بيان الجمعة: جدير بمن منّ الله عليه بأداء فريضة الحج وتذوق حلاوة الطاعة والعبادة واستمتع بثمرات الحج في روحه وبدنه ان يعود من هذه الرحلة العظيمة بمكاسب ومغانم كثيرة. يقول صلوات الله وسلامه عليه: «من حج فلم يرفث ولم يفسق عاد كيوم ولدته أمه» و«الحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة». فالمسلم يرتبط ارتباطاً وثيقاً ببيت الله الحرام لأنه أول مسجد بني على ظهر الأرض لتوحيد الله عز وجل بني على أنقاض الوثنية التي حاربها ابراهيم عليه السلام طول عمره وبني ليكون علماً للتوحيد وراية للإيمان الخالص المنزه فلابد ان يكرم هذا البيت ولابد لكل مسجد ينشأ على ظهر الأرض ان يتبعه «ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره». وفي طواف المسلم حول بيت الله الحرام تسبيح وذكر لله يقول صلوات الله وسلامه عليه: «من طاف بالبيت سبعاً ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات وكتبت له عشر حسنات ورفع بها عشر درجات» بكل هذه المعاني لا ينقطع الحاج عن ذكر الله بل لابد ان ينشأ أولاً في الشعور والوجدان ثم يفيض على اللسان مناجاة وحمداً وتسبيحاً وتنزيهاً فحينئذ يكون من الذاكرين حقاً الذين أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً. ولابد ان يتذكر الحاج أن الذي يذكر ربه يذكره ربه كما يقول الله عز وجل في حديثه القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» فما أعظم هذا الذي يذكره ربه ويرعاه، والانسان في أمس الحاجة إلى الدعاء لأنه لجوء إلى الله وتطلع إلى خزائن نعمته والله وحده هو الذي يملك الاستجابة ويملك العطاء، والدعاء أفضل العبادة والذكر: «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء». وبعد أن استمتع الحاج بالسعي بين الصفا والمروة وفي هذه الشعيرة رمز لأمر يحتاج إليه المسلمون احتياجاً شديداً هذا الأمر يتعلق بالاعتماد على الله عز وجل مصدر القوى ومنبع الخير ولابد ان تزداد الثقة في الله وتضعف العلاقة بالماديات وليس معنى هذا ان يستكين الانسان أو يتواكل ولكن لابد ان يأخذ بالأسباب لأن التوكل على الله شيء خطير، وعندما تساق الأمة إلى مكان نبع الماء فيه من صحراء لا ماء فيها ولا زرع ولا ضرع يعرف الناس ان الانقطاع عن الله جريمة وان الانقطاع إليه هو الاتصال كله، وهو الخير كله، ثم نخلص إلى جانب الرحمة في موقف هاجر من ولدها اسماعيل عليهما السلام هذه الرحمة نحن في حاجة إليها ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن» فالحاج قد اكتسب وازداد من الرحمن في سعيه فلابد ان تكون الرحمة سلوكاً في حياته بعد عودته من أداء الفريضة حتى يكون من الذين يرحمهم الرحمن. وفي الوقوف بعرفات تتجلى الرحمات والتجليات ويباهي الله ملائكته بحجيجه ولن يغادروا المكان إلا وقد غفر لهم يتذكر الحاج ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف هذا الموقف منذ خمسة عشر قرناً من الزمان وأرسى حقوق الانسان في خطبته الجامعة ونظر إلى بيت الله الحرام قائلا: «ما أطيبك وما أطيب ريحك وما أعظمك، وما أعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم حرمة منك» ولابد ان نتذكر ونطبق: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» والقرآن الكريم لم يسم الجمرات رمي الجمرات وإنما سماها ذكراً فقال: «واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى»، هذا الذكر نحارب به نزغات الشيطان ونغالب به الهوى وبذلك نكون قد تخلصنا من أكبر مصدر للشر والفساد يزين للانسان الصد عن عبادة الله وطاعته. بكل هذه المعاني يكون سلوك الحاج بعد عودته من الأراضي المقدسة تقرباً إلى الله بمنهج دقيق لا تطغى فيه الدنيا على الآخرة ثم تفيض النفس بعاطفة الحب نحو الخالق لأنه واهب الحياة ومفيض النعم وصاحب الفضل والاحسان. وتوكل أخي الحاج على الله حتى تسد أبواب القلق وتقضي على الحيرة والتردد والزم كتاب الله أخي الحاج فهو روح الهداية في هذه الدنيا ونقطة التحول في تاريخ البشرية فكن وثيق الصلة به وعش معه فهو حبل الله المتين وصراطه المستقيم وأدِ حق الله في مالك حتى يشيع الخير بين الناس فالمنفقون في رحمة الله ورعايته: «ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون» وعليك بالصدق في القول والعمل فهو طريق مأمون ينتهي بك إلى رضوان الله وينمي الخير في نفسك واجعل الأمانة شعارك لأنه: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» وهي خلق من أخلاق المسلم التي تنبع من عقيدته وتدل على صدق اتجاهه وشرف غايته. وكن متسامحاً مع الخلق فالحلم والعفو منزلة من منازل الايمان وليس علامة ضعف أو امارة جبن والتسامح يصدر عن وعي بأمن المجتمع وسلامته فصغار الشرور تهيج كبارها والتنازع يودي بقوة الجماعة. وختاماً وبعد ان تلاقت الملايين من مختلف أقطار الأرض متجردين متحررين تتهيأ نفوسهم للوحدة فلابد ان نستمثر هذه الفرصة ونعرض على صعيد الوحدة كل ما لدينا من حصيلة العلم والتجربة ونرسم الطريق لتحرير أوطاننا واسترداد حقوقنا ورفع مستوى الحياة في شعوبنا وتحقيق القوة والعزة والوحدة للمجتمع العربي والاسلامي الذي اختصه الله بكثير من المزايا: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله». أحمد عبدالتواب أحمد