بيان الكتب: الكتابة عن الاشياء الصغيرة والبسيطة تترك صدى كبيراً لدى القراء، خاصة اذا تناولت تلك الكتابة شأناً حياتياً يتعرض له الجميع، لذلك نرى رواجاً كبيراً للكتب التي تبحث في تفصيل بسيطة لدى الغرب، ولا يعني ذلك ان القضايا الكبيرة لا وزن لها في حياة الناس، او ان الكتابة عنها لا جدوى من ورائها. لقد اتاحت عشرات الكتب الباحثة في قضايا بسيطة للقاريء ان يحدد جغرافيته من خلال علاقته بالاخر وبالمكان، ويأتي كتاب نقطة التتويج ليعزز هذا القول فهو يبحث في قضايا بسيطة ولكنها مقروءة ولها رصيد كبير في الحياة. فقد اشار مؤلف الكتاب مالكوم جلادويل الى ان الاشياء الصغيرة تصنع الفروق الكبيرة ودلل على ذلك بعود ثقاب صغير يمكن ان يشعل حريقاً كبيراً. ونحن اذ نعرض هذا الكتاب الان فذلك يعني قيمة اضافية للملحق الذي يعنى بالكتاب الجديد اصداراً وموضوعاً. ولن ننسى ان الكتابة العربية الجديدة عانت ولفترات مختلفة من اعادة الانتاج والتكرار والنمطية في مواضيع يعتقد مؤلفوها انها كبيرة وانها ستدخلهم الى تاريخ القراءة، وبمراجعة بسيطة لتلك العناوين سنجد مواضيع الصراع العربي الاسرائيلي والوحدة العربية وخلود الامة والماضي العريق والقيادات الحكيمة لكل بلد، من ابرز المواضيع التي صرف الكُتاب دهراً في تحليلها وتفنيدها وحبّروا آلاف الصفحات وملأوا ملايين الاسطر في شأن واحد. وكان كافيا ان يكون هناك كُتب محدودة العدد للحديث عن تلك المشكلة بطريقة علمية ومنهجية صحيحة بعيداً عن التسرع والكتابة الانفعالية التي يختلط فيها حماس التاريخ بطموحات المستقبل والتي يعلو فيها الصراخ ويكثر فيها الضجيج وتقل فيها المعلومة. هذه النوعية من الكتب لم يسع مؤلفوها الى كشف الحقائق لانهم لا يمتلكون معلومات عنها، بل سعوا الى تنصيب انفسهم خبراء في شئون الصراع العربي الاسرائيلي وشئون الوحدة العربية او الحديث عن الماضي العريق كاحدى وسائل الاسترزاق في ظل غياب حقيقي لكاتب ومؤرخ ومؤرشف لديه مفاتيح تحليل وفق معلومات وأرقام وتواريخ يستند اليها والمؤسف في ذلك ان مئات من تلك الكتب تجد طريقها للنشر عبر دور نشر لا تعي من مسألة النشر سوى الانتشار والربح وليس المعلومة والخدمة الانسانية التي تقدم للقاريء، ويمكن تعزيز هذا القول عبر زيارة سريعة لأي معرض كتاب في أي بقعة عربية لنتأكد من ذلك، واذا كانت هناك نماذج مغايرة لما أوردناه سابقاً فانها نماذج بسيطة جداً ولا تكاد تذكر وسط هذا الكم الهائل من المواضيع المكرورة والمملة، وهي نماذج لا تزاحم في معادلة النسبة والتناسب التي تقول ان كتاباً عن الوقت الذي يهدره الانسان العربي في الثرثرة لا يمكن ان يقف في وجه كتاب يتحدث عن اسرائيل من منظور القوة العسكرية. وباعتقادنا ان الوقت المهدور اكثر أهمية من كتاب قوة اسرائيل العسكرية من حيث جدة الموضوع وحيويته، حيث اننا لا نعي كم من الوقت الضائع في بلاغات الخطابة والكلام يؤثر سلباً في حياة مجتمعنا في حين اننا نعرف وعبر عشرات الكتب المماثلة ان اسرائيل لديها قوة عسكرية كبيرة وتريد ان ترهب العرب وتحتل اراضيهم. والأمثلة قد تكون كثيرة حول ذلك ولكن ما يهمنا فعلاً هو منح بعض الوقت وبعض الصفحات للاشياء الصغيرة والبسيطة في الكتب لانها بداية وعي حقيقي لمشكلات المجتمع من الداخل والاعتراف بها والتعامل معها بجدية وليس القفز فوقها باتجاه قضايا كبيرة لا تُشّبع تحليلاً وتغيب عنها منهجية الطرح والمعالجة. حسين درويش