بيان 2: لأنها تقع في مواجهة المحيط الأطلسي، تصغي البرتغال للبحر كصديق قديم، تعودنا عليه، ووثقنا به، يتحدث الينا بالايماءات، عارفين ان هذه الايماءات سيتم ادراكها عبر لغة فريدة لا يفهمها غيرنا وهذه العلاقة تعود الى قديم الأزل، منذ ان دبت الحياة في البرتغال حول البحر، والصيادون على اتصال وثيق بالأمواج والعواصف وتيارات المحيط. وطقس البرتغال وليد رياح البحر والحرارة التي تسود الجنوب بوفرة حيث نجد طقس البحر المتوسط الرائع، والشتاء النقي تأتي بعده ايام تسودها الشمس والأمطار اكثر دفئاً مثل طقس منتصف العام. وقد لعبت عزلة البرتغال عن بقية اوروبا الى جانب سهول قشتالة، دوراً مساعداً في تزايد العقبات في الايام الخوالي، عندما لم تكن هناك طرق او وسائل مواصلات. تقع البرتغال في جنوب غرب اوروبا، على حافة المحيط، وهي ارض المناظر الطبيعية الخلابة المتعددة والجبال والاودية في الشمال والوسط التي تصنع طريق السهول في المناطق الجنوبية القريبة من خط الاستواء ينقسم الساحل الى عدة شواطئ، بعضها صغير تتدرج فيه الصخور، وبعضها الآخر مترامي الاطراف تكسوه رمال ناعمة تغسل يومياً بفعل مياه المحيط. اما عن الماضي، فإن الذاكرة لا تستوعب كل الذكريات ولا تلك الثروة من الاحداث المثيرة التي تشكل في مجموعها الكيان الهائل المسمى بالتاريخ البرتغالي، وجاء اسم البرتغال من اسم مدينة تقع عند مصب نهر دورو وهي قرية ضيقة الشوارع والبيوت يسكنها الصيادون والتجار، وهذه المدينة تدعى «بورتوكيل» وأطلق عليها هذا الاسم الرومان، واصبحت فيما بعد احد المراكز الحضارية الاكثر ازدحاماً في شبه الجزيرة وهذه المدينة تسمى الآن «اوبرتو» وهي ثاني اكبر مدن البرتغال التي تغسلها مياه النهر. وقد حصلت البرتغال على الاستقلال عام 1143، وتوحدت قواها حول الملك الشجاع الاسطورة دوم افنسو هنريك، الذي كان اول ملك يحكم البلاد بأسرها، وكلما سرت في البرتغال وجدت اماكن ومناظر تعود الى عصور طويلة خلت من قلاع وحصون وجبال ومتاحف وغيرها. استطاع فاسكو دا جاما ان يدور حول رأس الرجاء الصالح، سامحاً بذلك للبرتغاليين بأن يصلوا الى السواحل الشرقية لافريقيا ومن ثم الوثوب الى الهند وكان ذلك في القرن الرابع عشر وفي عام 1500 تم اكتشاف طرق اخرى ادت الى اكتشاف البرازيل ومعها قارة جديدة. أدت ثورة 1910 الى اعلان الجمهورية، وتم نفي العائلة المالكة البرتغالية الى بريطانيا العظمى، وتلتها سنوات طويلة من عدم الاستقرار، ادت الى وقوع انقلاب في عام 1926 كان هو الذي انقذ اقتصاد البلاد، وتم عزل البرتغال عن اوروبا وبقية العالم من جديد. وعرفت الديمقراطية طريقها الى البرتغال في ابريل عام 1974 بعد سنوات طويلة من العزلة الاجبارية. والمدن البارزة وذات الأهمية الكبيرة عديدة في البرتغال، وربما كانت من ابرزها مدينة فالنسيا التي تقع على حدود اسبانيا في شمال البرتغال، وهي مدينة نشأت على الطريق الروماني الذي يربط مدينة براجا مع مدن لوجو ومينجو وسنتياجو دي كومبوستيلا. وبفضل موقعها القريب من الحدود وعلى ضفاف نهر مينهو لعبت مدينة فالنسيا دوراً مهماً تاريخياً في الدفاع عن الحدود الاقليمية ضد الاسبان القريبين جداً منها. وتنقسم فالنسيا الآن قسمين رئيسيين، ويجري فيها نهر يفصل اسبانيا عن البرتغال. مدينة فيانا دو كاستيلو تقع على ضاف نهر ريو