بيان 2: دق التليفون. وبدأ المتكلم يحيني في مودة. قدم لي نفسه، لكنني لم أكن أعرفه. ذكر لي اسماء بعض أصدقائي، فأحسست بالارتياح. انتظرت ان يصل الى هدفه من هذه المكالمة. وفعلا قال لي: ـ الدكتور أحمد زويل يحييك ويدعوك الى العشاء الليلة! بدا لي انني لست المطلوب. فعلاقتي بالدكتور زويل لا تتجاوز لقاء جلسنا فيه على نفس الطاولة منذ عامين وتبادلنا فيه الحديث مع خمسة أو ستة من بينهم مصطفى حسين رسام الكاريكاتير ولا أذكر الآخرين. شكرت المتحدث وضمنيا شكرت الدكتور زويل على الدعوة وحاولت ان أدير حوارا اتأكد من خلاله ان الدعوة لي وليست لشخص أخر. أذكر أن جرس الباب دق ذات مرة في الثالثة صباحا، وقمت مفزوعا، وفتحت لأجد ثلاثة من العمالقة، ومعهم رسالة يريدون مني ان اتسلمها. ولكنني عندما بدأت أوقع بالاستلام اكتشفت أن المقصود هو محفوظ الأنصاري رئيس وكالة انباء الشرق الأوسط وكانت الرسالة تحدد موعدا هاما في الصباح الباكر. شرحت لهم انني المقصود وكان من الممكن ان ينتهي الأمر عند هذا الحد لولا كوامن الشر في النفس الإنسانية. قلت لهم انهم ربما أرادوا بيت فلان وهو قريب من بيتي، وفلان هذا من أقارب محفوظ الانصاري، وسمعوني في لهفة وأنا أشرح لهم كيفية الوصول الى البيت. وطبعا خرجوا من عندي الى بيت فلان واستيقظ مثلي في هذا الوقت. ودلهم على بيت محفوظ الانصاري. ولم يعرف كيف جاءوا اليه حتى حكيت له القصة. ولكن هشام المتكلم في التليفون أدرك بذكائه انني أشك في طبيعة المكالمة، فضحك وأكد لي ان الدعوة فعلا من الدكتور زويل. في ذلك اليوم كنت أقيم في فندق لانجز عملا. وكان لابد أن أذهب الى البيت لارتدي ملابس مناسبة للدعوة. واخترت بالطبع أفضل ماعندي. لم يقل هشام شيئا عن طبيعة الدعوة بل ولم يقل شيئا عن المكان انتظارا للمساء لكي يحدده. ومع ذلك كان لي تصور لم أفهم مبرره أن الدعوة في فندق وانها موجهة الى بضع عشرات من الناس بعضهم اصدقاؤه، وبعضهم يريد التعرف بهم، وأحدهم يظن ان التعرف به خير، لكنه سيكتشف العكس، وهذا هو أنا. ولكن هشام تكلم وقال ان الدعوة ستكون في محل سمك في المهندسين والحمدلله انه كان يتكلم في التليفون ولم ير الدهشة على وجهي. وأنا أعرف محل السمك الذي على قلة ما أعرفه من المطاعم وقد بدأت معرفتي به عندما دعتني صاحبته للعشاء.. تلاحظ دعوات العشاء وبالطبع لا تعرف ولا هم يعرفون أن علاقتي بالأكل علاقة سيئة! ولم أكن أعرف أن السيدة التي تتحدث وتدعوني هي راقصة معتزلة، ولكن النساء يعرفن كل شيء، ولذلك تغير وجه زوجتي، فآثرت السلامة، واعتذرت عن دعوة العشاء هذه. دهشت لأن الدعوة في مطعم السمك حيث لا يمكن جمع العشرات الذين تخيلتهم ولو اتسع لهم المحل فكيف يتحدث معهم، وكيف يبدي لهم حسن الضيافة. وقبل الموعد بعدة دقائق كنت في المكان. وفوجئت بأنني وحدي ولولا انهم دلوني على الطاولة التي حجزها زويل لاعتقدت أن الأمر كله مقلب مدبر من شخص شديد المهارة. واحسست بالرضا عن نفسي لأنني سبقت الجميع في الوصول الى المكان، وأنا من الذين يحترمون مواعيدهم جدا، وأصل دائما في موعدي. ونادرا.. ونادرا جدا لو انني تأخرت دقائق. وآن لي ان أفخر بهذا. فها هو رجل دقيق يحسب الزمن بواحد على التريليون من الثانية، يعرف انني دقيق في مواعيدي. جاء صديقي مدحت وهللت لرؤيته، وبدأ وجوده يفسر لي دعوة زويل. فلقد استبعدت تماما أن أكون قد أثرت في الرجل منذ عامين وانتظر طول هذا الوقت ليدعوني ولا أظن انني أملك كل هذا السحر، بل ولا