بيان 2: الحياة بتفاصيلها اليومية تبدأ أو تنتهي في هذا المكان..هذا ما ستتأكد منه عندما يصادفك الحظ وتخطو أولى خطواتك على أرض (ميدان التحرير )، أكبر وأجمل ميادين القاهرة. يمكنك أن تتخيله وطنا بأكمله، لما يحمله من الضجيج والزحام والأضواء والروائح الجميلة ما يكفي عالما كاملا، هذا الميدان الذي يعبره مئات الآلاف يوميا، تاركين فيه دوامة من المشاعر لا تنتهي. هذا المكان الذي يجمع أعظم فراعنة العالم بجوار باعة التسالي والزهور وروائح الساندوتشات الأمريكية مع أصوات (الجنازات ) المهيبة جملة من الأمور والمتناقضات تجعلك توقن أنه بالفعل عالما كاملا وغريبا.. لعلك إذن تريد أن تعرف حكاية هذا المكان وتفاصيله منذ البداية. عشرة قرون تقريبا. وإذا كنت تقف الآن في ميدان التحرير، تفكر في صعوبة أن تنقل قدميك خطوة للأمام أوالخلف، ومحاصرا بزحام شديد وضجيج وأنفاس وروائح برفانات وأطعمة وأضواء شديدة الإبهار. إذا كان ذلك كله يحدث معك الآن، فلاشك أنك لو رجعت إلى الماضي لأكثر من ألف عام وفكرت أن تقف في نفس المكان، فإنك ستفشل تماما، ليس لأنه سيكون أقل زحاما أو ضجيجا أو حتى مكانا مهجورا، بل لأنك لن تجد هذه الأرض مطلقا! بل ستلمح من بعيد نهر النيل وهو يجرى على نفس الأرض في زهو وعنفوان شديدين وكأنه يقاتل قوى مجهولة ليزيد من إتساعه. فإذا كان (ميدان التحرير) الآن يقع على حافة الشاطئ الشرقي للنيل فإن أرضه لم تكن موجودة إطلاقا عندما جاء الفتح العربي لمصر سنة 20هـ 614م، وعندما بدأ إنشاء مدينة الفسطاط وقتها كان الشاطئ الشرقي للنيل يبعد 500 متر عن مكانه الحالي ناحية الشرق وهي المسافة التي انتقلها النيل ناحية الغرب خلال هذه الفترة الطويلة وهي ظاهرة جغرافية تمتاز بها الانهار في مجاريها الدنيا، إذ يضعف التيار هنا، فينحت في الجانب الغربي ويبني في الجانب الشرقي بما يجلبه معه من رواسب وطمي وبهذا الشكل تزداد مساحة الأرض فيما جاور الساحل الشرقي، بينما يتسع المجري في الساحل الغربي، وهذا ما حدث بالفعل للنيل في المنطقة الممتدة حاليا من ساحل (أثر النبي) بمصر القديمة حتى روض الفجر، فقد روت المصادر التاريخية أن حصن بابليون وقت الفتح العربي لمصر، ومعه جامع عمرو بن العاص، كانا يشرفان على النيل، وأن المقوقس، عندما شرع يفاوض عمرو بن العاص في شروط التسليم خرج من باب الحصن العربي، الذي كان يعرف بباب الحديد ـ وكان مشرفا على النيل ـ وركب زورقا عبر به النيل إلى جزيرة الروضة على الضفة الغربية وهذا الباب الذي يوجد اليوم في كنيسة المعلقة يبعد عن النيل حاليا بنحو 500 مترا، كما يبعد جامع عمرو عن النيل بنفس المسافة. وقد استمر تحول النيل نحو الغرب فيما جاور هذه المنطقة من ذلك الوقت حتى قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر سنة 1798م، وتخلف عن ذلك اراضٍ جديدة أضيفت إلى القاهرة، ومن بينها خطط اللوق ـ التي يتبعها ميدان التحرير حاليا ـ وبولاق والمنطقة الواقعة حول مستشفى