قصة الموسيقى والآلات الموسيقية طويلة ومشوقة في الوقت نفسه، فمع ان الانسان بدأ يستخدمها منذ الازل، ولكل شعب من شعوب الحضارات القديمة، الفراعنة، الكلدانيون، البابليون، الاشوريون، الاغريق، الرومان، شعوب الانكا وغيرهم، اساليبه الخاصة به، الا انهم يجتمعون على ان الموسيقى هي علاج، فقد وضعوها موضع الدواء واستخدمت لمعالجة الانسان وهذا ما رسخ العلاقة ما بين الانسان والموسيقى وقوى أواصرها وجعلها جزءا لا يتجزأ عن الانسان. والموسيقى العربية عرفت فترتها الذهبية في العصر العباسي ويعتبر ابن سينا العالم العربي المثالي في هذا المضمار الابداعي الحيوي، فقد كتب كتاب (القانون) الذي كان مرجعا طبيا مهما ظل طوال قرون عديدة بعد تأليفه يدرس في العديد من الجامعات الاوروبية ابرزها اقدم جامعة في اوروبا وهي جامعة بولونيا الايطالية وفيه مقارنة بين دقات القلب والسلم الموسيقى كما برز علماء عرب عظام درسوا الموسيقى الفوا الكتب عنها مثل الفارابي والكندي والخوارزمي واخوان الصفا وابن زيلة والارموي والمراغي وعشرات غيرهم من الذين وضعوا السلالم والمصطلحات العربية التي حرفت في فترة ما ادخلت عليها الاسماء الفارسية والتي مازالت تستخدم حتى يومنا الحاضر للاسف الشديد. اشتهرت الالات الموسيقية العربية في كل انحاء العالم وكلنا يعرف بان آلة العود التي اخترعها الكلدانيون في العراق قبل اربعة آلاف سنة شاعت في اوروبا وكانت قاعدة اساسية لاختراع العديد من الآلات الوترية الغربية المتداولة حاليا. والامر نفسه ينطبق على «القانون» الذي يعتبره عدد من الدارسين بان اصوله تعود الى القرن التاسع قبل الميلاد في فترة الحكم الاشوري وهي الة مستطيلة الشكل وقد شدت اوتارها بصورة موازية لسطح الصندوق الصوتي وقد اطلق العرب عليها في العصر العباسي اسم (النزهة) وطوروها حتى شاعت ايام انتشار وازدهار الحضارة العربية في كل من الاندلس وصقلية واقتبسها الاوروبيون واستمر القانون يصدح بأصواته الجميلة في اوروبا منذ القرن الحادي عشر حتى تطور على شكل الة البيانو المتعارف عليها في الوقت الحاضر وذلك في بدايات القرن السابع عشر. تصنع آلة القانون التي جاءت تسميتها من العصر العباسي في القرن العاشر الميلادي حيث ورد ذكرها في كتاب الف ليلة وليلة، عادة من خشب الجوز، ويعتمد صانعها على قياسات معينة وثابتة ومن امهر صناعها في الدول العربية هم الحرفيون المصريون اما اوتارها فتتألف من 78 وترا حيث انها ثلاثية الشد، اي على شكل مجاميع ثلاثية حيث ان كل ثلاثة اوتار متساوية في الدقة والسمك (الغليظ) والصوت، تكون لها درجة صوتية واحدة ويصبح مجموع الانغام (التونات) 26 نغمة، ثلاثية الشد، يكون شدها متدرجا بالتساوي من الاسفل الى الاعلى حيث يبدأ الغليظ (BASS) من الاسفل الى ان يتدرج بحدة الصوت الى الاعلى (SOPRANO) اي كل وتر يكون اغلظ مما فوقه اما طريقة تسوية اوزان (التون) في هذه الآلة فيبدأ من درجة الحسيني (LA) التي تقع في الديوان الوسطي وتسوى بدرجة (440) ذبذبة في الثانية الواحدة على ذبذبة الشوكة الرنانة كما هو الحال في آلة البيانو، وبعد الحسيني يجيء الدوكاه (RE) الخامس من اسفل الحسيني ثم ضبط النوي (SOL) وهو الرابع من الاعلى للدوكاة، ثم ضبط الرست (DO) والخامس من اسفل النوى واخيرا الجهاركاه (FA) وهو الرابع من اعلى الرست، ثم تتم تسوية باقي الدواوين وفق