بيان الجمعة: فرضت قضية تطوير الخطاب الديني نفسها على المؤسسات الاسلامية والدعوية في أعقاب أحداث سبتمبر الماضي وتداعياتها التي لا تزال حتى الآن، فقد وجهت الاتهامات الى الدعاة والخطباء، بأنهم يستخدمون لغة عنيفة غير متسامحة مع الآخر قد تؤدي الى تطرف بعض الشباب أو يغرقون في الماضي وتمجيد التراث دون محاولة لمعالجة مشكلات الحاضر أو عرض القديم بأسلوب يساير التطورات والمستجدات. وأعلنت اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري عن وضع استراتيجية لتطوير الخطاب الديني من خلال دراسة المشكلات التي تواجه هذا الخطاب وتأهيل الدعاة وتطوير المناهج في المعاهد الدينية والكليات الشرعية حتى تواكب متطلبات العصر. ومن ناحية أخرى شكل المجلس الاعلى للشئون الاسلامية لجنة لوضع اسس وضوابط معاصرة للخطاب الديني يلتزم بها الدعاة داخل مصر وخارجها. وعلى الصعيد العالمي هناك ضغوط من جانب الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية على العالم الاسلامي لتطوير الخطاب الديني والمناهج الدينية لانها ترى ان هذا الخطاب ومؤسسات التعليم الاسلامي تتحمل جزءا من المسئولية عن أحداث سبتمبر وعن كراهية الشباب المسلم للغرب بصفة عامة. كيف يمكننا تطوير الخطاب الديني؟ وماالذي يجب أن نتجنبه أو نركز عليه في خطابنا؟ في البداية يؤكد الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الازهر ان الخطاب الديني يجب ان يكون نابعا من القرآن الكريم ومن السنة النبوية والاحكام التي جاءت بها شريعة الإسلام لتحقيق سعادة الانسان في الدنيا والاخرة مشيرا الى ان من أهم النقاط التي يجب تجاوزها ان الخطاب الديني في بعض الاحيان يكون انعكاسا لتوجهات شخصية أو خلفيات ثقافية ضيقة ويحاول الداعية فرض رؤيته من خلال لي أعناق النصوص وتحميل آيات القرآن وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - مالا تحتمل ويضيف نحن نريد خطابا دينيا لا يكون الماضي كل همه وانما يوظف هذا الماضي في خدمة الحاضر ويواكب الأحداث التي نعايشها ويبين الاحكم الشرعية في كل منها مؤكدا أن تطوير الخطاب الديني ليس معناه التنازل عن أمور موجودة في الدين أو تسييس أمور اخرى لتستقيم مع توجهات تفرضها هذه الدولة أو تلك لأن ذلك لا نرضاه لانفسنا أو لغيرنا وانما كل مانريده ان يتوافق خطابنا مع تعاليم دينيا. ويشير الى أن هناك عشرات الآيات في القرآن الكريم نزلت في أحداث معينة وبالتالي يجب الا يكون خطابنا الديني منعزلا عن الأحداث وانما يجب ان يجاريها وان يرشد سلوكيات الناس وينقلهم الى كل ماهو حق وخير. ويرى ان الخطاب الديني يجب ان ينتهج النهج القرآني حتى نستطيع الوصول الى قلوب المسلمين وغير المسلمين وهذا النهج يوضحه قول الله تعالى «ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» مشيرا الى أن من يخرج خطابه عن هذا المنهج أو من يحاول ان يفرض على الناس مايؤمن به بالقوة ليس من الاسلام في شئ وكذلك من يتفوهون بألفاظ لا تليق أو تخرج عن تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية. خطاب نظري ويرى الدكتور السيد محمد الشاهد الأستاذ بكلية اللغات والترجمة جامعة الازهر ان تطوير الخطاب الديني أصبح