كان ارنستو جيفارا رحالا وثوريا، امضى حياته كاملة وهو يعيش وفق هذا النمط، فالرجل الذي ناضل خمس سنوات مع رجال حرب العصابات في جبال السييرامايسترا، والذي كان رئيس البنك الوطني ووزير الصناعة في كوبا، والذي انجز مهمات دبلوماسية في دول عديدة منها الهند، الصين، الاتحاد السوفييتي. والذي تحول في نهاية المطاف الى اسطورة عندما اعدم على يد القوات الحكومية البوليفية، اعتبر دائما جوّاب آفاق، وكان كذلك بالمعنى الحرفي للكلمة حيث اعتاد ان يقول: «لا اعرف حدودا. فالعالم بأسره وطني». وكان جيفارا المولود في عام 1928 قد انجز اولى رحلاته الكبرى عبر امريكا الجنوبية قبل ان يكمل الحادية والعشرين من عمره وقبل ان تصاغ روحه الثورية بكثير، وذلك برفقة البيرتو جرانادو، وهو ارجنتيني اخر عاش معه، طوال تسعة اشهر، تجارب عديدة انعكست جميعها على صفحات كتاب «رحلة عبر امريكا الجنوبية» وهي الرحلة التي اخذت جيفارا الى كل من تشيلي وبيرو وكولومبيا وفنزويلا. لكن الكثير من انصاره لا يعرفون ان هذه الرحلة تبعتها رحلة اخرى، وهذه المرة كانت بصحبة صديقه كارلوس فيرير الذي انطلق معه بين عامي 1953 و1956 ليتعرف على تسع دول في جنوب امريكا ووسطها وذلك الجزء من الكرة الارضية الذي كان يروق له ان يطلق عليه اسم «امريكتنا الكبيرة» وبعد ان عبر بوليفيا كانت اللحظات التي قضاها في امريكا الوسطى «بنما، كوستاريكا، نيكاراجوا، هندوراس، السلفادور، جواتيمالا» كفيلة بأن تجعله يدرك ان سكانها يخضعون للاستغلال. ولقد استخرج هذا العمل من ارشيفه الشخصي في هافانا، وهذه هي المرة الثانية التي يصدر فيها كتاب من هذا النوع، لكنه كتاب مختلف عن سابقه، حيث كتب بحيوية شاب لم يكن قادرا على ان يتخيل حينها انه سيتحول الى اسطورة وقدوة ومثال للارواح الثائرة لعدة اجيال مقبلة. ذلك ان الدم كان يغلي في عروق تشي وكان يمتلك ايضا وعيا اجتماعيا هائلا، الامر الذي جعله مرهف الحس حيال مشكلات الناس ومآسيهم.والنصوص التي يضمها الكتاب بسيطة، وكأنها مجرد تعليقات، لكنها تتمتع بقوة هائلة، وتندر فيها القيمة الأدبية، كما يحتوي الكتاب على العديد من الصور الفوتوغرافية غير المنشورة، والتي وزعت على طول صفحاته. ولقد وضع جيفارا النقطة النهائية لهذه اليوميات الاخيرة في شهر فبراير من عام 1956، قبل وقت قصير من تحوله الى رجل حرب عصابات ويبحر مع فيدل كاسترو على متن زورق قديم اسمه «جرانما» وذلك حين ارادا ان يكونا «أحرارا أو شهداء»، لكن هذه قصة اخرى.