قصر العيني، والسيدة زينب وغيرها من المناطق، لكن يصعب تحديد مراحل هذا التحول تحديدا زمنيا دقيقا، كما يصعب تحديد وقت ظهور كل من هذه المناطق. ميلاد الأرض وعموما إذا كنا نتكلم عن مكان ميدان التحرير الحقيقي، فقد بدأ يكتسب وجوده الفعلي فيما بين عامي 330ه،560هـ لتصبح هذه الأراضي زراعية لا يغمرها النيل إلا وقت الفيضان فقط.. فإذا ما انتهى الفيضان تنكشف الأراضي ويبدأ الناس في زرعها بدون حرث، لليونتها كما يفعل (الملق) بالوجه القبلي، وهذا هو تسميتها بأرض اللوق، والتي يجاورها (ميدان التحرير) اليوم، وعلى بعد خطوات قليلة منه، يقبع ميدان آخر أقل ضجيجا وأكثر حزنا هو ميدان (باب اللوق). ورغم ظهور هذه الأراضي وهجرة النيل لها، إلا أنه لم يحدث بها أي بناء إلا مع عهد الظاهر بيبرس البندقداري سنة 660ه.. ومع أن ما شيد من الأبنية كان قليلا فقد هدم تماما في نهاية القرن العاشر الهجري، وإنما بدأ العمران الحقيقي وصوله إلى هذه المنطقة في عهد الخديوي إسماعيل في القرن الثالث عشر الهجري، أي ما يقارب مائتي عام،.. حيث شيدت بها كثير من المباني والعمائر الفخمة ونشأت أحياء الإسماعيلية (وكان ميدان التحرير فيما مضى يسمى ميدان الإسماعيلية) والتوفيقية وغيرها من الأحياء. ومن المعروف عن الخديوي اسماعيل انه أول من يمد العراق الطويلة والمستقيمة والقاهرة تفتقد لهذا التخطيط من قبله، ولم يكن يوجد بها سوى شارع واحد طويل هو الحسينية.. وربما تنبع رغبة إسماعيل في تخطيط القاهرة إلى علاقته الوطيدة بالغرب، والذي استدان ما يقرب من مائة مليون جنيه من أجل تنفيذ مشروعاته عن طريق اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية.. ويكفي ما ذكره التاريخ عن الطريقة التي استقبل بها الخديوي إسماعيل ضيوفه في حفل افتتاح قناة السويس الذي كلفه عدة ملايين، إذ دعا ملوك أوروبا وملكاتها، وشيد القصور الفاخرة لإقامتهم مدة شهرين في مصر التي خطط شوارعها جيدا وخاصة منطقة الإسماعيلية التي يقع بها ميدان التحرير الحالي.. ويكفي أنه كلف أحد عباقرة الموسيقي وهو الموسيقار فردي بوضع أوبرا عايدة لتمثل أمام الضيوف. ويكفي هنا أن نشير إلى عبقرية التجميل والتخطيط التي إختصت بها القاهرة وخاصة المناطق القريبة من النيل. ويعتبر حي (الإسماعيلية) من أهم الأحياء التي أنشأها الخديوي إسماعيل، ويكفي أنه إختصه باسمه. وكانت جهاته من قبل أراض خربة، تحتوي على كثبان من الأتربة، وبركة للمياه وكميات من السبخ، فخططها وأنشأ فيها الشوارع والحارات، على خطوط مستقيمة وأغلبها مقاطع على زوايا قائمة ـ كما نراها اليوم ـ ودقت شوارعها وحاراتها بالحجر ـ الدقشوم ـ ونظمت على جوانبها الارصفة، ومدت في أرضها أنابيب المياه وأقيمت فيها أعمدة المصابيح، وهو نفس الشكل الموجود في الشوارع الأوروبية الراقية والتي كان (إسماعيل) مغرما بها، فأصبحت هذه المنطقة كما يقول (على باشا مبارك ) في خططه، من أبهج مناطق القاهرة وأكثرها عمرانا، وسكانها