ليما، وتمتد بطول الوادي الاخضر القريب من البحر وتلال سانتا لوتشيا. والمدينة كلها مسطحة تقريباً وتقطعها الشوارع والأزقة والميادين بطريقة جعلتها تكتسب شخصية مميزة وهنا وهناك وسط عشرات البيوت تجد القصور الفخمة، مثل قصر بالاسيودوتافورا والذي يشغل الآن مكاتب المجلس المحلي. وتضم المدينة المتحف التاريخي الذي يعود الى العصور الوسطى واكثر ما يدهش الزائر بها الميدان الرئيسي بها المعروف باسم ميدان براسادي ريبابليكا الذي يتميز بشكل معماري فريد. أما مدينة بارسيلو فتقع على الضفة الشرقية لنهر ريو كافادو، وتتميز بأنها اصل ومنشأ فن الفخار والحرف اليدوية الاخرى التي تزخر بها محلات الهدايا في المناسبات المختلفة من بينها احتفالات مايو السنوية والمعرض الكبير. وبراجا مدينة شهيرة كانت في الأصل تحمل اسم «براكارا اوجوستا» وكانت عاصمة اقليم جاليسيا الروماني، الواقع شمال غرب شبه جزيرة ايبيريا، وقد أعاد الملوك الكاثوليكيون بناء هذه المدينة بعد ان استحوذوا عليها، في اعقاب الفتح العربي، وتوجد بمدينة براجا العديد من الكنوز الفنية والمعالم المعمارية من بينها مستشفى اقيم عام 1508 وتتميز المدينة بتراثها المعماري الفريد. وتعتبر مدينة بروفادي فاريزم مدينة ناشئة ببطء، لكنها تعد مركزاً حضارياً نامياً يزخر بالعديد من الانشطة جنباً الى جنب مع نشاطها الرئيسي وهو الصيد، بالاضافة الى السياحة التي يجري استغلالها على نحو فريد، تجلب معه العديد من السياح خاصة مع وجود شاطئ كبير ذي رمال ناعمة الى جانب الشمس المشرقة طوال العام. وتوجد بها منطقة بوفوا، التي تشتهر بالهدوء الشديد، وهي اقدم مناطق المدينة، وتتميز بالهندسة المعمارية للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر. على جسور اوبرتو اوبرتو مدينة تعرف تقليدياً بأنها ابنة النهر والبحر، ونهر دورو يمثل المرآة التي يرى فيها الناس صورتهم، حيث يراه كل سكان المدينة من نوافذهم من اي مكان يسكنون فيه. وفي المدينة ثلاثة جسور رئيسية، كل منها يقوم بدور مرسوم لخدمة السكان في احدى المناطق، واكبر هذه الجسور واهمها هو جسر ماريا، الذي يتميز بهيكله المعدني وتجري فوقه القطارات على مدار الساعة. يقف الجسر صامداً امام تلك القطارات التي لا تهدأ طوال الليل والنهار وهناك جسر لويس الذي يربط مركز اوبرتو بمدينة فيلانوفا، وهو ايضاً على شكل قوس ضخم والجسر الثالث هو جسر ارابيدا، وهو ذو تصميم حديث. وتقع مدينة اوفار على الفرع الجنوبي لنهر ريادي افيرو، وهي مدينة صناعية تعيد المهن التقليدية للسكان المحليين مثل الصيد والتجارة الساحلية وبناء القوارب، وتشتهر المدينة ايضاً بالمرجان الذي تمتلئ فيه الشوارع بالعوامات الحية. وتقع افيرو على بحيرة ريا، ولاتبعد كثيراً عن الساحل الاطلسي، وهي احدى مدن البرتغال، التي حققت نجاحاً اقتصادياً باهراً، ويطلقون عليها اسماء عديدة، من اشهرها فينيسيا البرتغال، بسبب القنوات العديدة بها وقوارب النقل التقليدية التي تزخر بها. ويطلقون عليها اسم «المدينة المائية» حيث الماء هو العنصر الغالب على كل شيء كما يطلقون عليها «مصنع الملح» في ايماء للملح الذي يستخلص من مياهها. اما فيجويرا دافوز فهي تتميز بموقع فريد، وبها شاطئ خلاب يسمى «الشاطئ المشرق» الذي تشرق الشمس على رماله طوال اليوم وتنعكس عليها، ولا يكتمل الجلوس