بيان الجمعة: بتكليف من رئيس التحرير التقيت ذات يوم من صيف 1998 الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري بمقر منفاه القاهري. كانت مهمتي تنحصر في استكمال عرض تلقته «البيان» لنشر مذكرات الرجل الذي حكم السودان 16 سنة. على مائدة غداء في الفيلا التي تعاقب عليها منفيون عرب بضاحية مصر الجديدة تشعب الحديث مع النميري الذي قدم توصيفاً دقيقاً للمشهد الأخير في سني حكمه. كان مطار القاهرة مسرح ذلك المشهد، إذ هبط نميري مصر قادماً من أمريكا عائداً إلى الخرطوم التي ثارت عليه ثورة شعبية قطع مداها فريق من كبار العسكريين بتنفيذ انقلاب داخل الثورة في ابريل 1985. روى النميري إنه لم يزدرد نصيحة من مضيفه حسني مبارك يومذاك بعدم التوجه إلى الخرطوم حتى عندما أبلغه الرئيس المصري بأن تلك النصيحة مبنية على طلب تلقته القاهرة من العاصمة السودانية. لم ينتصح النميري فعمد إلى ركوب المغامرة إلى نهايتها فأمر طاقم طائرته بالإقلاع إلى الخرطوم وترك الخيار مفتوحاً أمام من كان معه في الرحلة بالذهاب أو البقاء. المفاجأة التي لم يكن يتوقعها النميري جاءت من «شاب صغير لأول مرة أراه» ضمن طاقم الطائرة يسمى «نافيجيتر». أعلن ذلك الشاب أمراً فوق أمر الرئيس المخلوع بعدم الإقلاع. كانت دهشة النميري أكبر عندما أبلغه «الكابتن» بأنه لا يستطيع الإقلاع دون موافقة ذلك «الشاب الصغير». عندئذ لجأ النميري إلى خياراته السياسية فطلب من الرئيس المصري إعمال اتفاقية الدفاع المشترك ووضع طائرة مصرية رهن تصرفه، غير أن الرياح هبت على نقيض ما يشتهي النميري إذ فاجأه المشير أبوغزالة ـ كان يومها وزيراً للدفاع ـ بأنه يستطيع أن يغامر بطائرة لكنه لا يستطيع المغامرة بطيار فالظروف في الخرطوم لا تبدو مواتية للهبوط بسلام. كانت نبرة النميري تنم عن حزن عميق وكذلك قسماته حتى خِلْتُ أنه لو أتيح له ركوب بغلة إلى الخرطوم لفعل. كان النميري واثقاً من أن ظهوره في الخرطوم يكفي لقلب الموازين لصالحه غير أنه لم يُدرك أن عودته أصبحت مسألة مستحيلة وفقاً لقرارات سودانية داخلية وخارجية. ربما أحسّ بشيء من ذلك في رفض المشير أبوغزالة الصريح إذ أبلغني النميري بأنه لم يفهم موقف أبوغزالة بل ذكّره باتفاقية الدفاع المشترك. ما حدث بعد ذلك أثار دهشتي حتى اليوم إذ روى النميري إنه بعد إعادته إلى القصر من المطار ظهر ذلك اليوم استسلم إلى نومة عميقة وطويلة استمرت ساعات لم يفق منها إلا بعد إلحاح من أحد أقربائه الذي تجرأ على ذلك بعد وصول الرئيس المصري إلى القصر في المساء. واستشهد النميري على تلك الواقعة بشخص حضر معنا الغداء من أسرته فأمّن ذلك الشاب على رواية الرئيس. أذهلني ـ ولا يزال ـ استسلام رجل مثل النميري ـ تتملكه شهوة السلطة إلى درجة الخوض في دماء الآخرين ـ للنوم وهو يرى من على البُعد دولته تفلت من يديه إلى أيدي معاونيه من عسكريين ائتمنهم عليها في فترة غيابه. في محاولة لتفكيك دهشتي إزاء هذه المفارقة اتصلت بطبيب يُعتبر مرجعاً في الطب النفسي ورجوته أن يُقدم لي تفسيراً علمياً لهذه الحالة. فعزا الطبيب حالة النميري إلى إحساس عارم باليأس واللامبالاة. ربما يُعزز رؤية الطبيب إنني أصبت بصدمة حينما تصفحت مذكرات الرئيس السوداني الأسبق. كنت أمني نفسي بقراءة جديدة لأحداث أطول حقبة رئاسية في تاريخ السودان وهي حقبة حافلة بالأحداث ومخضبة بالدم. كنت متعجلاً للاطلاع على انتقادات جعفر نميري لخصومه ودفاعه عن مواقفه في وجوههم. فقد كنت غادرت الفيلا مُحمّلاً بمغلف ضخم يحتوي على رتاج من الورق. شكا النميري وهو يُسلمني المغلف جور الزمن والأيام وانه يعول على عائد مادي مجزٍ. لكن خيبتي في «مذكرات» النميري كانت أكبر من خيبته ذلك اليوم في مطار القاهرة. حصيلة «المذكرات» كانت عبارة عن لقاءات صحفية، كثير منها نشرته مجلة عربية وبعض منها ربما لم ينشر. ولم يتم تصنيفها وفقاً لأية معايير زمانية أو مكانية أو أهمية. أليس ذلك مظهر للامبالاة؟ قلت في نفسي لو أن الرئيس انكب ساعة واحدة كل يوم من السنوات التي قضاها في المنفى مستعيداً ومتأملاً بعضاً من أحداث سني حكمة برؤيته الذاتية الضيقة لتوّج منفاه بإنجاز. بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع النميري لا يمكن لأي شخص أن يقفز فوق 16 سنة من تاريخ السودان المعاصر. حين يأتي حديث على لسان الرجل الأول في ذلك النظام فلا بُد من الاستماع إلى شهادته. راودني إحساس بأن ذاكرة النميري مثقوبة ولذلك فإنه تفادى محاولة اعتصارها. لربما كان الرئيس السوداني لا يجيد الكتابة مثلما لا يجيد القراءة ولكن لكتابة المذكرات كهنة وللنميري سدنة بارعون لو استعان بأحدهم لأعانوه. هذا مظهر آخر لحالة اللامبالاة. إحساسي بالذاكرة المثقوبة لدى النميري تعمق بعد متابعته في برنامج إحدى القنوات الفضائية. ويمكن لكل مشاهد تابع مثلي البرنامج أن يتأكد من ضعف ذاكرة النميري إزاء أحداث لا يمكن نسيانها وشخصيات لا يمكن تناسيها ومعلومات يصعب إغفالها أو تجاهلها. مقارنة مع الشخصيات التي حاورها مقدم البرنامج يتضح جلياً اللامبالاة التي تتمكن من النميري