الأمراء والأغنياء. ومن أهم القصور التي أنشأها إسماعيل بهذه المنطقة قصر عابدين، والذي جعله مقرا رسميا بدلا من سراي القلعة التي بناها محمد على.. بالإضافة لعدد كبير من القصور المخصصة لإستقبال الضيوف والملوك. التماثيل والناس وعلى بعد خطوات من ميدان التحرير الحالي (الإسماعيلية سابقا ) كانت توجد ثكنات قصر النيل التي كان يحتلها الجيش الإنجليزي طوال مدة الاحتلال والتي كانت في عهد إسماعيل وتوفيق ثكنات للجيش المصري.. لكن عندما اعتلى فاروق عرش مصر فقد ترك هذه المنطقة تقريبا لتصبح قطعة من أوروبا بفضل جنود الاحتلال الإنجليزي، ولم يمنع ذلك من تدخله أحيانا لتعديل أو تجميل هذا الميدان.. فأمر بأن يوضع في وسطه نصب تذكاري يحتله تمثال جده إسماعيل ـ وكان ذلك قبل الثورة بقليل ـ يقابله في ميدان عابدين تمثال لوالده فؤاد وكانت فكرة فاروق أن ينظر والده من ميدان عابدين فيرى إسماعيل رابضا في ميدان الاسماعيلية، فينتاجيان ما شاءت لها النجوي ويتسامران. ولما كان الطريق الموصل بين التمثالين ضيقا، ولكي تتاح الفرصة للتمثالين أن يري أحدهما الاخر في جلاء ووضوح، فقد اراد فاروق، أن يوسع شارع البستان، ويهدم المنازل القائمة على جانبيه، ويشرد سكانها، وكان عددهم يبلغ أكثر من ألفي أسرة، في وقت ضاقت فيه القاهرة بسكانها، وقد صدر بالفعل قانون بإخلاء تلك المساكن من أصحابها وإجراء عملية الهدم، ولم يجد صراخ تلك الأسر وعويلها أمام جبروت فاروق ونزقة.. لكن القدر لم يمهله ليكمل ما يريد وجاءت ثورة يوليو 1952 لتطيح بعرشه تماما وتعيد تخطيط القاهرة وميادينها وتطلق على ميدان الاسماعيلية السابق إسم ميدان التحرير ليستمر هذا الاسم حتى اليوم ويصبح هذا الميدان من أكبر الميادين العالمية. الوجه الحقيقي وربما يكون من اليسير أن تعرف تاريخ (الميدان) الذي يمثل واحدا من أكبر وأجمل ميادين العالم، لكن الصعوبة الحقيقية أن تقف على المعنى الحقيقي والعميق له، لا كمكان فحسب، بل كروح شديدة الصخب، لأنك ستكون بالفعل غارقا في تفاصيل لا تستطيع تفسيرها إلا بجهد وحب شديدين.. لما تحمله من متناقضات عنيفة تعبر بعمق عن التحولات التي أصابت المجتمع المصري وتراكمت على أكتافه خلال تاريخ طويل يرجع لعدة آلاف من السنين، ويزداد تعقدا في النصف قرن الأخير. وإلا ما معني أن نقف في مكان يجمع توابيت لأعظم فراعنة مصر القديمة وعلى رأسهم توت عنخ أمون، وعلى بعد خطوات منه سلسلة المطاعم الأمريكية، والأوروبية، كنتاكي، ماكونالدز، ومطاعم البيتزا، كلها تجاور محلات العاديات والبازارات والشركات السياحية ومكاتب الصرافة واستبدال العملات، عدا عدد كبير من الأطفال المتسولين النائمين ليل نهار في حدائق الميدان.. وأطنان من البشر، يسيرون نياما، أحلام كبيرة تسقط، وتدهسها سيارات بالغة الفخامة، وملابس وأزياء تصرخ من الفقر والاستهلاك (ميدان التحريرإذن ليس مكانا محددا بمساحة، بل رغبات إنسانية ممتدة ودائمة الصراع، والبقاء للجميع ولا معيار