ضرورة ملحة في العصر الحاضر حتى نستطيع الوصول الى الرأى العام في البلاد الغربية والتأثير فيه وتصحيح صورة الاسلام والمسلمين لديه مشيرا الى أن صورة الاسلام لدى الغربيين مشوهة بسبب وسائل الاعلام الغربية التي يسيطر عليها الصهاينة ويوجهونها ضد الاسلام والمسلمين لكن ذلك يتطلب وسائل اعلام متطورة واعداد خطة للاعلام الاسلامي تكفل له الوصول الى الغربيين. ويشير الى أن الخطاب الديني الحالي نظري وليس علميا فهو مثلا يدعو الى الالتزام بالموضوعية والواقعية والعقلانية لكن ليست لديه وسائل علمية لتحقيق ذلك موضحا ان مانريده هو ربط الخطاب الديني بواقع المسلمين ومشكلاتهم سواء في البلاد الاسلامية أو غير الاسلامية وتطوير فقه الواقع وفقه المقاصد والعلل وفقه الاقليات المسلمة التي تعيش في مجتمعات غير اسلامية والاقليات غير المسلمة التي تعيش في مجتمعات اسلامية وتوجيه هذا الخطاب لغير المسلمين وللمسلمين الذين يتعرضون لتشويش عقيدتهم في البلاد غير الاسلامية والذين يعيشون مشكلات لا نعرفها نحن الذين نعيش في مجتمعات اسلامية. ويضرب الدكتور الشاهد بعض الأمثلة لمشكلات فشل الخطاب الديني الحالي في علاجها منها زواج المسلمة من غير مسلم في التجمعات الغربية ففي فرنسا وحدها هناك 40 ألف حالة معلنة بخلاف الحالات غير المعلنة وللاسف الخطاب الديني توقف عند القول ان زواج المسلمة من غير مسلم حرام ولكنه لم يجب على السؤال ماذا لو كانت الاسرة قائمة بالفعل الاب غير مسلم والام مسلمة وهناك أولاد؟ كيف نتصرف؟ وماالحكم اذا كان الزوج لا يكره زوجته على تغيير دينها بل يشجعها على التمسك به ويسمح للابناء بحفظ القرآن وتلقى التعليم الاسلامي ويتحدث بالخير عن القرآن وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنه لا يريد تغيير دينه وأنا لا أقول باباحة زواج المسلمة من غير مسلم وانما لابد من ايجاد حلول لان المشكلة لم تعد فردية بل أصبحت ظاهرة خطيرة، ايضا قضية اخرى تتمثل في أن بعض المسلمين يظلون على اسلامهم مكرهين لأنهم يخشون عقاب الردة لماذا لا يعرض الخطاب الاسلامي لهذه المشكلة ولآراء الفقهاء الذين فرقوا بين المرتد الذي يرتد عن قناعة ويظل في حاله والمرتد الذي يسيء للاسلام ويدعو الى فتنة اجتماعية وهكذا. ويؤكد على ضرورة ان يعيد الخطاب الاسلامي قراءة النص القرآني والنص النبوي وفق الظروف التي نعيشها الآن ووفق التطورات العلمية وتقديم قراءة جديدة للتفاسير والاعتراف بأن أصحابها - رغم احترامنا لهم ولما بذلوه من جهد - كانوا واقعين تحت تأثيرات سياسية أو مذهبية معينة وان نتعامل مع الواقع الذي نعيشه نحن وليس الواقع الذي يعيشه المسلمون في صدر الاسلام أو في القرن الرابع أو الخامس الهجري. الداعية ويرى الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف السابق ان تطوير الخطاب الديني يتطلب اعادة النظر في اعداد وتأهيل الداعية والمناهج التي يدرسها في معاهد التعليم الديني وفي الجامعات الاسلامية مشيرا الى ضرورة وجود مناهج تمزج بين القديم والحديث وتقدم رؤية معاصرة للقضايا المختلفة وان يدرس الطالب الأدوات والمناهج التي تمكنه من تقديم هذه الرؤية عندما يمارس الدعوة وكذلك لابد من دورات