ان يكون هناك (كلام فارغ) و(كلام مليان).. هذا شيء طبيعي. وهذه سنة الحياة التي يجتمع فيها دائماً الحسن والقبيح.. والسمين والغث.. والهادف والهايف.. الخ، اما الذي (مش طبيعي) بالمرة فهو تراجع (الكلام المليان) امام زحف طوفان (الكلام الفارغ)، وهو ايضاً تصدر (الكلام الفارغ) لمعظم الساحات الثقافية.. والفنية.. والاعلامية.. والسياسية منتحلاً شخصية (الكلام المليان).. متصنعاً وقاره وجديته، مفلسفاً للتفاهة.. مقنناً للهيافة.. مروجاً للسخافة، دون ضابط ولا رابط.. ودون خجل ولا حياء..!! وكما ان الحمار هو صاحب اعلى الاصوات.. وان البلابل والعصافير هي صاحبة ارق واهدأ الاصوات، كذا الحال على الساحات الاعلامية، فأصحاب (الكلام الفارغ) ورواد التفاهة تجدهم دائماً هم ابرز المتحدثين واسبق المتكلمين في كل ندوة وكل لقاء، وكل برنامج تلفزيوني.. بدءاً من البرامج الثقافية.. مروراً بالبرامج الفنية.. ووصولاً الى برامج الطبيخ والازياء، فهم دائماً الضيوف.. وهم دائماً اصحاب الرأي والمشورة، ولأنهم يجيدون الكلام (حتى ولو كان فارغاً) ويتقنون تقمص شخصية ووقار العلماء.. ويملأون ساحات البرامج صخباً وحركة، فهم دائماً مطلوبون للتواجد شبه المقرر على شاشات الفضائيات التي لا يسعدها استضافة اصحاب (الكلام المليان) بحجة ان (دمهم ثقيل) وانهم في الاغلب مؤدبون.. هادئون.. لا يجيدون فنون (الاكشن) التي هي بضاعة رواد (الكلام الفارغ)، اضافة الى السبب الرئيسي والهام في استبعادهم ما امكن من معظم البرامج، وهو ما يحدث دائماً لمقدم او مقدمة البرنامج من عرق وكسوف حين ينكشف جهل اي منهم بما يقال وبما يدور من نقاش، حيث تكون كل مؤهلات مقدم البرنامج هي انه قريب فلان او نسيب علان ممن لهم حول وطول في المحطة الفضائية.. وتكون كل مؤهلات مقدمة البرنامج وجه جميل.. وخصر نحيل.. وبنطلون جينز، وصوت مدرب على التأوه بكل اللغات.. وبكل اللهجات..! ــ في عالم (الكلام الفارغ) ثقافياً سيصيبك الصداع حتماً وانت تحاول شحذ كل طاقات خلايا مخك لفهم شيء مما يقال في الحوار (الثقافي) الدائر في احدى الندوات الثقافية او في برنامج على شاشة احدى فضائيات هذا العصر الفضائي المنفتح والمفتوح لكل من هب ودب.. وايضاً لكل من لم يهب ولم يدب، ولوهلة قد تتوهم انك قد ضللت الطريق الى الندوة التي تقصدها ودخلت (من باب الخطأ) ندوة تتحدث باللغة الهيروغليفية او الاوردية مثلا، ولكنك تدرك بعد فترة ان هذه الندوة هي التي تقصدها فعلا.. وان هؤلاء المتصدرين لادارة الندوة هم المثقفون العرب الذين أعلن عن مشاركتهم فعلا (برضه)، ورغم التصفيق الذي يرتفع بين حين وآخر لأحد المشاركين عقب القائه قصيدة من الشعر الحر (وهو الشيء الوحيد الذي يبدو انه يتمتع بحرية مطلقة في بلادنا).. أو عقب كلمة نقد أدبي من الوزن الثقيل، أقول.. رغم هذا التصفيق من جمهور الحاضرين تأكيدا بأنهم فهموا واستوعبوا، فإنك تكتشف بعد حين انهم لا فهموا ولا استوعبوا.. وانهم ـ مثلك تماما ـ كالأطرش في الزفة، كل ما في الأمر انهم أحسوا ان سكوتهم هذا يعني انهم جهلة أو غير مثقفين فكان تصفيقهم تغطية لا مفر منها لاخفاء جهلهم بما يقال وبما يدور، ومجاملة للسادة المتحاورين الذين أسهموا ـ مشكورين ـ في تأكيد نجاح مسيرة (الكلام الفارغ) وغزوه لكل مواقع (الكلام المليان) موقعا بعد موقع...! ــ أما (الكلام الفارغ) فنيا، فحدث عنه ولا حرج، فقد تمكن.. وعلى مدى سنوات طويلة من تثبيت مواقعه وتأكيد وجوده وشرعيته، غنائيا.. وسينمائيا.. ومسرحيا.. وتشكيليا، ففي عالم الغناء تأكد تماما استيلاء (الكلام الفارغ) على كل مقاليد التأليف الغنائي.. وأصبحت (الكلمة الهايفة) بل الشديدة الهيافة هي المتصدرة في كل (سباق للأغاني).. وفي كل مهرجان غنائي، وهي صاحبة أكبر رقم في توزيع ألبومات الغناء لأبطال العصر الغنائي الفضائي، وأصبح مؤلفو هذا (الكلام الفارغ) هم ضيوف كل البرامج الفنية المسماة ببرامج المنوعات، وهم المبدعون في عالم الهيافة، ورحم الله أيام رامي وبيرم التونسي وآل رحباني وأحمد شفيق كامل وغيرهم ممن أثروا تاريخنا الفني بكلامهم المليان، الذي ترافق مع لحن مليان.. وصوت مليان، وجمهور مليان ايضا..! وفي عالم السينما والمسرح نجد ان الوضع أفدح، وان المصيبة أعظم، وزاد الطين بلة ان (الكلام الفارغ) فيها لم يكتف بالتربع على عرش معظم ـ ان لم يكن كل ـ الأعمال السينمائية والمسرحية، بل اصطحب معه ايضا (الكلام الفاضح) ليصنع الاثنان معا كوكتيلا مقززا من الفن الفارغ والفاضح، هذا إذا جاز تسمية هذا الشيء فنا! ــ نأتي أخيرا الى (الكلام الفارغ) في عالم السياسة لنجد هذا الكلام يحاصرنا ويسد علينا منافذ الهواء أينما اتجهنا، فساستنا أثبتوا انهم أقدر من المثقفين.. وأبرع من المؤلفين والملحنين والمطربين وكتّاب ومخرجي السينما والمسرح في هذا المجال، وانهم قادرون على تأليف وتلحين وغناء واخراج وتمثيل العمل السياسي بقدرات عالية، وانهم سادة (الكلام الفارغ).. ومبدعو (العمل الفارغ).. ورواد (المواقف الفارغة) و(التصريحات الفارغة) و(القمم الفارغة)، وفي كل ساعة من ساعات النهار ينصب علينا عبر نشرات الاخبار وابل من الكلام السياسي الفارغ الذي لا يقدم ولا يؤخر.. عفوا.. بل الذي يؤخر فقط، وكل كلام فارغ لمسئول يناقض كلاما فارغا لمسئول آخر، الشيء الوحيد الذي يتوافقون فيه ويتفقون عليه انهم ساسة فارغون.. يمارسون عملا فارغا.. ويحاصرونا بإعلام فارغ لا يقدم لنا الا (الكلام الفارغ)..!