بيان الكتب: عن دار المدى بدمشق صدر كتاب بعنوان « في اللغة والتفكير» لمؤلفه د. فؤاد مرعي استاذ مادة النقد الأدبي الحديث بجامعة حلب. ينطوي الكتاب على مقدمة وثلاثة فصول هي: الترجمة ودورها في التفاعل الفكري، طرق الترجمة، والاسلوبية «حوار في النظرية والتطبيق» في المقدمة يعرف المؤلف اللغة والتفكير ليخلص الى ان اللغة هي واقع وجود التفكير، وهي العنصر الذي تتجلي فيه حياة الفكر، وكلما كان التفكير حيا يقظا دقيقا كانت اللغة كذلك. بعد ذلك يتناول المؤلف ازمة اللغة العربية التي يرى انها لا تتمثل فيما ينتجه الاعلاميون والمفكرون والادباء فحسب، بل هي ازمة شاملة تواجهنا في كل مجال نستخدم فيه اللغة، انها ـ باعتقاد المؤلف ـ ازمة في الفكر الاجتماعي العربي وفي الوعي الاجتماعي العربي، قبل ان تكون ازمة اصابت اللغة العربية وتعليمها، فنحن الى اليوم لا ندرس كلام العرب المعاصرين بوصفه نشاطا كلاميا، اي صيغة من صيغ فعالية الناس الاجتماعية، بل ندرسه نصوصا كلامية ساكنة كانت صيغا لفعالية الناس الاجتماعية قبل أكثر من الف عام. ثم يعرض الكتاب لوظائف اللغة وعلى رأسها: التفاهم، وبعد التفاهم «اي تكوين المفاهيم الشاملة وتكوين الوعي». هذا بالاضافة الى وظائف أخرى كالوظيفة الاسمية «تسمية موضوعات الواقع» والوظيفة الجمالية «الكلمة الشعرية». والوظيفة السحرية «الكلمات الطقسية والتعاويذ» والوظيفة العاطفية «التعبير عن ردود الفعل العاطفية»، والوظيفة التحريضية «التأثير في المخاطب».. في الفصل الاول «الترجمة ودورها في التفاعل الفكري بين العرب وأوروبا في العصر الحديث» يعرف الكاتب الترجمة بأنها نشاط ضروري مواكب لوجود الانسان، وقد مارس الناس هذا النشاط على مر العصور وبفضله اقاموا حوارا بين حضاراتهم وثقافاتهم شمل العلوم والاداب بأشكالها كافة. ثم انه يميز بين الترجمة العلمية والترجمة الادبية، فالاولى تسعى الى التزام الدقة والموضوعية والامانة، اما الترجمة الادبية فهي عادة خلق للنص الاصلي. هذا وقد كان للترجمة في عصر النهضة دور مهم للغاية في تكوين الفكر العربي الحديث، لأن النهضة كانت ـ بمعنى من المعاني ـ حركة ترجمة أملاها وعي المتنورين العرب بالتخلف عن أوروبا، فاتخذت شكلا مباشرا من خلال ترجمة المؤلفات الأوروبية، وشكلا غير مباشر من خلال نقل افكار الاوروبيين. وقد سلك المنورون تجاه الترجمة مسلكا تميز بسمات أهمها: تحوير اسم العمل الادبي المترجم وتعريبه، وتحميله أفكار المترجم نفسه، وكثيرا ما كان يهمل اسم الكاتب الاصلي، ولا سيما اذا كان الكاتب مغمورا ليحل محله اسم المترجم. اما الطرق التي اتبعها المترجمون في عملهم فكثيرة ومنها: الاقتباس من التراث والأقلمة والاشتقاق والتعريب اللفظي. كما تطرق الباحث لحركة الترجمة بعد استقلال البلدان العربية وترجمة أعمال المفكرين الوجوديين، وترجمة الكتابات الماركسية، واعمال البنيويين التي نقلت في العشرين سنة الاخيرة الى قراء العربية وهي تغص بالفوضى، مما ادى الى تردي الترجمة بسبب نزعة الاستهلاك الايديولوجي، التي عملت على ترجمة الاعمال الماركسية عن الروسية والفرنسية والانجليزية، قبل ان تترجم اعمال هيجل وفيورباخ وماركس وانجلز بعشرات السنين. بعد ذلك ينتقل المؤلف للحديث عن الاسلوبية، فيعرض لها من خلال علم اللغة وعلم الادب، ثم يخلص الى ان مفهوم «الاسلوب» في علم الادب أوسع من مفهوم الاسلوب في علم اللغة. فالدراسة الاسلوبية الادبية تختلف عن الدراسة الاسلوبية اللغوية بموضوعاتها وطرق دراستها للنسيج اللغوي في الأعمال الادبية. كما وتهدف الدراسة الاسلوبية الادبية الى الكشف عن طريق التحليل المناسب للقوانين والادوات الاسلوبية المستخدمة في تنظيم العمل الادبي وتحديد اسلوب الكاتب والتجلي الذاتي لاسلوب المدرسة الادبية التي ينتمي اليها. هذا وينطوي الفصل على عدة عناوين جانبية، كدراسة النصوص الادبية بطرائق علم اللسان، وكيف يفهم الاسلوبيون الادب، والادب اكتشاف للعالم ومعرفة بالصور، والخاصة التصويرية في الادب والفنون الاخرى، والكلمة وسيلة التصوير الفني في الادب، وفي العلاقة بين النص الادبي والمتلقي، والحد الفاصل بين النقد الادبي كما نفهمه وبين ما يفهمه الاسلوبيون، واخيرا الاسلوبية ليست بديلا للنقد الادبي بل مدرسة للتفكير الشكلي. جدير بالذكر ان الكتاب يشكل اضافة جادة وخطوة عملية هادفة في سبيل تحرير اللغة العربية من سطوة القوالب الجامدة، وادخالها في نطاق الآلام العامة القلقة الراغبة في مزيد من الصحو والجسارة والعناء والتأمل العلمي. صباح فاروق كيالي