في عام تسعة وثمانين من القرن الماضي دعاني صديق الى مطعم خارج عاصمة المكسيك، المطعم يقدم أنواعا مختلفة من اللحوم، والحق أن المذاق كان شهيا، لكنني بعد مضي وقت من بداية الأكل شعرت بقلق، فالنادل لم يتوقف عن احضار اطباق مختلفة تزاحمت فوق المنضدة، أصبحت تفوق طاقتنا وعندما أبديت الملاحظة ضحك صاحبي متداركا الامر، قال: لقد نسيت أن أخبرك، من تقاليد المطعم ان هذه القطعة الخشبية اذا كان اللون الأخضر الى أسفل فإنه يستمر في تقديم الطعام الى أن تقلبها فيصبح النصف الأحمر ملامسا سطح المنضدة، تأملت قطعة الخشب المستديرة، الاسطوانية الشكل، نصفها أخضر ونصفها أحمر، حقا ان كل مطعم يتفنن في الطرق المؤدية الى تقديم الطعام. أو تناوله، استدعت هذه الواقعة لحظة مماثلة تتصل بالقهوة، عندما زرت الخليج العربي لأول مرة نزلت امارة الشارقة ضيفا على اتحاد الكتاب، كان ذلك في ثمانينيات القرن الماضي، وفي احدى الأمسيات ضمن مجلس أدبي، من تلك المجالس التي لاتزال تحمل تقاليد الزمن القديم ولي عودة اليها في فرصة أخرى، ودارت علينا القهوة العربية وكنت أتعامل معها لأول مرة، فثمة رجل يدخل يحمل الابريق في يد، وفناجين متراصة، متداخلة مع بعضها، يصب قليلا من القهوة في قاع الفنجان. لا يملؤه، ويقدمه الى الضيف، دار على الحاضرين، ولاحظت انهم جميعا كفوا عن تناول المشروب ذكي الرائحة فيما عداي. اذ وقف الرجل امامي ينتظر وكلما مددت اليه الفنجان صب القليل فيه وناوله لي. عندئذ مال صديق عزيز وهمس في أذني: اذا كنت اكتفيت فلابد أن تهز الفنجان عند اعادته، وعندما هززته كما أشار علي انصرف الرجل، هكذا عرفت أحد الطقوس المرتبطة بالقهوة العربية، وان كنت بيني وبين نفسي مازلت في دهشة من الفرق بين القهوة كما شربتها أول مرة في الامارات، والقهوة كما أعرفها في مصر التي تتبع الطريقة التركية. في الجزيرة العربية تقدم القهوة مغلية، ولذلك يحتفظ شرابها بلون أخضر يقارب اللون الأصلي لبذورها، واحيانا يخلط بالحبهان الذي يضفي عليه رائحة ذكية، أما في مصر فإن هذه البذور توضع في «المحمصة» اناء معدني مغلق أسطواني، يديره المتخصص على نار هادئة حتى تكتسب الحبات لونا بنيا غامقا، وهذا لون القهوة المعتاد في مصر وتركيا وأوروبا، وتلك معروفة بالقهوة التركية. وعند صب الفنجان تكون المهارة في تكوين سطح مغاير اللون، افتح قليلا، يطلق عليه في مصر «الوش» واحيانا يضرب المثل على متانة السيارة وقوتها بأنه يمكن شرب فنجان القهوة داخلها اثناء السير فلا يهتز الوش ولا يتأثر، لقد انشغلت منذ سنوات طويلة بالقهوة والشاي وسائر المشروبات الأخرى، كان ذلك جزءا من اهتمامي بأصول الاشياء، خاصة عندما كنت أعد لكتابة رواية «الزيني بركات» في نهاية الستينيات، الرواية تدور أحداثها في القرن السادس عشر، رغم ان جوهر هذه الاحداث معاصر جدا. اذ يتصل الموضوع بقهر الانسان في العصر الحديث، لكنني كنت حريصا على صحة أدق التفاصيل، لم يكن الشاي قد وصل الى مصر بعد، فلم يدخلها الا في القرن التاسع عشر ويبدو أن الذي جاء به من الهند هم الانجليز، لكن القهوة كانت معروفة حديثا في زمن الزيني بركات، ولكن كان حولها خلاف شديد بين الفقهاء. أحلال هي أم حرام؟ هذه المعركة استمرت حوال قرن من الزمان، وبعد زوال السلطنة المملوكية وتحول مصر الى ولاية عثمانية نجد أحداثا عديدة لاضطهاد شاربي القهوة، أشهرها عندما نزل أحد الولاة الاتراك الى الأسواق بنفسه وكلما وجد بائعا في السوق يعد القهوة يأمره بأكل الجمرات الساخنة التي يعد فوقها القهوة، غير أن القهوة استقرت في القرن التاسع عشر. لم تصبح مشروبا فقط. انما صارت تطلق على المكان الذي تقدم فيه المشاريب المختلفة من قرفة وزنجبيل وحلبة وسحلب وتروى فيه القصص والاشعار على الربابة، اقصد المقهى، لقد شغلتني القهوة والمقهى وكتبت دراسة مطولة في السبعينيات عن مقاهي القاهرة، اذ كنت ومازالت من عشاق المقاهي، حتى انني أبحث في أي بلد أنزلها عن