تسوية الديوان الاوسط. برع الموسيقيون العرب في العزف على هذه الآلة الموسيقية التي اصبحت تمتلك شكلا اشبه بالمنحرف القائم الزاوية ومن العازفين الجدد في ايامنا برع الفنان العراقي قدوري. تختزن اعمال هذا الفنان روحية موسيقية تتميز بالجرأة والبراعة والرشاقة فهو اضافة الى كونه عازف مميز، فقد كتب عدة مقطوعات خاصة بالقانون حملت روحا تجديدية من دون التخلي عن القوالب الموسيقية الاصلية مثل (امواج) و(نداء الروح) و(الرحيل) و(في عطر القانون) وغيرها اضافة الى اعداده مجموعة من الاعمال استمدها من الموروث الشعبي العراقي الغنائي الذي ظهر في الثلاثينيات والاربعينات من القرن الماضي مثل اغنيات صديقة الملاية وزكية جورج، وزهور حسين، وحضيري ابو عزيز، وناظم الغزالي ويوسف عمر وعدد آخر من رواد ورائدات الطرب العراقي اضافة الى تقديمه مجموعة مختارة من اعمال تعتبر مزيجا بين الموروث العراقي النغمي والموروث الغربي الموسيقي في قوالب نغمية ايقاعية رشيقة من خلال المزاوجة بين الموسيقى من بلاد امريكا اللاتينية وآلة الجاز والقيثار والجلو وعدد آخر من الالات الحديثة ليثبت بان آلة القانون قادرة على الخروج من محيطها التقليدي المرسوم لها ضمن ايقاعات المقام العراقي واطواره التقليدية المعروفة وان هذه الالة لا تقتصر على نفر معين او ذوق معين بل انها ذات علاقة بالحاضر وقادرة بالتأثير على الذوق الموسيقي المعاصر. عازف الة القانون العراقي فرات حسين قدوري (مواليد بغداد 1970) درس الموسيقى في مدرسة الموسيقى والباليه في القسم الشرقي فرع القانون التحق في معهد الدراسات الموسيقية النغمية ثم التحق فيما بعد في اكاديمية الفنون الجميلة عام 1992 عضو فرقة البيارق التي اسسها الراحل منير بشير، عمل استاذا ومحاضراً لآلة القانون في كل من مدرسة الموسيقى والباليه ومعهد الدراسات الموسيقية ومركز دار السلام للموسيقى، ودرس القانون في المدرسة الانجليزية الحديثة في عمان، كما عمل استاذا للقانون في المركز الثقافي العربي في مدينة بروكسل وشارك في العديد من المهرجانات الثقافية في العراق وعدد من العواصم والمدن الاوروبية كما اسس عددا من الفرق الموسيقية منها فرقة الرافدين فرقة اكد، فرقة بابل، فرقة النهار الجديد، فرقة بيت المقام، مجموعة ما بين النهرين، فرقة البيارق. التقينا فرات قدوري بمناسبة تواجده في ايطاليا لاحياء عدد من الاماسي الموسيقية فقال: ان العودة الى سيرة الالحان العراقية القديمة الموروثة واعادة توزيعها من جديد يعكس القيمة الحقيقة للموسيقى باعتبارها فعل حياة وبنية حضارية قادرة على مواكبة الحدث وقادرة على صناعة التاريخ، فقد استطاع العديد من الموسيقيين العرب نفض غبار الماضي والمضي في مراحل الارتقاء والتكييف مع الواقع وما يحمله من انفتاحات على الفضاءات المعرفية. ـ الا تعتقد بان الانفتاح على الفضاءات الغربية يشكل في بعض الاحيان تسطيحاً لمفهوم الموسيقى العربية في فهم بعض المتلقين العرب؟ ـ الموسيقى العربية حاليا في امس الحاجة لاستقطاب روح وقيم التجارب في كل انحاء العالم بعيدا عن التلويث والتهجين الموسيقي، الموسيقى العربية بحاجة الى الكثير من النظريات التي تعنى بتطويرها وليس من العيب التوجه نحو الماضي في محاولة لسبر اغوار ما جرى منذ مئات السنين كما ليس من العيب التوجه نحو الحاضر لمرافقة التطورات والتغيرات التي تشهدها ساحة الابداع وهذا باعتقادي ضروري لانه يوصلنا الى فهم حلقات تطور الموسيقى بكونها حلقات متصلة ولابد ان تكون واضحة فانا انظر الى المستقبل من خلال توظيف العمل الموسيقي من طوره الحسي الروحي والجمالي الى الطور الفكري ايضا انا ادعو الى انفتاح الموسيقى العربية نفسها ازاء فضاءات موسيقية جديدة باعتبار الموسيقى فعل حياة وبنية حضارية ترفض التحجر الذي تفرضه في العديد من الاحيان سلطة الموروث المتزمت فاشكالية الموروث وكيفية امتصاصه واعادة انتاجه يأتي من خلال الانفتاح على التجارب الموسيقية العالمية. ـ لقد شهدت حضارة وادي الرافدين تطورا كبيرا في مجالات اكتشاف وصناعة العديد من الآلات الموسيقية ماهو السبب في رأيكم؟ ـ الآلات كثيرة، بدأت بالقيثارة مرورا بالناي الفضي الذي يحتفظ به المتحف البريطاني والعود والسنطور والطبول بمختلف انواعها واشكالها واحجامها وغيرها من الآلات التي كانت تستخدم في الجوقات الدينية التي كانت تصاحب عمليات الانشاد في المعابد والاحتفالات المدنية التي كانت تقام بالمناسبات طيلة ايام السنة في الساحات العامة والشوارع وقد ساعد على هذا التطور والنمو المتميز للفن الموسيقي، التشجيع الكبير الذي لقيه العديد من الفنانين في الابتكار والعطاء، وهو دليل على تفوق حضاري وثقافي اتسمت به حضارات وادي الرافدين. ـ الا تعتقد بان هناك مخاوف من عمليات التهجين الموسيقي الذي يسود حاليا في موسيقانا العربية والذي يهدد اصالة موسيقانا؟ ـ ما تنتجه مجتمعاتنا التي تضرب جذور الابداع فيها عميقا في التاريخ البشري، لاتوجد مخاوف، عندنا قاعدة متماسكة اخذ واستعار منها العالم لبناء ابداعه في مجالات شتى ومنها الموسيقى، اكرر من جديد بأننا في امس الحاجة لاستقطاب روح وقيم التجارب الاخرى، وفي الوطن العربي وكنتيجة لتعاقب وتعدد الحضارات صار عندنا تنوع هائل في البنية النغمية والايقاعية والالات الموسيقية بكافة صيغها واشكالها الشعبية منها والتقليدية وآلة القانون على سبيل المثال كانت ولاتزال في مقدمة ذلك التراث الثري من الالات الموسيقية العربية والعالمية. ـ ما الاسباب التي جعلت توجهاتك الابداعية نحو الة القانون دون غيرها من الالات الموسيقية الاخرى المعروفة؟ ـ تعتبر الة القانون من اغنى الآلات الموسيقية انغاما واطربها صوتا، فهي تشمل على حوالي ثلاثة دواوين (OCTAV) ونصف الديوان تقريبا وبذلك فانها تمتلك مساحة صوتية واسعة تساعدها على ان تغطي كافة مقامات الموسيقى العربية، ولهذا السبب تعتبر آلة القانون بمثابة الدستور لكافة الآلات الموسيقية العربية كما نستطيع القول بان القانون هو الام والآلة الاساسية عند الشرق، وذلك لاعتماد باقي الفرق الموسيقية عليها في ضبط وزنه (TUNE) وهي تشبه الى حد كبير الدور الذي تقوم به آلة البيانو عند الغربيين. ـ ما هو رأيك باختزال العديد من الفرق الموسيقية العربية لدور الة القانون والاعتماد على بعض الالات الغربية لتحل محلها؟ ـ ان هذه الظاهرة تدعو للأسف الشديد وهذا ما ألاحظه في عدد من الفرق الموسيقية الغنائية في دول الخليج العربي والتي تنمو فيها وعلى نحو ايجابي اطوار غنائية متعددة تعتمد بالاساس على الموروث وهو الامر الذي ارى فيه تعارضا مع اهمال هذه الالة الحيوية التي من شأن وجودها في مثل هذه الفرق، خلق تحولات متميزة في الموسيقى والغناء لدى العرب. روما ـ موسى الخميسي