بيان 2: لم يكن شاعر الحب والجمال سلطان العويس ـ رحمه الله ـ شاعرا سياسيا قوميا بالمعنى النضالي للسياسة، او بالبعد الثوري للقومية العربية. لكنه في الوقت نفسه لم يسمح لعشق الجمال ان يطغى على تفكيره، فينسيه انه شاعر من شعراء هذه الامة الكبرى، لها عليه حقّ الام على الابن البار. ولهذا استطاع ان يوازن بين ما هو ذاتي فصاغه تشبيبا ونسيبا، وما هو قومي، فحوله الى اناشيد، فيها من الوفاء والصدق مثل ما فيها من السعة والعمق. ولم تكن المساحة الفاصلة بين شعوره الذاتي وشعوره القومي فارغة من الشعر، أو منطقة محايدة خالية من الفكر، بل كانت حلقة واصلة بين هذا وذاك، ونافذة يطل منها الشاعر من وطنه الصغير على عالمه العربي الكبير، ومنطلقا تنداح منه الدائرة لتتحول الى دوائر آخذة بالاتساع حتى تكنف الوطن العربي كله. بدأ رحلته مع النزعة القومية من الارض التي تقله، والسماء التي تظله: تذكر الارض كيف كانت جدبا فغدت خصبا، ومع أنها كانت رمالا جرداء، وشاة عجفاء فانها لم تضن على الشاعر وعلى لداته بنسغ الحياة تعتصره من ضلوعها الجافة. فلما آضت ضلوعها ذهبا، وفاضت ضروعها حلبا لم تبخل بما في صدرها على الأفواه الظماء، بل ارضعتهم حتى اشبعتهم أفلا يجازي الشاعر السخاء بالثناء، والبر بالشكر؟ ماذا أقول لأرض كنت فلذتها كانت بلا بسمة، واليوم تبتسم كانت لنا الأم رغم الجوع ترضعنا واليوم فاض على افواهنا الدسم وتذكر الشاعر السماء كيف كانت فراغا، لا يجوبه غير الصقور، فأصبحت عامرة بالآلات، تجوبها اسراب الطائرات من كل طراز. لقد فاض الخير العمم من الارض، حتى ملأ الافق، فعمر الفضاء بأحدث الطائرات التي انطلقت من دبي تحمل ثراء الارض الى عنان السماء. فما ارتفعت طائرة الا رأيت على متنها راية الاتحاد معبرة عن اجتماع القلوب المتآخية لا المتحاسدة، وعن تآزر النيات الصافية لا المتباغضة: إمارات المحبة قد تآخت تصافحت الأيادي بالأيادي فتيهي يا دبي، فان مجداً تألق في سمائك يا بلادي وأمسى في السماء لنا وجود لجمع الشمل، أو عند الطراد وحينما يجد الشاعر ما بين اخوانه في الامارات من تعاون وتواد يزيد تعلقه بالوطن، واخلاصه له، ويُخيل اليه ان وطنه دمٌ يتدفّق في عروقه، ووهج يتألّق في عينيه، ونَفَس يتردّد في صدره، فيعاهده على الوفاء له ما عاش: وطني دم ينساب بين جوانحي فكأنه والروح في سواءُ وبعد ان تشبع سلطان العويس بحب الوطن، وتضلع من الاخلاص له، ارسل عينيه في ارجاء الوطن العربي الكبير، يتطلع الى آماله، لعله يجد الطريق الى تحقيقها، ويتحسّس آلامه ليشارك في تحمّلها. ومن هذه الآلام الموجعة حرب لبنان المدمرة. فقد ساءه ان تتحول جنان بيروت الى خرائب، فراح يبكيها بدموع لا تكفكف، ومضى يتذكّر ماضيها السعيد، وعيشها الرغيد، ويقارن البغضاء المدمرة الحاضرة بالحب القديم العميم، والفتنة التي مزقت اهل الوطن الواحد احزاباً متصارعة بالتسامح الذي كان يوحّد القلوب. فإذا هو يبكي انتقاض العامر، وارفضاض