على الشاطئ الا بتناول الأطباق البحرية المتنوعة، وتشهد المدينة احتفالات شعبية عديدة تقام بانتظام طوال العام. ومدينة كويمبرا يطلقون عليها مدينة الطلبة بسبب وجود أقدم جامعة فيها تعد من أقدم الجامعات في اوروبا. وهي مدينة فريدة من نوعها فليست صغيرة بالقدر الذي يزدحم به سكانها، وليست كبيرة بالقدر الذي يتوهون فيها، وهي مدينة مساحتها بالقدر الذي يسمح لسكانها بالالتقاء على ضفاف الانهار او وهم يتسوقون. وأعلى جزء في المدينة توجه به مدينة تعود إلى العصور الوسطى، هي مدينة سي مثلاً أو (الكاتدرائية القديمة). ولاتزال مدينة فيسيو تحتفظ بعبق التاريخ، فالابواب والنوافذ في العديد من القصور والمتاحف تعود الى القرن السادس عشر، أما الرسومات فهي للفنانين العظام، من امثال فاسكو فرنانديز وتتألق على جدران متحف جراو فاسكو، وعند الحديث عن القرنين السابع عشر والثامن عشر تستطيع ان ترى آثارهما من خلال القصور والنوافير، والعديد من الامكان والمباني التي يغلفها التاريخ. وكاستيلو برانكو مدينة تنقسم الى منطقتين مختلفتين تماما، الاولى هي الجزء الحديث من المدينة، والذي يتميز بالمباني الشاهقة ذات نوافذ مختلفة الاشكال. والثانية هي الجزء القديم الذي يتميز بالشوارع الضيقة، ويمتد إلى ما لانهاية من المناطق الخضراء التي ترويها المجاري المائية والهدوء هو السمة الاساسية في هذه المدينة بقسميها وتنتشر فيها التلال مختلفة الاشكال والاحجام. اما تومار فهي مدينة تم بناؤها على نطاق انساني، حجراً فوق الآخر، وتكشف عن اعماق تاريخ البرتغال الذي يمتد عبر ألوف السنين، وهي تستحق ان يزورها السائح سيراً على الاقدام حتى يعطي عينيه فرصة لكي تستمتع بالمباني والنوافذ والشرفات، وهذه المدينة هي تاريخ خالص، يضم تراثاً ثقافياً هائلاً، تحتفل به الدولة البرتغالية كل عامين. والآثار التي تضمها المدينة الى جانب التراث الفني العتيق. والمورول الفادوسي منطقة تنقسم الى عدة قرى تتميز بالهدوء الشديد، ويجري فيها نهر يعد أكبر نهر في شبه جزيرة ايبيريا، وهو نهر التاجوس الذي يقطع هذه المنطقة بأكملها، ويروي التلال المزروعة، ويغمر الوادي والاكتشافات الأثرية التي تم العثور عليها كشفت الكثير عن الأسرار التي تناقلتها الأجيال. اما اوبيدوس فهي مدينة تسيطر عليها حوائط القلعة التي بدأ بناؤها في القرن الثاني عشر بهدف حماية السكان اثناء الصراعات الممتدة على المنطقة. وفي القلعة توجد أربعة بوابات مثبتة بحوائط صلبة، وخلال عصر الازدهار الذي شهدته البلاد في القرن السادس عشر تم بناء قصر مانولين ـ الذي، اصبح الآن فندقاً ـ للتدليل على الفن المعماري المتميز الذي كان سائداً في ذلك الوقت. وتعد الهندسة المعمارية التي تشتهر بها أوبيدوس من الفنون المعمارية القليلة التي لاتزال تحتفظ برونقها منذ العصور الوسطى وحتى الان والمدينة عبارة عن شوارع ضيقة ومبان قديمة، يكسوها اللون الابيض. وسانتاريم هي مدينة عبارة عن صفوف من البيوت البيضاء تنتشر في كل مكان وقد اكتسبت هذه المدينة أهمية كبرى في شبه جزيرة ايبيريا سواء من حيث موقعها الجغرافي الاستراتيجي أو من حيث كونها مركز تقاطع بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. وكانت من قبل مدينة رومانية، وكانوا يطلقون عليها لفترات طويلة اسم «سكالابيس» حتى بعد الفتح الاسلامي، ثم