في حفل ختام الدورة الثانية عشرة لمهرجان دمشق السينمائي الدولي جرى تكريم المخرج الايراني عباس كياروستامي ـ وكان قد عرض له في منتصف ليل اليوم السابق فيلمه الاخيرة فكيْن وهو فيلم تسجيلي قصير من انتاج الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة، وقد تم تصويره بكاميرا رقمية صغيرة ويدور حول مأساة ضحايا مرض الايدز في افريقيا حيث اصبح الموت جزءا من الحياة اليومية ـ كيف تأقلم الناس مع الأحداث رغم معاناتهم ورغم فراق أحبابهم الصغار الأطفال الابرياء الذين يلقون في صناديق صغيرة.. ومع هذا فإن الحياة تستمر.. فهناك مشاهد للأطفال وهم يلعبون ويمرحون وهناك شهدت زفافاً وأناساً يضحكون.. وقد خلف مرض الايدز وراءه مليوني ضحية، الفيلم ـ أضاع الكثير من قيمته الفنية دور مدير التصوير سيف الله صعديان. في ظهر اليوم التالي ـ والناس تترقب اخبار الجوائز وحضور حفل الختام، لم يحضر اللقاء الصحفي الا عددا قليلا من الصحفيين ولم يأبه كياروستامي لقلة العدد، وكانت الاسئلة والمناقشات على مستوى عال، وكانت الترجمة بين الفارسية والانجليزية، والعربية. في البداية أبدى كياروستامي سروره للحضور الى دمشق للمرة الأولى والفضل يرجع لمهرجان القاهرة الذي كرمه ورأس لجنة تحكيمه حيث التقاه محمد الأحمد مدير مهرجان دمشق ووجه اليه الدعوة.. ـ كيف تمكنت السينما الايرانية رغم القيود ان تنجز هذه النجاحات العالمية؟ ـ كل السينمائيين الايرانيين يسألون انفسهم هذا السؤال ـ كيف تمكنت السينما الايرانية رغم كل القيود التي تواجهها ان تحقق هذا النجاح، خاصة ان هذا لا ينعكس فقط على صناعة السينما بل يمتد الى مناحي أخرى.. وأرى هذه القيود قد أعطت حافزا دافعا.. وحاجة للاختيار، وفي السنوات الأولى للثورة الاسلامية لم يكن باستطاعة السينمائيين أن يقوموا بانجاز أي فيلم، ولكن لحسن الحظ فإن هذا الوضع لم يستمر طويلا، فقد استطاعوا أن يجدوا طرقا للالتفاف، حول هذه القيود، واقتبس كياروستامي قول صديق مهندس معماري له أن العمل على أرض غير مستوية أسهل من العمل على أرض مستوية. وفي الاطار نفسه، أجاب كياروستامي عن سؤال حول الرقابة في ايران وقال: قد تكون عندنا رقابة أوسع، وقد أعطت هذه القيود الرقابية انطباعا خاطئا عند الكثيرين.. ولكن كما يقولون «رب ضارة نافعة» فإن تطور صناعة السينما الايرانية وما تحققه من نجاح، يساعد على رفع هذه القيود تدريجيا، كما ساعد على حسم الاختيار، وأذكر عندما كنت طفلا صغيرا أن طلب منا المدرس أن نكتب في موضوع نختاره نحن التلاميذ بلا تحديد فلم نستطع أن تكتب شيئا! ـ حول فيلمه التسجيلي ABC Africa قال كياروستامي: ـ لقد تخلى العالم المتحضر عن افريقيا جنوب خط الاستواء بكل مآسيها وآلامها فوجدت الأمم المتحدة من خلال احدى منظماتها تحاول حفز هذا العالم الى القيام بمسئولياته نحو هذه القارة. وأود أن أذكر هنا ان بعض الايرانيين قد انتقد استخدامي مقاطع من الموسيقى الكلاسيكية ـ الغربية ـ وكان ردي عليهم ان هذه الموسيقى الكلاسيكية لا حدود لها وهي ملك للإنسانية وللجميع. وقد ساهمت هذه الموسيقى في توصيل رسالة الفيلم الى العالم للعمل على الحد من تفاقم مرض الايدز وغيره من الأمراض مثل الملاريا. ـ عرض في احدى دورات مهرجان دمشق الفيلم الايراني «المتبقي» للمخرج الايراني سيف الله داود، ولعب أدواره ممثلون سوريون.. لماذا لم تتكرر هذه التجربة الوحيدة ويقوم تعاون بين سينمات متقاربة؟ ـ هي تجربة هامة بلا شك نرجو أن تتكرر، وعندما شاهدت الفيلم السوري قمران وزيتونة للمخرج عبداللطيف عبدالحميد وجدت تشابها بينه وبين بعض الأفلام الايرانية ـ ربما يكون قد استفاد من بعض أفكارها ـ وربما هناك مؤثرات من الواقعية الايطالية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية في السينما الايرانية. ـ ما رأيك في سيطرة التكنولوجيا على الأفلام الحديثة رغم أن السينما الايرانية ببساطتها ـ مازالت لها جمهورها؟ ـ ينقسم المشاهدون لهذا النوع من الأفلام التي تعتمد على التكنولوجيا الى قسمين احدهما يحب هذا النوع بابهاره وتقنياته، والثاني يفضل السينما كفن، وهذا القسم هو الذي يحب ويشجع السينما الايرانية ـ ولكن المشاهدين الذين يفضلون الأفلام ذات التقنية العالمية هم الاغلبية، وهذه النوعية من الأفلام هي المسيطرة التي تكتسح الأسواق العالمية ـ ولكن ليس معنى هذا أن الأفلام غير المنتجة في هوليوود ليس لها مكان ـ رغم انه في فرنسا وهو بلد مشهور بالفن الرفيع 90% من الأفلام أمريكية ـ وفي ألمانيا يصل الرقم الى 97% ـ ومع هذا فإن سينما الفن لها طريقها ـ وقد حدث تغيير خلال السنوات العشر الاخيرة استطاعت هذه السينما المختلفة أن تجد طريقها الى المشاهدين في كثير من بلاد العالم ـ رغم أن ليس لها القدرة التكنولوجية وأرى ان الجمهور قد أصابه قدر كبير من الاشباع من الأفلام القائمة على التكنولوجيا ويتجه الى الافلام التي تعيد الروح للموضوع، وتتناول مشاكلهم والفيلم السوري قمران وزيتونة مثلا استخدم مخرجه تقنيات متواضعة لايصال فكرته للمشاهدين ـ وأرى أن بعض المخرجين يستخدمون التقنية بشكل سيئ من أجل الاستفادة المادية وتحقيق الربح فيقدمون أفلاما من خلال التقنية وهذا أمر عكسي فهم يخدمون التقنية، بدلا من خدمة الجمهور، في حين أن سينما الفن تعمل على تقديم رؤية فنية بشكل ومضمون لائقين. القاهرة ـ فوزي سليمان