من بين المجموعات العرقية المختلفة المئة التي تعيش في انحاء القارة الافريقية، تعتبر الماساي واحدة من أشهر المجموعات العرقية واكثرها تميزا. وبالنسبة للكثيرين، في الغرب فإن قاماتهم الطويلة المميزة وملابسهم الحمراء وشعورهم المصبوغة باللون الاصفر وطقوسهم التقليدية تبدو وانها تجسد روح افريقيا ذاتها. وتعي حكومات كينيا وتنزانيا، حيث يوجد الماساي، قوة الرمزية التي يمثلونها، فصورهم تزين معظم كتيبات المعلومات السياحية داخل وخارج هاتين الدولتين، وتنعكس في العديد من التذكارات السياحية بدءا من الملصقات الى المجوهرات والاواني الفخارية الى أعمال النحت والنقش. غير ان الحقيقة هي ان علاقة الماساي بالسلطات تعتبر أقل دفئا وحميمية مما يبدو عليه الأمر، فهؤلاء الناس هم شعب يعتبر بقاؤهم طويل الاجل موضع شك. والمحاولات الهادفة الى السيطرة على القبيلة والقضاء على نمط حياتها البدوي التقليدي هي محاولات جارية منذ الحقبة الاستعمارية وحتى وقتنا الحاضر. يوضح الخبير في شئون الماساي البروفيسور بول سبنسر من مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية الوضع بعبارات غاية في الوضوح بقوله: «انهم منبوذون بنظر الدولة، لكنهم مثل الطريدة البرية، فهم يجلبون السياح والعائد المالي». يعتقد بأن الماساي وصلوا الى المنطقة من شمال افريقيا في وقت ما خلال القرن الخامس عشر. وبصفتهم محاربين ناجحين جدا، فقد بدأوا بطرد القبائل الاخرى حتى باتوا يهيمنون على سهل عشبي ضخم يمتد من شمال وسط كينيا الى شمالي تنزانيا وكذلك معظم الاراضي الممتدة من بحيرة فيكتوريا الى الساحل. وهكذا فإن بلاد الماساي امتدت بطول 1000 كيلومتر من الأعلى للأسفل وبعرض 300 كيلومتر أي من على منطقة تبلغ مساحتها ضعف مساحة انجلترا. وعندما وصلت طلائع الاوروبيين في القرن التاسع عشر، شعر القادمون الجدد برهبة من السلوك الفخور والمظهر الجسدي المهيب لهؤلاء الناس لدرجة انهم اعتقدوا بأنهم لا يمكن ان يكونوا أفارقة وإنما جماعة متحدرة من أصل روماني. ولكن، كما يقول جورج مونبيوت المعلق الاجتماعي والمؤلف في كتابه الذي يحمل عنوان «أرض مشاع.. رحلة لتقصي الحقائق عبر كينيا وتنزانيا»، فإنه لم يمض وقت طويل حتى أدرك المستعمرون ايضا ان الماساي سيسببون المشاكل على الارجح للامبراطورية المتوسعة. ويقول مونبيوت في كتابه: «ان هؤلاء الاشخاص الذين طاردوا الاسود وقتلوها برماحهم والذين انتقلوا فوق مساحات شاسعة وحاربوا قبائل اخرى واحيانا شرائح من قبيلتهم نفسها وسرقوا الماشية والزوجات ورفضوا فلاحة الارض كانوا النقيض للمفهوم البريطاني للمجتمع المنظم جيدا. وكانوا ايضا من أشد القوى المحاربة في افريقيا، ولولا المصائب الفظيعة التي وقعت عليهم، لكانوا قد جعلوا الاستعمار أمرا مستحيلا. في النهاية لم يكن هناك حاجة لقتالهم، فأكثر من نصف الماساي أبيدوا بفعل الفيروسات البشرية والحيوانية. فقد اقيمت طرق جديدة للتجارة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بين ما يعرف الآن بكينيا والقرن الافريقية وشبه الجزيرة العربية، وهذه الطرق فتحت المجال سهلاً امام دخول مرض الماشية القاتل «طاعون الماشية» الذي اباد 95% من قطعان الماشية الخاصة بالماساي، وبعد ذلك اجتاحت المنطقة سلسلة من أمراض الجدري التي قضت على حوالي 60% من شعب الماساي. وبحسب وصف مونبيوت فإن هذا الانتشار للوباء قد ترك شعب الماساي ظلا محطما وممزقا لما كانوا عليه لكن السلطات الاستعمارية البريطانية ظلت تعتبر وجودهم تهديداً خطيراً لها ينبغي علاجه. وفي عام 1904 كتب اول حاكم مستعمر في كينيا يقول: يجب الا يكون هناك شك بأن الماساي واي قبيلة اخرى ينبغي ان تموت وهذا احتمال انظر اليه بضمير صاح. والامر الذي حصل بعد ذلك هو ان الماساي تم اخراجهم ببطء من الارض التي يعتمدون عليها، وتم تقسيم الجانب الاكبر منها بين المستوطنين البيض، الحياة لم تتحسن بالنسبة لهم عندما رحل البريطانيون فغالبية الماساي يعيشون في كينيا، والحكومة هناك شعرت ان من الحكمة تقييد تحركاتهم قائلة ان الدولة العصرية تحتاج لكي تزدهر الى ان يتم خصخصة الارض فيها وفلاحتها. ومنذ الستينيات استمرت هذه السياسة في حشر الماساي في اجزاء صغيرة من الارض وتم تحويل مناطق عديدة في شرق افريقيا الى حدائق وطنية يمنع الماساي من دخولها على اساس ان نمط حياتهم المتعلق بالافراط بالرعي ثم التخلي عن الارض يدمر البيئة، وكان هناك رأي واسع الانتشار مفاده ان الماساي يشكلون تهديداً للحياة البرية في هذه المناطق لانهم بالاضافة الى كونهم يقتلون الحيوانات بشكل مباشر، يقومون بنشاطات مثل نصب الاسيجة الشوكية حول حفر مياه الشرب للحيوانات في اوقات الجفاف. والمنطق القاسي يقول انه من اجل أن تبقى هذه الانظمة البيئية الفريدة، يتعين حمايتها من الماساي الرحل، وبلغة مالية بحتة، فإن السياحة تعتبر الصناعة الاكبر في كينيا واعمال الماساي ينظر اليها كتهديد مباشر لنجاح عناصر جذبها الكبرى. بصفته مناصرا بارزاً للحدائق الوطنية، يقول الناشط الالماني في مجال المحافظة على البيئة البروفيسور بيرنهارد جريزميك: يجب ان تبقى اي حديقة وطنية برية بدائية لكي تكون فاعلة ولا ينبغي ان يعيش اي انسان ولا حتى السكان الاصليين داخل حدودها. ولكن وكما يقول مونبيوت في كتابه سالف الذكر فإن المشكلة الوحيدة تمثلت في ان الاماكن التي تم اختيارها كانت موطنا لآلاف الاشخاص. ويذهب الكثير من المراقبين ومن بينهم جورج مونبيوت الى القول بأن نمط الحياة البدوي للماساي هو افضل طريقة لمنع الافراط في الرعي، لانه يساعد الارض على التغلب على مشكلة النقص في مصادر المياه. ضرار عمير