تدريبية للدعاة يشارك فيها أساتذة وخبراء في مختلف التخصصات حتى يكون الداعية ملما ليس فقط بالنواحي الشرعية وانما بالنواحي العلمية والثقافية والاجتماعية وبذلك لا ينعزل خطابه عن المجتمع الذي يعيش فيه وقضاياه. ويضيف قائلا لابد ان يتعلم الداعية لغة اجنبية أو أكثر حتى يستطيع الانفتاح على الثقافات المختلفة ويتعرف على المشكلات التي يتعرض لها المسلمون في دول العالم وحتى يتمكن من مخاطبة كل ابناء مجتمع بلغتهم خاصة اذا سافر الى دول أجنبية. ويحذر الشيخ الرفاعي من الخضوع لضغوط الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة الأمريكية عند تطوير خطابنا الديني لأن هذه الدول تتهم الاسلام بالارهاب ولا تريد للمسلمين أن يرتبطوا بدينهم ومن ثم فهي لا تريد تطوير الخطاب الديني وانما هدم الدين من جذوره. ويؤكد ان تطوير الخطاب الديني ليس معناه فرض أسلوب موحد للدعوة وانما وضع ارشادات وتوجيهات وترك الحرية للداعية ليختار المحتوى والأسلوب والمنهج بحيث يدرك ان لكل مقام مقال، ويعرب عن أسفه لأن بعض الخطباء تسيطر عليهم الاساليب الحماسية أو العاطفية فلا يكون لكلامهم تأثير يذكر في السامعين في حين هناك دعاة يعدون خطبا تستغرق ساعات عن موضوعات معروفة لكل المسلمين ولا تصلح الا لتلاميذ المرحلة الابتدائية وقد تلقى تلك الخطب في مجتمعات على درجة عالية من الثقافة. أيضا هناك دعاة يركزون على جانب ويتجاهلون الآخر فيأتي خطابهم مفتقدا للتوازن والموضوعية فعلى سبيل المثال كثيرا مانجد خطباء يحذرون الناس من النار ويخوفونهم من العذاب ومن الموت ويعرضون لألوان العذاب في الآخرة ويتجاهلون تماما تبشير الناس ووعد الله للصالحين والجنة ونعيمها وهناك خطباء كل كلامهم عبارة عن اتهامات وتوبيخ للسامعين. ويشير الى ضرورة ان يتجنب الخطاب الديني مثل تلك السلبيات وان يفكر في أساليب جديدة لاقناع الناس بما يعرضه فعلى سبيل المثال مهما قلنا للمنحرف ان الله سوف يعذبك وانك ستدخل جهنم فلن يرتدع لأنه اعتاد سماع مثل هذا الكلام ولم يعد يتأثر به لذلك يجب على الداعية أن يطور خطابه ويركز على الاضرار التي ستعود على المنحرف في أسرته وعلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي فربما يكون ذلك أكثر تأثيرا في منعه من الاستمرار في انحرافاته. ويرى اننا في حاجة الى تدريب الدعاة على ممارسة الحوار سواء مع المسلمين أو غير المسلمين بحيث يكون الداعية محاورا لديه منطلقات صحيحة للحوار تقوم على نهج القرآن الكريم «ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن». وأن يؤهل الداعية في الكليات الشرعية حتى يستطيع اختيار المعلومة المناسبة ليرد بها في الوقت المناسب. ويوضح الشيخ الرفاعي أن تركيز الداعية على المعجزات وخوارق العادات والغيبيات لم يعد مجديا مع غير المسلمين لذلك لابد أن يركز خطابه على الأمور المنطقية العقلانية وان يستعين بنتائج العلم ودراساته واكتشافاته لاثبات حقيقة وصدق مايقول وبذلك يستطيع اقناع الآخرين. صورة الاسلام ويرى الدكتور سعد جاويش الاستاذ بكلية أصول الدين جامعة الازهر ان تطوير الخطاب الديني في الوقت الحاضر يجب ان يكون هدفه الأساسي تحسين صورة الاسلام في الغرب ومواجهة الخلط