أي شخص آخر والرجل منذ أن حصل على جائزة نوبل لم يهدأ لحظة. لقد اتصل به مسئول من الأكاديمية الملكية السويدية وقال له ان لديه خبرا هاما له. وسقط قلب أحمد زويل بين قدميه، فالأكاديمية السويدية هي التي تعطي جوائز نوبل. وقال له: ـ مستر زويل أمامك ثلث ساعة تهنأ فيها كما تريد. أما بعد ذلك فأنت ستحيا حياة أخرى تماما. وبعد ثلث ساعة من هذه المكالمة أذيع خبر حصول أحمد زويل على جائزة نوبل في العلوم. ومنذ تلك اللحظة تغيرت حياته تماما كما توقع له الرجل. قال لي الدكتور زويل انه دائما كان معجبا بالفن والفنانين وانه كان في قمة السعادة عندما يتاح له أن يتكلم مع أحدهم أو يلتقط صورة. وفي لقاء اخر وها أنا استبق الأحداث، اتجهت فنانة كبيرة الينا وسلمت علينا، ثم قالت لزويل: ـ هل تسمح أن آخذ صورة معك! كما قال له مسئول الأكاديمية انقلبت حياته تماما، فبعد ان كان يتمنى ان يجد الفرصة لأخذ صورة مع فنان شهير، أصبح ـ أي الفنان الشهير ـ يسعى ليتصور معه! هذا الى جانب التليفون الذي لم يكف لحظة منذ ذلك الحين. والأحاديث الصحفية والتليفزيونية، والمؤتمرات، وحفلات التكريم، ودعوات الملوك والرؤساء. أعود الى دعوة العشاء بعد أن قفزت الى لقاءات أخرى. تشبثت بصديقي مدحت وكأنني وجدت طوق النجاة. وجلسنا نتحدث. ونظر في ساعته. كان صاحب الدعوة قد تأخر أكثر من نصف ساعة. وضاع حلمي في التباهي بدقتي. وأدهشني ان رجل الوقت يفلت منه الوقت. وأتى أحمد زويل يرتدي ملابس أسبور مثل شاب في المدرسة الثانوية يذهب مع زملائه الى النادي. وخجلت من تأنقي، وخف عني أنني رأيت مدحت متأنقا أكثر مني! كنت أعرف منذ لقائنا الأول منذ سنتين أن زويل شاهد مسلسل (أم كلثوم) وانه طلبه كاملا من وزير الاعلام، وانه كان أول من حصل عليه. ولذلك لم أدهش كثيرا عندما أخذ يحدثني عنه. تحدثنا عن جو التآلف الأسرى وكيف أن هذا كان مناخا ضروريا لانتاج هذه الموهبة وقال انه أيضا من أسرة متحابة متماسكة. وتمسحت أنا أيضا فقلت انني من أسرة لها نفس المواصفات. وزدت في التمسح فقلت له انني من مواليد نفس المحافظة وهي محافظة البحيرة. وهلل فهو شخص يجامل بطبيعته. ثم أضاف بأن الفترة المؤثرة في حياته هي الفترة التي عاشها في مدينة دسوق. ودسوق هي مدينة صغيرة في محافظة كفر الشيخ وعلى اتساعها كمحافظة كانت جزءا من محافظة الغربية ثم انقسمت قبل ثورة يوليو حيث تغير اسمها من الفؤوادية نسبة الى الملك فؤاد الى كفر الشيخ. وقلت له ان فترة هامة في حياتي قضيتها في كفر الشيخ حيث انهيت دراستي الثانوية ولما كان والدي قد ظل يعمل في كفر الشيخ، كنت أقضي الاجازة السنوية بها وخرجت منها بذكريات ثرية وصداقات عميقة ومن بين زملاء الدراسة هناك وفي القاهرة أحمد العماوي وزير القوى العاملة الذي يلح عليّ أن نلتقي فأعده أن ذلك سيكون بعد خروجه من الوزارة والشاعر الراحل فؤاد بدوي. وهلل زويل مرة أخرى. وأصبحنا أغلبية أمام مدحت وهشام. وحدثني زويل عن «بوابة الحلواني»، إنها فترة مثيرة له. لكنه يجهل الكثير عنها. وكلمة «يجهل» كلمة زاعقة جدا اذا قيلت عن أحمد زويل الذي قال أثناء حديثنا أن مشكلة العلم أنك كلما عرفت أدركت أنك تجهل الكثير! وجاءت اللحظة الموعودة عندما سأله مدحت عن الفمتو ثانية وهل هو اختراع أم اكتشاف. فقال أنه اكتشاف واختراع. وأخذ يشرح وأنا أحدق فيه مهتما. لكنني ـ بصراحة ـ لم أفهم شيئا! هل حكيت لك ما لا يفيد ثم عندما أتينا الى المفيد رأيتني عاجزا؟ على أي حال هذا ما وعيته فعلا.