بيان 2: تغيرت اشكال واسماء وألوان العمامات الهندية عبر القرون الماضية لكنها ظلت دائما تعبر وبقوة عن الثقافة الهندية في كافة اطرها القديمة والحديثة، بعبارة اخرى كانت بمثابة تعبير حقيقي عن عقيدة وحضارة وتاريخ وثقافات الشعب الهندي، فوراء كل لون وشكل معان خاصة بحيث تدل على اصول مستخدميها، لهجتهم، ديانتهم، طائفتهم ومهنتهم ايضا. كل ذلك يحكمه قانون صارم غير مكتوب في ارتداء غطاء الرأس وخاصة ان الثقافة السنسكريتية الهندية استخدمت غطاء الرأس كرمز روحاني للتبجيل والتقدير والاحترام، في الوقت نفسه جسد الزعماء الروحانيون مثل سوامي فيفيكاندا والشعراء ابرزهم رابيندر اناث تاج الشخصية الهندية من خلال ارتداء العمامات الوطنية تعبيرا واعتزازا بالوطن. وتؤكد الشواهد والسجلات التاريخية ان دوافع وبواعث التزيين والتجمل وتغطية الرأس تعود الى ما قبل التاريخ وخاصة الى فترة تسمى «الفيدا» التي عاشها سكان جزيرة سيلان «سيرلانكا اليوم» حيث يطلق على غطاء الرأس التقليدي لدى الهنود اسم «بوجري» وهي عبارة عن لفائف رقيقة من القماش توضع حول قبعة لوقاية الرأس من حرارة الشمس الشديدة او البرد القارس خلال فترة الشتاء اضافة الى الرياح والعواصف والاتربة. تلك القبعات مثال حي وقوي على سيادة نزعة الوحدة والتوحد والتكتل لدى افراد المجتمع رغم التنوع والاختلاف في العادات والتقاليد والحياة الاجتماعية في شبه القارة الهندية، بل يمكن القول ان قبعات الرأس هي اكثر من مجرد هوية او علامة مميزة لفئة معينة او مجموعة من الناس يرتبطون بحياة اجتماعية متقاربة في اقليم معين باعتبارها رمز الكرم والحفاوة، الفخر والاعتزاز وفي الوقت نفسه صورة من صور الهيبة والاحترام. وتشير الصورة الثقافية في تفسير تلك الظاهرة الى وجود معنى جديد وقوة متميزة في هذا المجال لتفسير «بوجري» يتلخص كما يرى ذلك احد المهتمين بالجوانب التراثية والازياء التاريخية الهندية «جوريو جوفيند سينج» عندما تم تمجيد وتعظيم كل من يلبس تلك العمائم كانت بمثابة ترحيب يعيد مجددا نوازع العظمة والابهة المفقودتين لتراث «بوجري». ففي مناطق شمال الهند تشير «بوجري» الى الفخر والاعتزاز والاحترام للشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من اجل عزة ورفعة بلادهم. في الفكر العقائدي للعديد من مناطق الهند لعبت العمامة الدور البارز باعتبارها احد الاركان الرئيسية للشعائر والطقوس الدينية التي يمارسها بعض اتباع الديانات في تلك المناطق فيما اشار المسح الميداني لطبيعة الحياة الاجتماعية الى عدم وجود اي زواج تقليدي في الهند دون ان يقترن باعتمار العمامة او غطاء الرأس سواء العرسان او حتى من الحضور المشاركين في حفلات الزفاف. ويعني تراث العمامة الزي الرائج والمتغير في كل الاوقات ففي راجستان تتميز قبعات «بوجري» باشكال متعددة تعبر عن الوضع الاجتماعي للشخص الذي يرتديها وتختلف ألوان القبعات اختلافا كبيرا تبعا للفصل الذي يتم خلاله ارتداءها بحيث يكون لها معان خاصة في العادات المحلية للمنطقة. اما اليوم فإن جميع تلك الرموز قد طواها