السامر، وتحوّل الحاضرة الزاهرة الى اطلال دوارس: بيروت يا جنة الخلان كيف لنا ان نثني الدمع من ان يملأ الحدقا أبكي عليك، وأبكي الحب مجتمعاً ففي ترابك كان الحبّ مذ خلقا واليوم انت من السمّار عاطلة فلا مغن، ولا كأس، ولا رُفقا فلما استردّت بيروت استقرارها، ورجع اليها سمارها، وتحولت السواعد من الهدم الى البناء، ومن الاقتتال الى الاعتناق، ودبت الحياة في العروق اليابسة فرح العويس، وهنأ الشعب الشقيق بفرحته، وبعودة العزة اليه، وعدّ عودة الحياة اليه بعثاً جديداً للعرب، ونصراً مؤزراً لهم، لا للشعب اللبناني وحده: عادت لياليك يا لبنان مُورقةً وعاد شعبك بالاحرار يحتفلُ مهما أسأنا فأنتَ الحلم يحملنا وأنتَ عز لنا، يا ايها البطل وبمثل هذا الحبّ اتجه قلبه الى مصر. فلما اطلّ على ازهرها العريق وجد فيه البغية المنشودة، وعلّق على مآذنه الآمال العراض، واستلهم منه الطمأنينة، لأنه بنشره الاسلام، وقيامه بتبعات الدعوة يُثبتُ اركان العروبة في الارض، ويحميها من الغزو الفكري، ويقضي على عوامل الفرقة، وينشر الوحدة الفكرية التي تمهّد للوحدة السياسية: شفاؤك يا مصر شفاء عروبتي وتثبيت اسلامي على امد الدهر وهو في القدر الاعظم من اناشيده القومية لا يفصل السياسة عن الجمال، والحب عن النضال، فتتحول كل حاضرة من حواضر العرب الى معشوقة يبادلها الحب، ويستلهم من تاريخها عبق الماضي. وها هو ذا يتجه الى دمشق فيرتقي قمة قاسيون ليعانق مجد الامويين، او ينحدر الى بردى ليستقي من مائه المصفق بالرحيق السلسل: يا ليالي الشام هل أبقى الهوى سُبلا تُرْقى، ولمّا أرْتقِ أنا آت أستقي من بردى قصص المجد وعز المشرقِ هذه النزعة القومية المضمخة بعبير الحب وسحر الجمال ترتدي لبوساً آخر حينما يتجه قلب الشاعر إلى فلسطين ويجول بين الشهب المتطايرة في سماء غزة والضفة، وهي ترجم شيطاين العدو فيأخذه العجب من جمرات صغيرات، يجابه بها الصغار الأغرار قذائف العدو الكبيرة الضارية، لكنها برغم صغرها تمزق صفوف الأعداء، وتفرق جموعهم، وتلجئهم إلى مواجهتها بأسلحة ثقيلة عاجزة عن النيل من عزائمهم التي لا تلين: حَجرٌ زلزل أقدام العِدى أفقد النار جحيم اللهب صِبْيةٌ أعمارهم ان يلعبوا صارت اللعبة مجد العرب أفقدت أعداءنا آراءهم كل قوم منهم في سبسب وأمام هؤلاء الصغار الكبار والأطفال الأبطال ينحني الشاعر الكبير اكباراً للإسلام الذي نشأهم على الجهاد والعروبة التي أرضعتهم العزة، ويدعو العرب إلى اكبارهم لأنهم يمثلون البقية الباقية من أمجاد هذه الأمة ونخوتها: يا فلسطين وحسبي انني عربيٌ مسلم في الحسب لو يصاغ المجد صُغنا أنجماً وجعلنا رمزنا وجه صبي يا دروب المجد في آفاقنا ها هُم أبطالنا فانتخبي وخلاصة القول في نزعة العويس القومية انها كانت إلى الحب أقرب منها إلى الحرب، وعلى التعبير عما في الوجدان أحرص منها على تصوير ما في الميدان، وعلة ذلك طبع الشاعر الرهيف، وإيثاره الرفق في كل ما يقول ويفعل.