اطلقوا عليها اسم سانت ايرين. وهناك العديد من آثار الفتح العربي الاسلامي لهذه المنطقة متمثلة في طبيعة الشوارع والرسوم المعمارية للبيوت، الامر الذي جعل هذه المدينة متحفاً مفتوحاً وعلى الزائر ان يتعرف على قائمة المتاحف في هذه المدينة حتى يستطيع ان يقوم بزيارة إلى تاريخها. تحت آفاق لشبونة لشبونة هي عاصمة البرتغال انشأها حسبما تقول الاساطير أو ليسيس واطلق عليها اسم اوليسيبو، وفي عام 1200 قبل الميلاد جاء الفينيقيون فأعطوها اسم «اليس اوبو» وعندما جاء الرومان اطلقوا عليها اسم «فيليسيتاس جوليا». وعندما جاء العرب والمسلمون لفتحها اتخذوها معقلاً واطلقوا عليها اسم «الأشبونه» وهو الاسم الذي ظلت تحتفظ به حتى عام 1147 بعد غياب الراية العربية الاسلامية عن تلك الآفاق. وكل حجر في لشبونة يروي قصة ماحول تاريخ المدينة الطويل وفي هذا التاريخ، كما يؤكد المؤرخون كانت هناك اوقات للنصر والضحك وتقاسم الثروة وتبادل الابتسامات بين الغرباء، حدث ذلك عندما عادت السفن من الشواطيء البعيدة وعندما حصلت البلاد على الاستقلال، وعندما حلت الزهور في الشوارع في ابريل 1974 بدلاً من سفك الدماء في الحروب الاستعمارية في افريقيا. لذلك فإن الكثير من الحكايات يمكن ان تحكيها لشبونة، اذا استطاعت ان تعبر عن نفسها وعلى الرغم من ذلك، فانها تستطيع ان تتفاعل بما تشعر به بطرق اخرى، ولا يستطيع احد أن يفشل في فهمها، هناك الحدائق الغناء والاشجار والنخيل يمرح فيها وحولها العشاق وثمة اشياء هي جزء من الحياة ذاتها وتعلمها سكان لشبونة على مدى سنوات طوال، ربما لانهم يعرفون ان كل يوم مختلف عما سبقه وعما سيأتي بعده. ودائماً يبحث سكان لشبونه عن مهرجان او احتفال يحتفلون به، عندما تأخذهم الى الشوارع ليضيئوا لياليها. وعندما يذهب الليل ويستيقظ ابناء المدينة على اشعة الشمس فانهم يستهلون يوماً جديداً، ملؤه الامل والتفاؤل. لقاء القرية والمدينة مثل العديد من الاماكن الممتدة عبر الساحل الممتد من لشبونة الى كابودا روكا توجه كاسكيس، وهي عبارة عن قرية للصيد والتي تقتصر حياة سكانها على العمل اليومي من اجل استمرارية الحياة. ولاتزال في هذه القرية تستطيع ان تشاهد الشوارع الضيقة والمباني العتيقة، وتستطيع ان تشم من خلالها عبق الماضي. وهذه القرية الصغيرة هي مثال حي على الحياة البسيطة التي يكدح فيها الانسان كدحاً حتى يحصل على قوت يومه من الصيد أو الزراعة أو اي عمل يدوي حيث لا تعرف الميكنة طريقهاليه. وكثيراً ما يتوق سكان المدن الى يوم من ايام تلك الحياة البسيطة الهانئة، فكل ما فيها مكرس من اجل صحة الانسان وسعادته من دون تدخل من أي شيء يفسد هذه الحياة. تلك هي ابرز ملامح الحياة في البرتغال، التي تستطيع ان ترى فيها كل شيء، مثلما ترى الفصول الاربعة في اليوم الواحد. وتستطيع ان تستمتع فيها بالشواطيء الجميلة، والشمس المشرقة، والاثار الجميلة القديمة التي تأخذك الى قرون عديدة مضت. ويستطيع ان تستمتع في البرتغال بأجواء القرية المفعمة بالحياة والامل، وتستطيع ان تسير في دروب المدينة الحديثة، التي تلهث وراء كل ما هو جديد بلا هوادة. وتجد في البرتغال القديم يعانق الحديث والتراث يصافح الحداثة في جو يندر ان تجد مثله في اي مكان في العالم، لكن القراءة التي تقوم بها في تاريخها ينبغي ان تبدأ أبجديتها بالوعي أولا.