السينما العربية إلى أين؟ على بوابة قرن جديد كتاب صدر عن جمعية الشجرة لإحياء الذاكرة والتراث الفلسفي 2001 هو في محتوياته أقرب إلى المجلة أو الدورية، فهو يحتوي على جزأين أولهما دراسة تحاول استشفاف مشكلات السينما العربية والثاني يقدم شهادات لسينمائيين ومخرجين وكتاب ونقاد وممثلين ومنتجين من مختلف البلاد العربية . المخرج السوري محمد ملص يذكر في مستهل شهادته قولاً للإمام علي في شهادته ـ رضي الله عنه -: القلب مصحف للبصر الذي يري فيه تفسيرا لفهمه ومقاربته للسينما كأداة تعبير، ويقول انه لا يشعر بالحرج بأن الإمام علي في قوله هذا كان أول سينمائي في الإسلام وهو في مسيرته السينمائية يمضي على طريق يحاول أن يصل به إلى إثبات هذا الاعتقاد بالسينما ®. فإن تحويل الأداة التعبيرية إلى شحنة تكهرب الحواس كلها لا يتم إلا عبر الصدق في التعبير والوضوح في القول - ومن هنا كان اختياره لـ سينما المؤلف ليس اختيارا أسلوبيا بل كوسيلة للبحث عن الصور المفقودة والعثور عليها والعيش بها حين تتحول هذه الصورة إلى فيلم ®. ويختم شهادته بأهمية التطورات النوعية المتسارعة على صعيد تقنيات الإتصالات والبث على صعيد وصول الصورة ذاتها، والتدخل في بنائها ومحتواها ونقائها وقوة تأثيرها البصري والسمعي ويدين ملص الوسائل التقنية المتاحة حاليا للسينما العربية بأنها تنتمي إلى عصر آفل ويؤكد على الإمكانات المدهشة التي يقدمها العصر الرقمي للصورة مما يضع المرحلة الراهنة التي يتجاور فيها التلفزيون مع السينما على أبواب الإنتقال إلى عصر الصورة سواء كانت أداة وصولها حالة سينمائية أو علبة تلفزيونية . اما شهادة المخرج السوري نبيل المالح فبدت متشائمة أشد التشاؤم معتبراً فيها ان كل تاريخه السينمائي والتلفزيوني وجوائزه، يبدو كأنه ورد على نعش حلم ®. فقد فاز التخلف الذي يستشري عبر عالمنا العربي، سقطت أفكار العدالة والمساواة، سقط الجمال الذي كنا نحاول تكريسه وظهر على السطح جمال السلع سقطت عظمة البحث والجدل والاكتشاف وسادت ثقافة التبعية ثم يقول ان الثقافة في عالمنا العربي - فيما عدا استثناءات نادرة قابعة في منطقة رد الفعل مثل السياسة تماما . ويدين المالح وسائل الاعلام التي تمثل حصرا مفاهيم السلطة، بأنها صنعت عالما مرئيا موازيا وحقيقة تلفزيونية ليس لها علاقة بالواقع المعيشي للبشر ولا ترمي إلا تثبت عناصر الوعي القائم ومع الغاء لأية فعالية من الفضائيات نوعا من التوافق بين هدف السلطات العربية ومفاهيم التسطيح الفكري لدى هذه المراكز الاعلامية ويشك المالح في قدرة المثقف العربي على إنتاج خطاب ثقافي مستقل ومتحرر لأنه ليس هناك منهج لتحقيق مثل هذا المشروع وليست هناك من قوى سياسية فاعلة يستند المثقف إلى مشروعها النهضوي ولكنه يحاول في ختام شهادته أن ينفي تشاؤمه يقول إنني مؤمن بأن انفجارا سيحصل، فالتاريخ قد علمنا الكثير وحركة العالم الضاغطة بشكل جنوني ستعلمنا أكثر، وسيخرج ضوء ما من تحت هذا الركام . يحصر المخرج الكويتي خالد الصديق شهادته في الوضع السينمائي في الكويت ودول الخليج بالدعوة إلى تجمع للسينمائيين الموجودين في الكويت ويدعو الشباب الكويتي المتخرج حديثا من أوروبا وأمريكا ومصر أن يبدأوا من أول السلم بأعمال صغيرة قبل تحقيق فيلم روائي طويل كما يؤيد مشروع إنشاء مركز سينمائي عربي تابع للأمانة العامة لدول مجلس التعاون لا يقتصر دوره على اقامة ستوديوهات، بل يقوم بالإنتاج وبإنشاء دور العرض والمعامل . ويطالب المخرج البحريني بسام الذوادي بالدعم المادي لكل من يريد أن يعمل فيلما سينمائيا خليجيا له قيمة ثقافية، ويعيب على المؤسسات الحكومية عدم وجود الوعي بأهمية السينما كما يبين