مقهى استكين اليه وأتردد عليه، حتى لو كانت مدة مكوثي أياما معدودات، المقهى بالنسبة لي نافذة أرقب منها البشر والمدن وأتعرف على ماأجهل، وأخلو الى نفسي، في طفولتي كنت أهاب المقهى، ولم أكن أتردد عليه الا بصحبة والدي الذي كان يمضي الى مقهى الفيشاوي ومقهى البنان ومقهى افندية وكلها قريبة من ضريح مولانا الحسين سيد الشهداء، وبالنسبة لي يعتبر مقهى البنان الاول الذي جلست اليه، ولكن لم يكن ذلك بمفردي، كان المقهى يقع على ناصية شارع قصر الشوق، فسيح، عريض الواجهة، وكان يحتوي على صالة داخلية تضم منضدة بلياردو، مازالت بالنسبة لي لغزا، ماذا جاء بها الى الجمالية، ومن كان يلعب البلياردو؟ لابد انهم بعض ابناء الاسر العريقة في المنطقة والذين كانوا يعيشون هنا قبل أن يبدأ انتقال سكانهم الى الحلمية الجديدة والعباسية مع بداية القرن الماضي. والبنان أصحاب المقهى أسرة عريقة، والاسم مشتق من البنى، وكانوا من كبار تجار البن، المقهى مازال موجودا بالاسم، فالمقهى القديم تم هدمه في الستينيات من القرن الماضي، وتم بناء اخر حديث مكانه بلا شخصية، أما ماتبقى فهو فنجان القهوة الذي يحرص الكثيرون على تناوله مع بداية النهار لضبط المزاج، والسؤال المعتاد للضيف: قهوتك ايه؟ أي أنه من المفروغ منه شربه القهوة، لكن.. هل يشربها سادة أي بدون سكر، أم وسط أي سكر معقول. أم زيادة أي سكر أكثر. الذين يشربون القهوة الآن لا يعرفون المشاكل التي أحاطت بها عند ظهورها في مصر أو البلاد العربية الأخرى، لا يعرف أحد القصة الحقيقية لاكتشاف القهوة لاتزال مجهولة. بل ان المكان الذي ظهرت فيه شجرة البن مازال مجهولا. في هضاب الحبشة أم مرتفعات اليمن، وعندما تغمض الأصول تظهر الاسطورة، تقول القصة القديمة ان سكان احدى المدن القديمة اصابهم مرض خطير، فعجزوا عن الخروج لاستقبال الملك سليمان الذي جاء لزيارتهم على متن الفضاء، راكبا بساط الريح، يحيط به نفر من الجن الذين كانوا يأتمرون به، عندئذ أوحى اليه سيدنا جبرائيل بارسال الجن الى بلاد اليمن ليحضروا ثمرة البن، ولم يكتف بذلك، بل اشار عليه بطريقة اعداده، وان يسقيه للمرضى، وشفاهم الله، لكن مصادر التاريخ تؤكد ان القهوة ظهرت في اوائل القرن السادس عشر الميلادي، العاشر الهجري، وهذا نفس التاريخ الذي دخلت فيه مصر كما يذكر المؤرخ الشهير ابن اياس، صاحب «بدائع الزهور في وقائع الدهور» والرواية الشائعة» ان المتصوفة اكتشفوا ثمرة البن عندما أكلها أحدهم فانتبه الى يقظة التي أصبحت حادة، واستدل من ذلك على خصائصها المنشطة، وكان المتصوفة كثيرو السياحة والاسفار فحملوها الى البلاد المختلفة، اما الهجوم الذي تعرضت له من بعض الفقهاء فيرجع في رأيى الى اسمها، اذ أن القهوة أحد اسماء الخمر في اللغة العربية، لكن القهوة كما ذكرت في الشعر العربي والاخبار صفة ضمن صفات اخرى عديدة، وليست هي الخمر ذاتها، من خلال المساجلات التي جرت بين مدافع عن القهوة ومحرم لها نشأ مايمكن ان نعتبره أدب القهوة، للشيخ الامام أبوالفتح بن عبدالسلام مفتي المالكية بالشام قصيدة يقول فيها عن القهوة: ياصاح شرد بها وتتسنى من كف ظبى ذي منظر خشن وقل لأهل الحجاز واليمن من لام في شربها دعاه دعا فانه بالكامل مااجتمعا وللشيخ عبداللطيف بن كثير تولى القضاء في مكة وجدة موشح مشهور ينسب انتشار القهوة الى المتصوف اليمني الكبير الشيخ العيدروس: قهوة البن مرهم الحزن وشفا الأنفس فهي تكسو شقائق الحسن من لها يحتسي شاذلي المخا لها أسس قطب الزمان ولها العيدروس قد كيس وابن ناصر أعان ومن الكتب الحديثة التي تحيط بما يتصل بالقهوة خاصة على المستوى الشعبي، كتاب محمود مفلح البكر «عن القهوة العربية» في الموروث والأدب الشعبي الصادر في بيروت عام خمسة وتسعين من القرن الماضي، وتظل القهوة على الطريقة العربية، أو التركية، معلما من معالم الماضي الأصيل، وتعبق رائحتها في الذاكرة لتدل على أصباح مبهجة أو امسيات دافئة اكتمل فيها الشمل يوما