بين الاسلام والارهاب واثبات عدم صحة الاتهامات التي توجه للمسلمين بالتطرف والارهاب مشيرا الى ان ذلك يتطلب اعداد علماء مخلصين لديهم القدرة على تبليغ الدين على الوجه الصحيح وفهم ظروف البيئات التي يتواجدون فيها وان يكونوا مدركين لخطورة العمل الذي يقومون به والا يلتفتوا للأمور الغربية والتافهة أو الخلافية وأن يركزوا على الأساسيات. ويوضح ان الاسلام في الماضي انتشر عن طريق التجار لأنهم كانوا يقدمون صورة صادقة عنه وكانوا قدوة بمعنى الكلمة فكانوا يتميزون بالصدق والأمانة والاعتزاز بالاسلام وهذه أمور يجب أن تتوافر في الدعاة الذين يتم ايفادهم الى الخارج في الوقت الحاضر. ويدعو الى ضرورة الاستفادة من تطور وسائل الاعلام خاصة تلك الوسائل التي توجه الى العالم الخارجي وتطوير الخطاب الديني فيها وعرض القضايا الاسلامية بصورة ملائمة مشيرا الى ضرورة ان تتوافر للعاملين في تلك الوسائل ثقافة اسلامية وأمانة في التبليغ حتى نستطيع اقناع العالم بصلاحية هذا الدين لتوجيه البشرية الى الخير والسعادة. ويؤكد ان تدريس اللغات الأجنبية للدعاة خاصة الذين يسافرون الى بلاد غير ناطقة باللغة العربية مسألة ضرورية حتى يكون الخطاب الديني مفهوما وحتى يستطيع هؤلاء المساهمة في تصحيح صورة الاسلام. نظم سياسية ويرى الدكتور صبحي عبدالحميد الاستاذ بكلية اللغة العربية جامعة الازهر ان الخطاب الاسلامي ينبغي ان يعرض على الشعوب الغربية في صورة نظم سياسية تقوم على المساواة والحرية والشورى والديمقراطية وفي صورة نظام اقتصادي قويم ينهض بالبشرية التي نهش الربا عظامها واصابها بضعف شديد وألم يكاد يقضي على سعادتها واستقرارها. ويؤكد ضرورة ان يفهم الدعاة ان الاسلام خلق عال وسلوك سوى ومكارم لا نظير لها وهو ليس مجرد الحدود التي يعاقب بها المجرمون كما يعتقد بعض السذج موضحا ان الاسلام فيه الحدود للمتجاوزين زجرا وتوبة لكن جوهره بث الفضيلة ونشر المحبة والتعاون وغرس المبادئ السامية. فالاسلام شريعة كاملة أقرت من الشرائع السابقة مايناسب حياة الإنسان التي تتطور يوما بعد يوم وأضافت مايضمن السعادة والبهجة. ويشير الى ضرورة ان يتعلم علماء الدين لغات العالم حتى يتمكنوا من عرض الاسلام على كل شعوب العالم والرد على كل مايثار ضد الاسلام من أباطيل ومفتريات مؤكدا ان الاعلام بجميع وسائله عليه مسئولية في تبني الخطاب الديني المناسب الذي يخدم الاسلام والمسلمين ولا يساهم في تشويه صورتنا في الخارج أكثر مما هي عليه. ويرى الدكتور صبحي عبدالحميد ان هناك عوامل تضعف فاعلية الخطاب الديني منها أحوال الدول الاسلامية والصراعات العديدة بين الفصائل المختلفة وكذلك تخلف البلاد الاسلامية وعجزها عن مواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي رغم ان الاسلام دين يدعو الى العلم والعمل ويكفل الرقي والنهوض والرخاء لجميع المسلمين، بالاضافة الى ترك المسلمين لدينهم وابتعادهم عن شريعتهم ودستورهم الخالد القرآن الكريم ويؤكد ان هذه العوامل أوجدت نوعا من التناقض بين مبادئ الاسلام وواقع المسلمين ومن ثم أصبح الخطاب الديني الموجب إلى غير المسلمين غير مقنع لأن هؤلاء ينظرون الى الواقع في المقام الأول وليس الى المبادئ.