عندما عثر أول عالم آثار أوروبي يعمل في كمبوديا على موقع انجكور، المركز الديني والسياسي القديم لحضارة الخمير، كانت هناك اشجار باسقة ذات قشرة رمادية وجذور مزودة بمجسات تحتفظ بالعديد من المعابد المدمرة في قبضتها. وبالنسبة للكثيرين فإن اسم انجكور يستدعي الى الذهن سلسلة مبان رائعة منحوتة من الحجر ومشابهة على نحو غريب للقصور ذات القباب التي يبنيها الاطفال على الشاطيء من خلال تشكيل الرمل الرطب بين أصابعهم. وعلى الرغم من ان الهندسة المعمارية الخاصة بمجمعات المعابد العديدة تعتبر مألوفة للكثيرين، الا ان جمال فن النحت لدى الخمير ظل مجهولا في جانب كبير منه، بسبب سنوات من الصراع السياسي في المنطقة. غير انه في ظل الفرص المتاحة الآن بفعل اتفاقيات السلام الأخيرة والتعاون الدولي وظهور تجمع ديمقراطي في كمبوديا، هناك معرض جوال يضم حوالي 120 عملا بارزا من المنحوتات الخاصة بحضارة الخمير يجوب كلا من باريس وواشنطن وطوكيو وأوساكا. ويعتبر المعرض الذي يحمل عنوان «ألفية المجد.. فن النحت في أنجور وكمبوديا القديمة» أول معرض كبير من نوعه يقام في امريكا الشمالية واليابان وأهم معرض حول الموضوع يقام في فرنسا منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية. تمتد مدينة انجكور التي يعني اسمها «المدينة الملكية» على مساحة تقدر بحوالي مئتي ميل مربع، وتغطي كنوزها من الناحية الزمنية فترة ستة قرون، وهي لا تحتوي على موقع واحد وإنما على ثمانية وثلاثين موقعا رئيسيا، بعضها في حجم بلدة صغيرة تمتد بمحاذاة محور من الشرق الى الغرب بطول ستة عشر ميلا في شمال غربي كمبوديا. وأشهر هذه المواقع جميعها هو مجمع «انجكوروات» الذي يعود بناؤه الى القرن الثاني عشر في المدينة الملكية التي تشكل معبدا والتي تبدو صورتها الظلية اليوم على العلم الوطني للبلاد. وسعى عالم الآثار الفرنسي برنارد فيليب جروزلير الذي كان مسئولا عن موقع أنجكور منذ عام 1908 وحتى عام 1975 عندما اضطرته حركة الخمير الحمر الى المغادرة، سعى A الى تصوير جانب من أهميتها عندما شبهها بباريس، ولكن مع وجود جميع المتاحف الشهيرة والمباني التاريخية مجتمعة معا. وقد يكون من الضروري لفهم المنحوتات التي عرضت في المعرض الجوال الوقوف عند بعض الحقائق التاريخية، فقد تأسست المملكة الانجكورية في السنوات الاولى من القرن التاسع للميلاد، وحتى ذلك الوقت، كانت الأرض محكومة من قبل سلالة سونيايا، اقطاعيي جاوة، الذين كانوا شأن مواطنيهم يعبدون الآلهة الهندوسية. لكن انتصار البوذية في جاوة خلال القرن الثامن للميلاد أضعف مكانة حكام سونيانا الى درجة ان أمير الخمير الذي أصبح فيما بعد الملك جايافارمان الثاني، استطاع ان يحرر بلاده من الوصاية الاجنبية وان يقيم عاصمته في منطقة روليوس على بعد حوالي ثمانية أميال الى الجنوب من أنجكور. وقد أعلن حاكما عاما لجنوب شرق آسيا في عام 802. وفي الوقت نفسه تقريبا وبمحض الصدفة، قدّر لرهبان بوذيين ان يصبحوا حكام التيبت، بينما توّج البابا في روما الامبراطور شارلمان في الغرب. لقد ازدهرت المملكة الجديدة لأكثر من ثلاثة قرون حتى تم الاستيلاء على أنجكور في عام 1977 من قبل الشامانيين الغزاة، وهم شعب من جنوب فيتنام. وفي هذه الفترة الحرجة تم تتويج جايافارمان السابع ملكا على البلاد (1181 ـ 1218) حيث رد الغزاة وفتح بلادهم ووسع مملكته الى ما وراء حدودها السابقة وبنى لنفسه عاصمة جديدة في انجكور توم. غير ان سقوط انجكور قبل صعود هذا الملك لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، فقد قاد الى فقدان الثقة بالآلهة الهندوسية التي فشلت في حماية الدولة. وباستشعاره لهذه الحالة المزاجية، قرر الملك الجديد ان يؤسس قاعدة روحية بالتحول الى البوذية المهاياتية وجعلها الدين الرسمي للدولة. لم يكن هذا التحول جوهريا بأي حال كذلك التحول الذي قرره اخناتون الفرعوني في مصر القديمة، الذي أوجد عقيدة توحيدية جديدة واعتبرها الديانة الرسمية لمملكته. ففي الواقع ان البوذية ومنذ البداية كانت تمارس الى جانب شكلين من الهندوسية، هما تقديس شيفا وإعلاء شأن فيشنو. وبعد ان أعاد ترسيخ دعائم دولته، أطلق جايافارمان السابع برنامجا هائلا للبناء مصمما لتعزيز الحماية السماوية على الأرض. وخلال حكمه الذي استمر ستة وثلاثين عاما، قام بشق الطرق وبناء العديد من الجسور وأكثر من 155 مأوى للرحالة ومثلها من المستشفيات ومعبدين كبيرين هما (تابروم في عام 1116 وهو مكرس لوالدته وبرياخان في عام 1191، وهو مكرس لوالده) لكن انجازه المعماري الرئيسي كان عاصمته انجكور توم التي تبعد حوالي نصف ميل عن أنجكور وات، وهي محاطة بسور طوله سبعة أميال وخندق مائي بعرض مئة ذراع. وبينما يخدم هذان المعلمان هدفا عمليا فإن لهما أهمية رمزية ايضا، فالسور يرمز الى الجبال التي تعد حدود العالم، ويرمز الخندق المائي الى المحيطات التي تحيط بالعالم. وفي وسط المدينة ينتصب «بايون» وهو معبد رائع على شكل جبل يتألف من اثنين وخمسين برجا يحمل كل جانب من جوانبه الاربعة وجها منحوتا، ويجسد جبل ميرو أي جبل الآلهة. وبمعنى ما فقد كانت المدينة تمثل مدينة الالهة والملك جايافارما هو ملك الآلهة بينما يمثل الأمراء والحكام والموظفون المدنيون الآخرون الآلهة الأقل درجة. وكان المعبد «بايون» هو مكان اجتماعهم. ضرار عمير