حقيقي للقوة). لكن إذا حاولت أن تكون دقيقا بعض الشئ وتبدأ جولة سريعة في هذا المكان لمجرد أن تمر خلال دائرته المتسعة عبر دقائق طويلة، فإنك ستكون مجذوبا لتبدأ جولتك من نقطة إرتكاز هذا الميدان ومن أمام أضخم مبانيه حيث يقف مبنى مجمع التحرير شامخا بطوابقه ال17 وشكله نصف الدائري وطريقة تصميمه العتيقة، التي قد توحي لك أنك أمام مبنى الحكومة المصرية بكل إختصاصاتها، وأن الدولة كلها تقبع في هذا المبنى الهائل، والذي يضم 1400 غرفة يشغلها أكثر من 30 ألف موظف في عدد كبير من الوزارات والمصالح الحكومية، ويكفي أن هذا المبنى يتردد عليه يوميا ما يقرب من مئة ألف زائر في اليوم لقضاء مصالحهم التي لا تنتهي أبدا. وفي الصباح تكفيك نظرات سريعة أمام هذا المبنى لتعرف ما يدور داخله» آلاف من الموظفين أغلبهم يسعى لتوثيق أوراقه لمغادرة البلاد.. عدد كبير من المحتالين في إنتظار اصطياد زبائن جدد من الراغبين في السفر وإنهاء إجراءات الجوازات والتأشيرات وغيرها.. طلبات نقل داخل إدارات التربية والتعليم.. أختام وأوراق ومصائب وأفراح. عدد كبير من أبناء الجاليات العربية والأجنبية.. عربات شرطة تحمل الكثيرين من أبناء الدول الافريقية الهاربين داخل القاهرة بعد انتهاء مدد إقامتهم، هربوا من المجاعات والحروب الأهلية ليواجههم مصير السجن والغرامة والترحيل إلى بلادهم مرة أخرى.. عوالم مختلفة وضجيج مؤثر ينتزع احشاءك من داخلك. ويجعلك تدرك صعوبة الحياة في مدينة مثل القاهرة. أما إذا كانت تمر مساء فإنك ستجد هذا المبنى وكأنه قد غرق في نوم عميق لا يحرسه سوى عدد قليل من أفراد الشرطة، يحتسون أكواب الشاي والسجائر.. بينما تحولت (الصينية) الأمامية المزروعة بزهور يانعة دائما، إلى ملتقى العشاق من ابناء الطبقات الفقيرة أو تلك المسماه بالوسطى والتي تتآكل كل دقيقة بفضل الحراك الاجتماعي الذي تتسيده فئة على حساب الأغلبية.. جلسات دافئة ناعمة ومثيرة وحكايات رائعة يتخللها باعة التسالي والمياه الغازية.. بينما يلعب الشباب في صخب وهم يخبئون هزائمهم الأسرية خلف ملابس غريبة تعلن عن تمردها وسعيها نحو حرية ما.. هذا وحسب. احتفاليات الموت على يمين مجمع التحرير ربما تستمتع إلى صوت قرآن عال ينبعث في المكان ناشرا جوا من السكينة والاطمئنان ولا يخلو من رهبة الموت.. إنه مسجد (عمر مكرم) الذي يعرف كأهم مسجد في القاهرة تخرج منه الجنازات الرسمية ولأصحاب المراكز المرموقة وكبار الشخصيات المعروفة.. من هذا المسجد خرج مئات من رموز الفكر والسياسة والفن والاقتصاد وعلية المجتمع إلى مثواهم الأخير، تاركين فخامة في العزاء وفرصة لمن خلفوهم للتأكيد على مكانتهم الاجتماعية. وباستثناء هذه الجنازات (الراقية) فإن الصلوات تقام بإقبال كبير في هذا المسجد الذي يمتد نشاطه إلى مكتبة ضخمة لعلوم الدين والشريعة والعلوم الأخرى.. ويدخل في اطاره مركز لتعليم الكومبيوتر وأنشطة اجتماعية عديدة ويعود اسم هذا المسجد إلى (عمر مكرم) أحد علماء