النسيان والاهمال الا انها ظلت ساطعة ممثلة في ارتداء البجرة كرمز ودليل على الخضوع والاستسلام والاذعان. تختلف العمائم في المناطق الهندية شكلا ولونا ولكنها لها اسماء عديدة واسعة فهي مختلفة الاسم في 18 لغة على الاقل وهي ابرز اللغات الرئيسية الموجودة في الهند. فتسمى باللغة الهندوسية: «بوجري» البنجابية: راستار، الاوردية: داستار او «بوجري»، الكشمرية: سافو او داستار، السندية: باتيكا او باتيوكا، المهارشترية: باجوتا، لهجة القوجرات: باجهري، البنجالية: آم، في اورويسا: باجيوري، في كيرلا: اوميشا او شريوبيستانا، وعند التاميل: تاليباجي. عرفت اغطية الرأس بشكل واسع باسم «بوشنيا» في العالم الشرقي في الادب القديم وهي ذات لون ابيض ناصع وهناك بعض العمائم ذات اوراق ونتوءات خارجية ومزركشات وهناك عمائم اسطوانية تشبه اله الشمس عند الهندوس أصبحت شعبية ومشهورة تبعها قبعة غاندي الخفيفة الناعمة التي تشبه قبعات شمال الهند البيضاء اللون وتسمى «بايا». وايضا وجدت عمائم مستطيلة الشكل مثل «موكوتا» التي اصبحت موضة دلت على النبل والرفاهية والملوكية وخلال حكم الهندوس اعتبر غطاء الرأس رمزا للاحترام والتمجيد وليس من الناحية الرمزية بل من حيث الشكل والحجم. مساهمة في الاستقلال لعبت «بوجري» دورا بارزا خلال فترة ما قبل الاستقلال الهندي عن الاحتلال البريطاني فكانت ترمز الى الشهامة والاعتزاز لدى الشعب الهندي وبرز ذلك عندما حاول البريطانيون التأثير بقوة في التركيبة الاجتماعية والسياسية للمجتمع الهندي مما زاد من حقد الشعب الهندي ضد التوجهات الاوروبية. وفي احدى كلماته امام حشود الشعب اشار المهاتما غاندي قائلا: «الهنود هذه الايام يكرهون اي شيء ذي نكهة أوروبية». وكان للعامل السياسي دوره في التأثير على انتشارها وخاصة عندما نظمت الجماهير الهندية احتجاجات ومقاطعة للبضائع الاوروبية اوائل القرن التاسع عشر وسرعان ما ظهرت روح جديدة في هذا المجال تمثلت في ظهور آمال جديدة تحكم العلاقات الهندية بالعالم الخارجي وخاصة الاوروبي. وكرد فعل طبيعي بدأ الناس الاهتمام برموز القبعات الهندية باعتبارها رمزا للمعارضة ضد الاحتلال البريطاني. واستطاع غاندي بعمامته «توبي» خلال القرن العشرين ان يكتسب شهرة ومكانة متميزة باعتباره رمزا للحرية والنضال من اجل الاستقلال، لذلك استخدم غاندي قبعته في استغلال الظروف والاوضاع الهندية التي كانت سائدة في تلك الفترة ولم يكن يدرك بأنها ستصبح رمزا للمعارضة للوجود البريطاني. وفي هذا الاطار يقول الكاتب الهندي «ايما تارلو» ان التفكير بالانواع والاشكال العديدة للعمامات الهندية على مر العصور يشير الى ان عمامة سكان منطقة كشمير هي افضل الانواع الموجودة حيث تتميز بخفتها واناقتها وسهولة تجهيزها وتحضيرها خاصة وطيّها في جسم صغير يسهل حملها وغسلها وكيها، هذا اضافة الى الوانها الراقية المتداخلة والجذابة. وأصبحت قبعة غاندي «وهي التي ارتداها جواهر لال نهرو، سوباس شاندرا بوس، دكتور سيف الدين كشيلو، دكتور راجندرا براساد والعديد من القادة الهنود في شتى المجالات» هي