بيان الكتب: قبل رحيله بأشهر قدم الدكتور حامد خليل للمكتبة العربية كتابا حول الثقافة العربية المعاصرة بعنوان «الحوار والصدام»، فحامد خليل من كبار المفكرين العرب المهتمين بمسألة الثقافة العربية وانعكاساتها على الواقع العربي حاضره ومستقبله. في كتابه الاخير الذي نستعرضه يسلط فيه خلاصة فكره ما عايشه من حوارات وصراعات ايديولوجية وثقافية يؤكد المفكر خليل بأن العالم شهد في العقد الاخير من القرن الماضي تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة انعكست على السياسة والفكر في وطننا العربي. فظهرت افكار ومطروحات اجتماعية وثقافية وسياسية جديدة غير مألوفة سابقا، وبدا في الظاهر كأنها تستجيب لمقتضيات العولمة ونهايات القرن وروح العصر والمستقبل، وبدأ الحديث يزداد عن التغيير وظهور مفردات كالمجتمع المدني والديمقراطية وحقوق الانسان والتطبيع وحوار الحضارات و صدامها ومستقبل المشروع القومي العربي والعلاقات العربية ـ العربية. كل هذه المفردات كانت المادة المحورية في كتاب حامد خليل بعد ان شكلت ومازالت باقية هي المادة المحورية للصراع الفكري والايديولوجي طوال العقدين المنصرمين من القرن الماضي. قسم المفكر خليل كتابه الى اربعة فصول هي «قضايا الحوار والصدام ـ مستقبل العلاقات الثقافية والاجتماعية العربية ـ قضايا الهوية في الفكر العربي المعاصر ـ مخاطر المشروع الصهيوني واحتمالات المواجهة». أ ـ قضايا الحوار والصدام: يؤكد د. خليل ان الثقافة العربية المعاصرة قد استجابت لحركة المجتمع. فبرزت قضايا كثيرة صارت موضوعات للحوار والصدام. ويؤكد المؤلف ان هذا الفصل هو الاكثر اهمية في بحثه وقد ضمنه «الهوية، العلمانية، الديمقراطية، مسألة الحكم» كانت مسألة الانتماء الى «الهوية» في اواخر الستينيات قد اقتربت من الحسم لدى الغالبية العظمى من الشعوب العربية، لكنها انحسرت بعد حرب اكتوبر 1973. وانتهى الأمر الى تشكيل خمسة انواع من الانتماءات شكلت ساحة الصدام بين التيارات الايديولوجية المعاصرة وهي «الاسلامي، القومي، القطري، الاثني، الاقليمي، الشرق اوسطي» هذا لا يعني ان ثمة تجانسا تاما داخل كل تيار. تعددها هذا قد لا يعود الى خصومة الفكر العربي كما يرى بعض الباحثين، وانما الى قصور هذا الفكر عن الاستجابة الحقيقية لحركة الواقع العربي. فالدين الاسلامي هو العامل الوحيد في تشكل «الهوية» عند التيارات الاسلامية، اما التيارات القومية فقد اتفقت حول الانتماء الواسع الى العروبة، لكنها اختلفت كثيرا حول اسس تكوين هذه الهوية. غير ان تيارا جديدا نشأ في قلب هذه الحركة وقد كان الدافع اليه هو ادراكه لأهمية الدور الذي يضطلع به التركيب الاقتصادي للمجتمع في بناء المنظومة الفكرية منه. فالتيار الناصري يقفز في اتجاه امتلاك الحاضر وقد تحكمت الناصرية بالفكر العربي لفترة طويلة، معضلة العلاقات بين العروبة والاسلام متمثلة في الخلاف حينا والصدام حينا آخر حول ايهما يحمل الاخر العروبة ام الاسلام وتحكمت ايضا بالفكر القومي. مشكلة اخرى تتعلق بآلية التعامل مع الهوية القطرية مع الدولة القطرية. وجاءت حرب الخليج وتطوراتها ونتائجها وجعلت بعض المثقفين العرب يحاولون تغيير تيار الثقافة العربية العريض على مساره بالتخلي عن هويته القومية لصالح هوية اكثر شمولية هي: الهوية الاقليمية او الشرق اوسطية اما العلمانية فيبدو انها باتت من أكثر الاصطلاحات تأججا لاحتواء الصدام والصراع تحريضه في الثقافة العربية المعاصرة، وربما يعود ذلك الى التباس في فهم التيارات الثقافية لهذا المصطلح، ان العلمانية لا تدعو الى التخلي عن الايمان الديني ولا الى رفض الاهتداء بروح النص الديني. ولم تكن بعض التيارات التي لم تدخل ساحة الحوار قد اعتبرت «العلمانية» ضلالا والحادا؟ ولم تكن طبيعة الصدام بشأن الديمقراطية وطبيعة الحكم اقل اشكالية واقل ابتعادا عن المضمون اذن ما هو الفرق من حيث المضمون بين ان نقول ان الحاكمية لله، لكن الناس هم الذين يفسرون ما تعنيه آلية تلك الحاكمية، او ان نقول ان الناس هم الذين يحددون طبيعة الحكم ويشرعون القوانين الناظمة للحكم واسلوب السلطة. ويؤكد د. خليل ان الديمقراطية في افكار النهضويين والعلمانيين مجرد صناديق اقتراع وليس نطاقا للحياة. ب ـ مستقبل العلاقات الثقافية والاجتماعية العربية: بدأ المؤلف هذا الفصل من كتابه بالحديث عن الحالة الثقافية والاجتماعية الراهنة، فيشير الى وجود تيارات متباينة كثيرة على ساحة الوطن العربي تنذر بالتناحر فيما بينهما حتى توشك بقيام حرب أهلية في الوطن العربي وحدد تياراته في الفصل السابق من حيث الصدام الايديولوجي ويذكر د. خليل على مصدر هذا التناقض يعود الى سببين هما: أولا: ان القضايا التي تشكل ميدانا للصراع في ثقافتنا العربية لم تتم صياغتها استجابة لحركة الواقع العربي ومتطلبات بنائه وانما هي محكومة احيانا بنسيج ميكانيكي لمقولات ونظريات ثقافية جاهزة من الغرب، وأحيانا بتصورات شخصية مجردة أو بسبب النزوع الى السلطة ذات الشكل الديكتاتوري. ثانيا: العامل الموضوعي: فالاقطار العربية محكومة بقوى متفردة بالحكم والسلطة وتعمل على احياء كل ولاءات الماضي بحيث يصبح الكل في حرب ضد الكل وتقيم نمطا مهووسا في الاستهلاك تغذية الآلة الاحتكارية الغربية الجهنمية، وتمعن في افقار معظم فئات الشعب وتنقل ثرواتها الى خارج الحدود كما لا ننكر ان ثمة اختراقا ثقافيا غربيا للوطن العربي تمثل في الفترة الاخيرة بثقافة امريكية لها خصوصيتها عن الثقافة الانجلو امريكية ـ او الفرنسية. فكانت النتيجة ان الجماهير بعد ان قادت تلك القوى السياسية شعوبها و جماهيرها الى الهزائم المتوجة بالانتصارات الاعلامية سلموا بأن القومية العربية هي التي هزمت.. ومع ذلك فان المؤلف يرى ان العائق الاكبر في وجه تأسيس ثقافة عربية حقيقية. ليست الثقافة الغربية وانما اهمال بعضنا الذي دفع للاحتكارات الغربية بدفعنا الى تكريس نوع معين من الاستهلاك لنوع معين من المعارف المستوردة والسلع المستوردة ايضا. اما عن آفاق المستقبل فقد اظهر د. حامد خليل ان كل المعطيات الموضوعية تكرس وتعزز التعدد الذي ينطوي على الاختلاف. وبين ايضا انه على الرغم من ذلك فثمة نزوع دائم الى الوحدة برغم فشلها، مرده وجود ثقافة عربية مشتركة لحضارة عمرها آلاف السنين. ويقدم المؤلف اقتراحاته لتأسيس علاقات ثقافية عربية نقية وصحيحة فيقول: «في مقابل الدولة التي هي اداة تفتيت للمجتمع لابد من قيام تكوينات مدنية ضاغطة قطرية وقومية مستقلة عن الدولة وتكون بديلا عن التكوينات الذهبية والطائفية والاثنية والقبلية». ج ـ قضايا الهوية في الفكر العربي المعاصر: يعود المؤلف في هذا الفصل لطرح مشكلة الهوية في الفكر العربي المعاصر ويناقش التحديات الراهنة للهوية القومية ومخاطر التحولات الثقافية الراهنة ومسألة الثقافة العربية وحوار الحضارات متسائلا: هل يدفعنا وجود وجهات نظر مختلفة حول مسألة الهوية الى الاستنتاج بأننا نعاني أزمة هوية..؟ ويرى ان الازمة ليست ازمة هوية وانما هي ازمة مجتمعات، افضى فشل قياداتها السياسية في التصدي للمواجهات والتحديات التي واجهتها فظهرت الازمة بشكل هز العلاقة بين الجماهير وقواها السياسية. كما يؤكد الباحث انه لا يجوز تجاوز التعددية الثقافية بل يجب توظيفها لاغناء الثقافة العربية وتطويرها. ويقول ان التحديات الراهنة، قد بدأت في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي بعد ان كان هناك بداية لحركة طموحة لتجاوز الاطر العصبوية والذوبان في بوتقة قومية موحدة، وانبرى بعض المفكرين العرب الى تفسير ما جرى فمنهم ما عزاه الى التآمر الخارجي ومنهم من فسره بالقصور النظري الذي اصاب الفكر القومي. ويوجه حامد خليل الانظار الى مخاطر التحولات الثقافية قائلا: «ان استراتيجية التحديات القائمة الآن. تتجسد بتشكل عناصر ثقافية جديدة يعززها الواقع الموضوعي بينما شارك الخارجي بمعونة الاصدقاء في الداخل بتأسيس بعضها الآخر، وان استراتيجية التحديات السابقة كانت تقام على اساس تمزيق الرابطة القومية وتقوية الكيانات القطرية. وبهذا الاشكال وصلنا الى انحطاط معظم السياسة العربية والانخراط في مشاريع التسوية والهيمنة والتفريط بالثروات القومية ونهبها والتفسخ الاداري والتفكك الاجتماعي وتعدد الولاءات لما قبل القومية ولبروز فضاءات ثقافية متعددة ومتناقضة ولكن توجد من جهة اخرى قوى منتشرة في كافة الاقطار العربية لا تزال مسكونة بالهم القومي مبعثه امل باق بالرغم من كل الانحسارات القومية. وفيما يتعلق بالثقافة العربية وصراع الحضارات يؤكد المؤلف: انه بينما تنقسم وتتباعد الاتجاهات الثقافية العربية، نجد تسابقا بين الحضارات والثقافات نحو المستقبل في حين ان الثقافة العربية «تجتر» الماضي او بمعنى آخر ان الماضي يغلب على الحاضر والمستقبل في الثقافة العربية اي اصابها عقم ما بعده خصوبة ابدا. ويورد آراء المفكر خالد محمد خالد ومحمد محفوظ وعابد الجابري حول ان المواطنة تستدعي مشاركة الفرد الفعلية في معالجة الامور والقضايا العامة قبل ان تتحول الى قرارات عبر برلماناتها «الكرتونية» ذات الحركة الشطرنجية. د ـ مخاطر المشروع الصهيوني واحتمالات المواجهة: يعدد حامد خليل ما تم تحقيقه وتطويره من اهداف صهيونية، وان عدو العرب والمسلمين اصبح يملك حق «الفيتو» المدعوم بالقوة ويتجاوز بهذه الملكية على أي مشروع عربي وحدوي، بذريعة ان المشروع الوحدوي يهدد امن اسرائيل والامن الاقليمي للشرق الاوسط. والاخطر من ذلك ان هناك اتفاقيات تنص على الزام الجانب العربي بحماية الامن الاسرائيلي والتصدي لكل عربي يحاول تهديده. امام هذا الوضع الانهزامي يعود حامد خليل متفائلا بعد ان اوحى ان كل شيء في الوطن العربي تحول الى حطام او «فزاعة» فلأنه يوجد خطر داهم يتمثل بالشكل الراهن والجديد للحركة الصهيونية الذي يسمونه كذبا «السلام» ان الاهمال والانشغال في التعامل الجاد مع هذا الخطر انما يشكل المدخل المناسب لتجاوز حالة الحكام العرب القائمة حاليا ما بين مؤيد ورافض ومستسلم. ويقدم المؤلف عدة اقتراحات ترسم ملامح عملية للدخول في مواجهة المخططات الصهيونية كما يتحدث عن آفاق تأسيس استراتيجية سياسية عربية لضمان سيادة الامة بكافة اقطارها والحفاظ على أرضها وتراثها الروحي والمادي والتحكم باستقلالية قرارها وحماية أمنها. وضاح محيي الدين