ربما كان الالتزام الفائق بالأعراف العامة و«عقلية الجماعة» هي السمة الأكثر بروزاً للشعب الياباني وحياته، إذ ان الاحساس بما هو مقبول وغير مقبول في السلوك الخاص والعام ومباديء «ماء الوجه» والحرية والخصوصية كلها أمور تحكمها وتمليها حساسيات المجتمع العامة بدرجة تفوق كثيرا ما يمكن رؤيته مثلا في المجتمعات الغربية. وحتى الدستور الياباني الذي اعتمدته البلاد بعد الحرب العالمية الثانية والذي فرض عليها ليكون على النموذج الامريكي يقول في احدى مواده انه يضمن حرية وخصوصية الفرد الى أقصى حد ما لم تتعارض مع المصلحة العامة. وبالتالي فإن المسئولية تجاه المجتمع تأتي بعد المصلحة العامة، على عكس ما هو سائد في الديمقراطيات الغربية التي تضع حرية الفرد أولاً. وبإمكان الزائر لليابان ان يلمس السلوك الجماعي عند اليابانيين حتى في أوقات الفراغ ومناسبات المسرح حيث يفضلون التمتع بأمن الجماعة. وعلى سبيل المثال، يمكنك في احد المواقع السياحية ان تجد مجموعة من السياح اليابانيين وهم يحملون المظلات نفسها بالألوان ذاتها وهم يقفون الواحد بجانب الآخر ويتحركون معا بسرعة ويتبعون مرشدا سياحيا كظله. وأي تصرف ينم عن الانسياق وراء الفردية سيكون سببا للضيق بين الآخرين. وبالطبع، فإن الأمر يتجاوز مجرد الدقة والكفاءة في التخطيط والترتيب الذي يعرف عن اليابانيين. فعلى سبيل المثال، تجد ان أي نشاط سواء أكان حركة القطارات أو مواعيد الباصات أو غيرها يجري ضمن جداول متناهية في الدقة لا تسمح بتجاوزها ولو دقيقة واحدة. واذا قال لك ياباني مثلا: «نلتقي بعد ثلاث دقائق» فهو بالتأكيد لا يعني خمس أو عشر دقائق تقريبا. بل هو يعني ثلاث دقائق على وجه التحديد. طبعا، هذا لا يعني القول ان الانسان الياباني يفتقد معنى الخصوصية الفردية، لكن التناغم والانسجام الاجتماعي هو الذي يعتبر الفضيلة العظمى. وفعل ما يفعله أي ياباني آخر هو السبيل الأسلم للسلوك، فغالبا ما تسمع أحدهم يقول العبارة التالية: «نحن اليابانيون نعتقد/نشعر/نؤمن/نحب...». غير ان «عقلية الجماعة» هي بشكل أو بآخر ضرورة يابانية إذ بوجود أكثر من 130 مليون نسمة يعيشون في بلاد لا تزيد مساحتها على 145875 ميلاً مربعاً، تبلغ الكثافة السكانية في اليابان حوالي 90 نسمة في كل ميل مربع. لكنها في واقع الأمر أكثر من ذلك، إذ بسبب كثرة السلاسل الجبلية القاسية يعيش معظم السكان في أقل من ثلث مساحة البلاد. ومع ان المناطق الريفية تشكل بعضا من الفسحة السكنية للبعض ومتنفسا طبيعيا للبقية، فإن معظم المناطق المدنية مكتظة جدا بالسكان. إن عُشر سكان اليابان يعيشون في طوكيو ويوكوهاما، وتبلغ الكثافة السكانية في العاصمة طوكيو أكثر من 14 ألف نسمة في كل ميل مربع. وبالنظر لهذه الحقائق فإن من المدهش حقا مستوى النظافة والأمن الذي تعيشه المدينة، ومشاعر النظام والأدب في التعامل تمكن هؤلاء البشر من التعايش معا في مستوى ممتاز من الانسجام. والناس هناك لا يميلون لمحاولة جذب انتباه الآخرين لهم كما يفعل الغربيون بصرعاتهم مثلا، كما يبدون وهم يتجاهلون بعضهم البعض. ومن لا يعرفون بعضهم لا ينظرون في وجوه بعضهم مباشرة، وبالنظر لهذا الازدحام فإن التصادم بين المشاة أمر لا مفر منه، لكن الأسوأ منه هو ان يتوقف المتصادمون للاعتذار لبعضهم. وإذا ما عرفنا ان متوسط مساحة السكن في اليابان هي حوالي 125 قدما مربعا للفرد في الريف والمدينة ومقارنة ذلك بأهمية العائلات الكبيرة في التراث الياباني ووجود عدة أجيال من العائلة نفسها في المسكن نفسه يتضح ان ضبط النفس والتأدب والأخلاق الحميدة هي مهارات اجتماعية ضرورية لابد من اتقانها اذا ما أريد ارساء الهدوء بين الناس. وبالتالي فإن «عقلية الجماعة» عند اليابانيين هي سبيل الأمان أكثر منها شكل من أشكال العقلية النفسية. غير ان هناك عوامل تاريخية لعبت دوراً موازياً في تشكيل الشخصية الثقافية والنفسية لليابانيين، وربماكان اهم هذه العوامل هو التاريخ الاقطاعي لليابان وخصوصاً في عهد توكوجاوا (1603 ـ 1867) وفيما يحتفي بها اليابانيون اليوم لإرثها من الرمزية الثقافية، الا انها كانت في اغلبها من اكثر تاريخ اليابان قسوة وشدة حيث كانت معاييرها العسكرية تتطلب انضباطاً مطلقاً من البشر. وكان الظهور بمظهر المختلف عن الاخرين يعني التمرد والتعرض للخطر. فالحياة كانت تخضع في ادق تفاصيلها للقواعد التي يضعها رجال الحكم وغالباً ما كان الموت هو عقوبة عدم الالتزام بقواعد السلوك. وعلى الرغم من تأثير الحقبة الاقطاعية في ترسيخ القيم الثقافية اليابانية، فإن هذه المعايير قد ترسخت ايضاً بفعل تقاليد ديانتي الشنتو والبوذية. فقيم مثل بر الآباء واحترام الكبار هي معايير شديدة الأهمية في العلاقات الانسانية والسلوك البشري بشكل يستغربه الغربيون بل ويجدونه متخلفاً. أضف لذلك ان معظم اليابانيين هم من المتدينين. وتقول الاحصائيات ان 93 مليونا يدينون بالبوذية و112 مليونا يدينون بالشنتوية، وهذا يعني ان الغالبية الكبرى منهم هي ثنائية الدين على الرغم من ان هذين الدينين ليسا مذهبين وإنما هما عقيدتان مختلفتان احداهما عن الاخرى. جلال الخليل