الأزهر وزعيم الحركة الشعبية في عصر (محمد على)، وهو واحد من أهم من ساعدوا الأخير على اعتلاء عرش مصر، عندما خرج عمر مكرم مع عدد كبير من علماء الأزهر في مظاهرة حاشدة إلى بيت محمد علي في 13 مايو 1854 لينتخبوه واليا على البلاد على أن يحكم فيها بالعدل والمشورة!! ونادوا بسقوط خورشيد باشا (الوالي التركي على مصر وقتها) وعندما رفض الأخير أشعل عمر مكرم ثورة هائلة من الشعب حاصروا خلالها القلعة لمدة شهرين حتى تم عزل الوالي وتعيين محمد علي بدلا منه.. لكن ما أن استتب الأمر لمحمد على حتى ظهر حكمه الاستبدادي فجمع السلطة بأسرها في يديه وبدأ في التنكيل بزعماء الشعب ممن ساعدوه من قبل، وفي مقدمتهم السيد عمر مكرم الذي تم نفيه إلى مدينة دمياط، حتى توفي بعدها بعدة أعوام فاقدا قدرته على تأليب الشعب على واليه الظالم! وإذا تركت مسجد عمر مكرم وسرت قليلا سيصدمك الهواء بالغ الرقة منسابا برائحة الفل والياسمين حيث كوبري قصر النيل أحد أجمل الكباري في العالم والذي يميل قليلا جهة اليسار بينما لا يخلو في أي ساعة من اليوم من العشاق والأسر الهاربة من جحيم البيوت لا يعكر صفوهم إلا إلحاح باعة الورود والشيكولاتة وعقود الفل. يقبع على مدخلي الكوبري أربعة أسود ضخمة من البرونز، وقد أصبحت كائنات أليفة من اعتيادها على هؤلاء البشر الباحثين على الألفة والسعادة. وقد أنشئ هذا الكوبري في عهد الخديوي إسماعيل وكان يريد ربط القاهرة بالجزيرة فأنشأ (قنطرة) قصر النيل سنة 1862على يد شركة (فيف ليل ) الفرنسية وتكلف108 ألف جنيه بأسعار هذا الوقت.. وقبل أن تصل إلى هذا الكوبري وإذا كنت تنوي إستكمال جولتك في دائرة الميدان فحسب فإنك سترى إثنين من أهم المباني السياسية في القاهرة، هما مبنى وزارة الخارجية القديم وهو عبارة عن قصر بالغ الفخامة. وأمامه تقف جامعة الدول العربية وعرباتها الدبلوماسية وحراساتها الكثيفة. الملوك الخالدون وفي أقصى الشمال من (ميدان التحرير) يمكنك أن تلمح مبنى متسعاً لا يتجاوز إرتفاعه الثلاثة طوابق فقط، يكسوه لون بني فاتح للغاية، وكأنه أحد المعابد المصرية القديمة، معمار فني يقف شامخا رغم عدم إرتفاعه وكأنه يقاوم الموت منذ آلاف السنين.. ويتفق المظهر العام للبناء مع محتواه حيث ستعرف بمجرد الوصول إليه أنه مبنى المتحف المصري الحديث، وهو واحد من أكبر متاحف العالم ينافس متاحف اللوفر وتورنو وغيرها. ويحيط بالمتحف المصري حديقة متسعة إلى حد ما تتناثر بها عدة تماثيل وأحجار فرعونية ثقيلة تعلن عن محتوى المتحف بينما تزدحم هذه الحديقة بأعداد كبيرة من السائحين الذين يحرصون على زيارة المتحف والتعرف على خلاصة التاريخ المصري القديم. وقد أتم هذا البناء الفني قرنا كاملا من الزمان حيث أنشئ سنة 1900 ليفتتح بعدها بحوالي عامين في 15 نوفمبر 1901، ليضم هذه المجموعة الرائعة والفريدة من الآثار والتحف المصرية القديمة.. وقبل إنشاء هذا المتحف كانت جهود عديدة تجرى لجمع هذه الآثار والحفاظ عليها بعد أن كانت نهبا للسرقة وخاصة من تجار العاديات الأوروبيين بالإضافة لتصرف حكام وولاة مصر في القطع الأثرية وكأنها من ممتلكاتهم الخاصة.. غير أن فترة حكم (سعيد) لمصر شهدت ما يشبه الالتفات لأهمية هذه الآثار.. (فكلف مارييت باشا ـ الذي يطلق اسمه حاليا على أحد شوارع ميدان التحرير بجوار المتحف تماما ـ بجمع هذه الأثار وتصنيفها والاهتمام بها لعرضها في متحف يحكي تاريخ البلاد منذ بدايته القديمة، واستطاع (مارييت) باشا تكوين النواه الأولى لهذا المتحف فجمع بعض القطع الأثرية الهامة خاصة التي تأتي من معابد الجنوب (الأقصر وأسوان) وأودعها في أحد الابنية ببولاق سنة 1858وظلت الآثار تتوافد على هذا المتحف المتواضع حتى ضاق بها المكان فضلا عن تعرضها للتلف والسرقة، فتم نقلها إلى قصر إسماعيل بالجزيرة ومنه إلى هذا المبني الحالي. وبعد وفاة (مارييت) باشا خلفه (ماسبيرو) الذي تعاون مع أحمد كمال باشا على تنظيم المتحف ومعروضاته وترتيبها في هذا المبنى الجديد الذي تم بناؤه على أرض تبلغ مساحتها حاليا لإقامة جراج السيارات وأتوبيسات بإرتفاع 5 طوابق تحت الأرض.. ومازال يجرى تجهيزه حتى اليوم. ويتألف المتحف من طبقه ارضية وطبقتين علويتين، أما الطبقة الأرضية فقد خصصت للمعروضات الثقيلة والآثار الكبيرة الحجم وهي مرتبة حسب الترتيب التاريخي للأسر، ويتوسط هذه الطبقة ساحة واسعة تشمل على بعض التماثيل الضخمة. أما الطبقة الثانية فتشتمل على آلاف من المعروضات الرائعة من تماثيل ولوحات وبها كمية كبيرة من اللوحات الجدارية زاهية الألوان والتي تم اقتطاعها من عدد كبير من معابد مصر القديمة، بالإضافة إلى آلاف البرديات والمخطوطات الملكية وشكاوى الطبقات الدنيا في المجتمع الفرعوني القديم.. هذا غير عدد كبير من التوابيت والمومياوات الفرعونية لملوك ووزراء وكهنة ويمتد الأمر لتجد مومياء لأطفال من هذه الأسر العريقة! أما الطبقة العليا من المتحف فتحتوي في قسمها الشمالي الشرقي على أهم كنوز المتحف بل وأهم القطع الأثرية الموجودة في العالم أجمع، وهي أثار الملك توت عنخ أمون بداية من قاعة الجواهر التي تضم أروع مجموعة من الجواهر والأحجار الكريمة النادرة الموجودة، بالإضافة لمومياء الفرعون الشاب التي مازالت تثير الجدل حتى الآن. ويوجد بالمتحف مكتبة كبيرة للسائحين والباحثين المهتمين بالحضارة المصرية القديمة ويبلغ رصيد هذه المكتبة أكثر من مئتي ألف كتاب أغلبها مؤلفات باللغات الأجنبية وبها أيضا مجموعة من الوثائق البردية باللغة اليونانية. إذا خرجت من المتحف ستكون مجبرا على العودة إلى الحياة الأكثر واقعية، حيث يتحول التاريخ في هذا المكان وكأنه محض خيال تتمتع بالتعمق فيه، ستعود إلى بائعة الجرائد وأفواج السائحين وطوابير الغرباء السائرين في تمهل، وكأنهم يمارسون طقوسا خاصة من العبادة يفرغون خلالها مشاعر دافئة وحالمة لا تستطيع أن تحتمل ضجيج القاهرة واختناقها.. هذا هو ميدان التحرير خلال لحظة واحدة فقط.