كانت قد بدأت بانتقاله الى مانشستر ليقيم هناك ويعمل استاذا في جامعتها، وهنا يجد القاريء تعبيرا كهذا «واع الى حد ما» الذي يصف به نفسه وهو يغادر جامعة اكسفورد بعد 30 عاما امضاها في عمله كاستاذ للأدب الانجليزي هناك كما يصف به حالة الحزن التي ظلت تلازمه لفترة في الوقت على الرغم من وعيه الشديد بهذا الاجراء الخطير. تيري ايجلتون هذه الايام، كما تورد المصادر المقربة يشتغل على احد كتبه النظرية، التي يدور موضوعها حول الطبيعة ودور التراجيديا في الحياة والفن ومما يمكن قوله هو انه وبشكل اخر يعمل من اجل اخراج مناظرة في هذا الجانب بما تكون قد بدأت مع واحد من اساتذته في جامعة كمبردج قبل حوالي 40 عاما من الآن كان استاذي يمسح الارض معي لكنني الآن اصبحت مثله وإذا ما حاول الاخرون توجيه اللوم لي فإنني شديد الانسجام مع ذاتي على الرغم من ان هذا الانسجام قد لا يصبح فضيلة في كل الاوقات، الغريب ان ما اصبحت او من به الآن هو الى حد كبير مشابه لما كنت أؤمن به عندما كنت في العشرين من عمري وربما اكون قد عملت بشكل مختلف الا ان ذلك كله كان يقودني الى النهاية ذاتها. «اوهام ما بعد الحداثة» سنة 1996 احد اهم الكتب الصادرة مؤخرا لايجلتون وأحد اهم مؤلفاته في النقد الادبي ما بعد الحداثي التي يستكشف من خلالها اصول ونشوء مفهوم ما بعد الحداثة مزيلا الغموض عن جانب مهم يتعلق بازدواجيته وتناقضاته. وكما يبدو فان الاهتمام الرئيسي الذي ينصب عليه تركيز ايجلتون في هذا الكتاب هو الصيغ الاكثر تعقيدا لفلسفة ما بعد الحداثة الادبية عوضا عن التركيز على الثقافة ام بيئة ما بعد الحداثة ككل. «اوهام ما بعد الحداثة» يختلف ايضا في جمهور قرائه وجل ما يخاطبه هو التفكير ما بعد الحداثي الموجود لدى الاكاديميين من طلاب ومستهلكين، لهذا النوع من المفاهيم التي لا يتعامل معها الانسان العادي في الغالب. وعلى الرغم من تناول اجيلتون السلبي لهذا الموضوع الا انه يشير بشكل جيد الى جوانب القوة وجوانب الضعف في مفهوم ما بعد الحداثة الادبية الامر الذي لا يجعله قادرا فقط على استهداف واظهار اوهام هذه النزعة الادبية وانما التأكيد لتلاميذه انه يضع في اعتباره انهم لم يؤمنوا على الاطلاق بما كانوا يعتقدون بانهم كانوا يؤمنون به في المقام الاول. يرى ستيفن ريجان احد الذين اهتموا بنقد ايجلتون ان علاقة ايجلتون بالنظرية النقدية هي في النهاية مشابه لعلاقة ماركس بالفلسفة حيث يقول الاخير ان الفلاسفة لم يفعلوا شيئا سوى تفسير العالم بينما الاهم هو تغييره وكما ان الأخير هو عدو الفلاسفة فان تيري ايجلتون هو المعادي لواضعي النظريات وكل ما يعمل على انجازه هو نقد سياسي يستهدف الزيف واللاعلاقية التي تتميز بهما الكثير من النظريات النقدية. لكن فكرة الثقافة لدى ايجلتون تبدو محيرة على الاقل بالنسبة للقارئ العادي الذي احب ايجلتون ففي كتابه «فكرة الثقافة» يتراءى لك بعد قراءة الفصل الاول الذي يراجع فيه مفاهيم الثقافة السياسية والاجتماعية والثقافية انك لا تستطيع ان تقاوم النتيجة التي تأتي في النهاية وهي ان كلمة «الثقافة» هي بشكل مزودج شديدة الاتساع وشديدة الضيق في آن واحد مما يستحيل معه ان تكون بتلك الفائدة، لكنك وعلى الرغم من ذلك قد تقبل هذا التقييم لاثباته دقته على وجه التحديد. خاصة وان ايجلتون يقوم هنا بالبحث في مصادر كثيرة ومتنوعة ونظريات من ريموند وليام الى راسكين الى نظريات ريتشارد بورتجا في الفلسفة البراجماتيكية، السياسية وكل ذلك من اجل ان يلقي نظرة شاملة على الطرق المختلفة التي يمكن «للثقافة» ان نعرف بواسطتها ويمكن لها ان تستخدم لتفسير او التفاعل مع العالم المادي. ان اهم ما يمكن للمرء ان يقوله عن ايجلتون هو انه بارع في استخدام جذوره الفكرية الايرلندية الكاثوليكية التي جعلته يقوم بدوره كمفكر وناقد لا سيما وانها تجمع ما بين التفكير الدقيق المنضبط وبين الانظمة الحسية وبين المبادئ التحليلية والجمالية الاساسية وهي الامور التي سمحت له بتخطي مبادئ اخرى معاصرة كالليبرالية السياسية وغيرها «تستطيع القول بأن ذلك الشعور المنبه بالعالم الاخر الموجود في القصيدة الكاثوليكية كان قد تسيس وكراديكالي فان الشيء الذي لا استطيع تخطيه هو ان هناك من يتصور بأن هذا هو كل ما هو موجود». مريم جمعة فرج