الابداع الحقيقي للقبعات حيث تعبر عن طبيعة العلاقات بين الشعب الهندي وغيرهم من الامم الاخرى. بنظرة واحدة الى الوراء يبدو تاريخ القبعات وأغطية الرأس واضحا من حيث اختلافها من منطقة الى اخرى ومدى تأثيرها وقوتها المعنوية والاجتماعية في ايجاد التقارب بين القادة والجماهير من كافة الفئات والطبقات ووصل غطاء الرأس كمفهوم اجتماعي في المجتمع الهندي منذ عصر ما قبل التاريخ حيث كان الفلاح مزهوا بنفسه من خلال تجسيد طموحاته النفسية والاجتماعية بالظهور بمظهر متميز عن بقية الاخرين وسعيه الى تجميل نفسه. وفي تلك الفترة تمكن من نسج ملابسه الخاصة. ووجد رجل ما قبل التاريخ رأسه وشعره عاريا مما دفعه الى استخدام اوراق الاشجار والزهور وريش الطيور في تغطية رأسه الا ان ذلك لم يحقق هدفه المتمثل في الحماية من الشمس والاحوال الجوية الطبيعية الاخرى وخاصة ان غطاء الرأس يسمى في الهند «شيروستران» شيرو تعني رأس وستران تعني الحماية. وفي عام 300 قبل الميلاد استندت كتب التاريخ الهندي القديم الى اشارات حول اوامر صادرة عن الملهم عند الهندوس «ريشتي اباثامبا» للطلاب بأن يخلعوا قبعاتهم عندما يقتربون من مدرسيهم كنوع من الاحترام والتقدير. وفي القرون الوسطى كان رفع القبعات بمثابة نوع من الشرف والفخر بل ولم يكن يسمح لاحد بالدخول الى القصر الملكي دون ارتداء القبعة «بورجري» وحتى اليوم في شمال الهند لا يسمح لاحد بالدخول الى المعابد او المساجد دون غطاء الرأس. الاصول الاولى وتقول الكتب التاريخية ان المرجعية الاولى لغطاء الرأس في بلاد الهند القديمة تعود الى رسومات على احدى الصخور تم اكتشافها من قبل احد الصيادين قبل اكثر من 3 آلاف عام حيث يمكن مشاهدة المواقع الصخرية في منطقة كيرلا الجنوبية. ومن خلال تتبع المراحل التاريخية لتطور القبعات يمكن معرفة تفصيلات اكثر من طبيعة حياة الشعب الهندي الذي استخدم القبعات قبل أوروبا بقرون طويلة ففي القرن الحادي عشر وتحديدا خلال الحضارة البيزنطية اصبح غطاء الرأس من الملامح المميزة للمجتمع الهندي قبل انتقاله الى العالم الاوروبي بعد ذلك حيث كان مثبتا في اوضاع مختلفة: عمودي، امامي، رأسي وأصبح بعد ذلك ذات حجم آخر يناسب الجميع. ومع مرور الوقت خضع الغطاء لتغييرات متميزة من حيث الشكل العام والالوان فيما نراه اليوم بأحجام وألوان لا تعد ولا تحصى، وفي راجستان يعني ارتداء غطاء الرأس احتراما من الطرفين وبدونها يكون تبادل التحيات والعلاقات اهانة للطرف الآخر. وفي بعض الاحيان تستخدم القبعات لطلب السماح والعفو كما كانت توضع على رأس العريس اضافة الى اعتبارها رمزا من رموز تعاقب العائلات وحفظا لسلالتها حيث كان يتم تسليم الغطاء خلال مراسيم الوفاة. وينطبق هذا الحال ايضا خلال احتفالات تتويج الملوك. كما للقبعات في هذه المنطقة مدلول خاص، ونجد السكان خلال شهري فبراير ومارس تفتح الازهار يرتدون قبعات ملونة باللون الاحمر ومزركشة بأشكال جميلة تسمى «فالجيونيا». وفي شهر يوليو يلبسون القبعة ذات اللون الزهري ثم ذات اللون الاخضر خلال الرياح الموسمية.