مشاكل السينما في دول الخليج بعدم وجود متخصصين من مونتير أو مؤلف موسيقي أو مدير تصوير أو مهندس ديكور وفنيين الخ وكما أن هناك أمية سينمائية تصل إلى 80 من الشعب ومن هنا أهمية وضع خطة للتثقيف بنشر نوادي السينما ويشير لمشكلة ضيق رقعة توزيع الفيلم السينمائي ويقترح لزيادتها الإنتاج المشترك مع دول عربية أو أوروبية، كما يؤكد على أهمية دور مؤسسات الإنتاج الإعلامي في إنتاج ودعم أفلام سينمائية . ويعارض المخرج المصري توفيق صالح إستمرار السينما العربية في إطارها الإقليمي الضيق مصري أو سوري أو تونسي أو مغربي ويدعو إلى نوع سينمائي عربي يحمي البلاد العربية من أن نبقي مستهلكين لأفكار وعادات وسلوكيات لأنماط غربية، يعيب على الدول العربية دعمها للتلفزيون الذي يقوم على خدمتها الاعلامية والثقافية، واعتبار السينما هامشية ويتمنى أن تكون الدول العربية على مستوى عال لعرض صورة المجتمع العربي في المستقبل . ويتناول المخرج رضوان الكاشف قضايا عديدة للسينما العربية فالبنسبة يرى أن توفره يسمح بالتنوع في الإنتاجات السينمائية لتلبية احتياجات المشاهدين على اختلاف ثقافاتهم، هذا التنوع لا يتوقف على السوق العربي العام بل حتى على السوق المحلي ويواجه الفيلم العربي معوقات تقف في وجه حركته ويعطي مثالا لما حدث لفيلم عرق البلح الذي حصد قرابة عشرين جائزة مصرية وعربية ودولية، ومع ذلك لم يجد المكان والزمان المناسبين للعرض في السوق المصري وهذا مما يؤدي الى خسارة للمنتج ويجعله يفكر ألف مرة قبل أن ينتج أفلاما جادة كما يشير الكاشف إلى قضية الرقابة التي وضعت العديد من القيود أمام الإبداع فالإبداع يتردى كلما كانت الرقابة أكثر تشددا . ولا يخلو حديث الكاشف من نقطة ايجابية فهو يشيد بالجيل الشاب من السينمائيين العرب إذ يحسنون التعامل مع التقنية الحديثة بمختلف مجالاتها ويستطيع الجيل القادم من الشباب الموهوب أن يقدم أعمالا جديدة بل مبدعة . المخرج الاجنبي الوحيد الألماني ما نفريد توس الذي شارك كعضو لجنة التحكيم بمهرجان دمشق، برأي خاص له وجاهته إذ قال ان السينما العربية عموما لا تختلف عن السينما الألمانية بأن أكثرية المترددين على السينما هم دون سن العشرين، ومن هنا فإن تطور السينما العربية يرتبط بمدى قدرة المخرجين العرب على أن يلتصقوا في أعمالهم تطلعات هذه الأجيال الجديدة، يأخذ الإشارات منهم، كما طالب بتقديم الدولة معونات لتمويل الأفلام من خارج الأطر السياسية لكي لا تلعب السياسة دورا كما أنه على التلفزيون أن يقدم دعما للسينما. وتنبّه الممثلة المصرية فردوس عبد الحميد الفنان العربي لضرورة أن يدرك المخطط المعادي الذي يحاول اختراق العقل العربي والثقافة العربية وتشويه صورتها وتعتبر سياسة التطبيع البوابة لتحقيق ذلك المخطط وتطالب بالدعم المادي للسينما العربية وفتح حرية التعبير أمام المبدع، ورفض العولمة ومواجهتها بتعزيز ذاتنا العربية وتسخير كافة الإمكانيات البشرية والفكرية وكل منجزات التقنية الحديثة وثورة المعلومات في سبيل تعزيز حضورنا وتطوير ثقافتنا والدفاع عن قضايانا. يتفق معها الناقد الباحث السينمائي الفلسطيني بشار إبراهيم إذ يقول العولمة تطرح تحدياتها وعلى السينما العربية أن تخوض هذا التحدي وتنتصر فيه فهي تستند إلى تراث حضاري كبير وثورة كبيرة من طاقات بشرية مبدعة في كل التخصصات وبيئات متنوعة ®. ثم يضيف أن السينما الفلسطينية في واقعها الراهن وفي تحدياتها المستقبلية تمثل خلاصة الواقع الصعب للسينما العربية ماديا ومعنويا، ويطالب بعرض الأفلام الفلسطينية في البلاد العربية حتى لا ينحصر عرضها في المهرجان وتظاهراتها، مما يخلق قطيعه معها. القاهرة ـ فوزي سليمان