خمس ساعات من الطرب الخالص أمضاها محبو الغناء الأصيل أمس الأول مع الفنان صباح فخري الذي ظل يصدح منذ منتصف الليل وحتى طلوع الفجر في أمسية من ليالي عيد الأضحى المبارك استضافتها قاعة الراشدية بفندق البستان روتانا ـ دبي، وشهدها دبلوماسيون عرب وجمهور من الذوّاقة غص بهم المكان. تلك الليلة.. انتظرنا لبعض الوقت لمتطلبات يقتضيها مناخ الحفل واستثنائيته، وكان لابد من انتهاء «قرقعة» الصحون والملاعق وتنظيف الطاولات من «فوضى الطعام»، فالجلوس في حضرة صباح فخري مسألة مختلفة، والاستماع اليه يحتاج الى انصات من نوع آخر، هو بمثابة تناغم كامل بين كيانين: المانح والمتلقي، وبقدر ما يكون الجمهور معافى في تلقّيه، يغدو الفنان أكثر كرماً واشراقاً في منحه. وهكذا كان.. فبعد مقطوعة تختزن في طياتها سحر موسيقى الشرق، قدم مؤديان من الكورال اغنيتين تلاهما عازف الكمان في موسيقى منفردة مرتجلاً على مدى خمس دقائق بعضاً من الأنغام الملونة التي دغدغت مشاعر الحضور ونالت تصفيقهم الحار. وبعد صمت قليل، يعتلي سيد القدود الحلبية الخشبة لتشتعل القاعة بالاهازيج تحية له، وبعد انحناءة تواضع واحترام مقدماً خلالها الشكر لمحبة الجمهور، اشاد صباح فخري بما «تبقى من أصوات تطرب وآذان تصغي في زمن بتنا نعاني فيه من ندرة هذه القيم». البداية كانت موشحاً أندلسياً: «أحنّ شوقاً الى ديار رأيت فيها ديار سلمى» ثم تتالت الاغنيات والموشحات والقدود التي نشأنا عليها منذ تفتح وعينا على الغناء، لكنها جاءت تلك الأمسية في صيغ وأشكال مجددة ومطورة سواء على مستوى التوزيع الموسيقي او الاداء، فيما كان الكورال يشكل فريقاً متناغماً ولاعباً حقيقياً في مسار الاغنية، كأننا أمام قفير من النحل في حالة حراك دائم، وصباح فخري هو «ملكة النحل» يتنقل على الخشبة بين الموسيقيين وباتجاه المؤدين، وعلى تواصل دائم مع مهندس الصوت، حالة لا نشهدها الا مع ندرة من الفنانين العظماء من أمثال: فيروز وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ، هؤلاء الذين كانوا يحرصون في أي حفلة على الإحاطة بكل دقائقها وتفاصيلها. غنّى صباح فخري.. وكان فضاء القاعة مهيأً، والجمهور تحول صدى جميلاً فتمايل وعقد حلقات الرقص والدبكة مع أغنية «على دلعونا» وطلعت من حناجره الآهات كما لم يحدث من قبل في أغنية «الفل والياسمين والورد» كيف لا والمناسبات كهذه قليلة ونادرة بعد ان تشوشت الرؤية وانقلبت المقاييس وصار الناس يتفاعلون مع الموجة السائدة بأرجلهم ووضعوا قلوبهم على «الرفوف»!. ولم يجد صباح فخري بداً من استحضار كل ما في خزانته العتيقة التي يعمل الآن على تدوينها في أفلام وكتب ضمن مشروع تدوين التراث الذي يتولاه بمبادرة ذاتية. وغنى فخري بصوته الصداح العذب الذي ازداد سحراً مع تقادم الزمن، فقدم قصائد وقدوداً وموشحات، وشاركه الحضور في غناء «يامال الشام» و«مالك يا حلوة مالك» و«اللؤلؤ المنثور». شهدنا ليلتها، صباح فخري المطرب الطفل الذي ينفعل بحرارة مع محبة الجمهور وحماسته، فتمايل على المسرح بحركاته المعهودة، كلما تصاعدت الموسيقى والايقاعات مترافقة مع أصوات الكورال الذي تم اختياره بعناية فائقة ليتناغم اداؤه مع سيد السهرة. ولعل اكثر ما اشعل القاعة هي اغنية «خمرة الحب اسقنيها» التي تواصلت لأكثر من نصف ساعة وسط تفاعل منقطع النظير من الجمهور وانتشاء وسلطنة رائعين من الفنان الكبير. وظل صباح فخري يغني لم يكل ولم يتعب، بل انه شارك الجمهور غبطته وفرحه فرقص معه ايضاً، وكأن نصف قرن من الغناء ابتدأت لحظتها. وبعد مجموعة من الموشحات والمواويل، التي ترافقت مع نثر الورود على سيد الحفل والموسيقيين، اختتم صباح فخري الحفل بقصيدة «طلع البدر علينا» هدية للعيد وكان حينها الفجر قد أطل فعلاً فيما كانت قلوب الجمهور لا تزال مشدودة نحو صانع فرحها وغبطتها في تلك الأمسية من ليالي عيد الأضحى المبارك في دبي. وكان الفنان صباح فخري قد امتع عشاق صوته في حفل حاشد احياه في فند ق الشاطيء روتانا بابوظبي امس .